لم تشبه عملية الانتقال الآنيّ شيئاً ممّا خبره يوليوس من قبل. منحه مفهومه الجديد فهماً أعمق لمجرى الأمور بأكثر من أيّ وقت مضى. شعر بمدى تنظيم هذا الانتقال البنيويّ وهندسته مقارنة بنسخته المتعثرة الخاصة. لم يكن قادراً بعد على التجريب بمهارة خطوة الفراغ إلا قليلاً. لم يحن الوقت الكافي لذلك تماماً. مع ذلك، تعلّم من الاستخدامات القليلة أن المهارة تشبه إلى حد بعيد مهارة خطوة الوميض.
الفرق الأساسيّ كان أن الحركة تكاد تكون فورية. لم يتطلّب الأمر وقتاً طويلاً للتفعيل كما كان يخشى. وفوق هذا، لم تكن هناك أيّ دُوارة مروعة عندما كان ينتقل. كان يفكّر في نقطة ما فيظهر فيها. غير أنّه شعر بغشاء خطير يغلف جسده كلّما انتقل. كان الأمر أشبه بأن الفراغ يتعلق به كجلد ثانٍ، ولو فقد تركيزه لتمزق إرباً كما حدث في السابق. لذا ذكّر نفسه بإيلاء اهتمام إضافيّ عند استخدام المهارة.
غير أنه اكتشف بعض الأمور التي يرغب في تجريبها بمزيد من التفصيل. أولاً، تضمّنت المهارة بعض المجال للتنوّع. شعر أنه لو أراد لتمكّن من إطالة المسافة المقفوعة. ربما تطلب ذلك فترة تفعيل أطول ومزيداً من طاقة المانا، لكنه شعر بأنه أمر ممكن. الجانب السلبيّ للمهارة تمثل في تكلفة المانا الباهظة. امتلك يوليوس دائماً قدراً وافراً من المانا. حتى عندما كان في المرتبة الثانية، امتلك مانا تفوق ما يملكه عدة أشخاص مجتمعين، ولم تلبث إلا أن نمت منذ وصوله إلى المرتبة الثالثة.
بيد أن مهارة خطوة الفراغ استهلكت قدراً أبلهاً لكل عملية تفعيل. اعتقد أنه لا يستطيع استخدامها إلا عشر مرات تقريباً قبل نفاد المانا. وستؤثر مسافة السفر على هذه التكلفة على الأرجح. لذا فإنه لو كان ينتقل بضع أقدام فقط، فقد يستطيع مضاعفة الرقم أو تثليثه، ومع ذلك لم يكن ذلك بالكثير. لم يفكّر في الأمر عندما اختار المهارة، لكنه سيحتاج على الأرجح إلى الاعتماد على نسخة يدوية من مهارة خطوة الوميض في هذه الأثناء.
لحسن الحظ، كان على معرفة تامة بالمهارة ولم يعد بحاجة إليها من الأساس لتساعده، لكن الأمر سيظل مزعجاً حتى يرتقي بمهارة خطوة الفراغ. لعلّه ينبغي عليه محاولة الحصول على نسخة حركية من مهارة خطوة الوميض في هذه الأثناء لمساعدته في الحركة عند عدم الانتقال. كان عليه اختبار فاعليته القتالية مسبقاً مع ذلك. لحسن الحظ، كان متوجهاً إلى مكان سيمكنه من فعل ذلك. استقرت التموجات المكانية أخيراً، ووجد نفسه واقفاً على منصة حجرية مع الآخرين.
ألقى نظرة حوله فلاحظ أن المنصة التي تقلع بهم كانت وسط ساحة للمدينة. سُمّيت المدينة التي نُقلوا إليها بيرالت. كانت بلدة محاذية للغابة التي لا تقمطر، ورغم أنها لم تكن إحدى البلدات الرئيسية قرب الغابة، إلا أنها كانت مأهولة تماماً. على عكس هيستون، كانت المباني المحيطة بهم عملية وأكثر بساطة بكثير. لم تكن مزدانة بتعويذات فاخرة وتألفت في الغالب من الحجر الرمادي الفاتح نفسه أو من الخشب الداكن.
استطاع رؤية أسوار هائلة تحيط بالبلدة في الأفق حتى من موضعه. كانت بذلك الحجم فحسب. عرف أن بيرالت اضطران لتحمل طوفانات الوحوش مراراً، لكنه ظل معجباً بالأسوار الكبيرة التي تحمي البلدة. بلغ ارتفاع الأسوار نحو خمسين قدماً وبدت وكأنها مصنوعة من أشد الحجارة كثافة. استطاع رؤية زمرة من الحراس يدورون على المتاريس فوق هذه الأسوار. أذهله عدد الأشخاص المحيطين بهم. لم يكونوا الوحيدين الذين استخدموا منصة الانتقال هذه.
راح الكثيرون غيرهم يغدون ويروحون. ولم يجذبوا أيّ انتباه من المحيطين بهم على الإطلاق. أخذهم اللورد هولتن ومعلمه بعيداً عن المنصة على عجالة. توجها نحو مقر إقامته، المكان الذي يمكث فيه الرجل حين يكون في بيرالت. علم يوليوس من دريك أن اللورد هولتن كان أحد اللوردات المكلّفين بإدارة بيرالت. تعنى هذا أنه ساعد في الحكم وفرض القوانين في البلدة. وغالباً ما كانت هذه مهمة شاقة نظراً لأن هذه البلدات كانت أقل تنظيماً وتشبه الغرب المتوحش أكثر من كونها بلدة متحضر حقيقية.
سمح اللورد هولتن لهم بالاستقرار قليلاً بينما خرج وأنجز بعض الأمور. استغلّوا هذا الوقت للحديث عن خططهم.
"أهناك مكان يمكنني التسجيل فيه كمغامر؟"
سأل ليلي.
"ينبغي أن يكون هناك مقر نقابة حيث يمكنك التسجيل في البلدة، ولكن هل أنت متأكد من رغبتك في فعل ذلك؟ أخبرنا اللورد هولتن بأنه سيؤمن لنا مهامنا الخاصة والصدوع التي يمكننا الخوض فيها"
قالت له.
"تذكري، أخبرتك برغبتي في الذهاب للمغامرة بمفردي"
ذكرها.
"نجل، لكن هذا لا يعني أن عليك الذهاب وحدك طوال الوقت. يمكننا الخوض في الصدوع ذاتها، ويمكنك القيام بما ترتئيه"
قالت له أوبراين. هز كتفيه.
"أريد إلى حد ما أن أكون وحدي تماماً".
"لماذا؟"
"أشعر أن بمقدوري خوض مخاطر أكثر حين أكون وحدي"
قال بصدق.
"أتعني مخاطر قد تودي بحياتك؟"
سأل دريك، مذهولاً من إجابته. هز كتفيه مرة أخرى.
"حصلت على بعض المهارات التي تساعد في منع ذلك، ولكن نجل، هنالك عنصر معين من الخطر. ومع ذلك، هذا ما أحبه وأريد فعله. أعلم أيضاً أنكم لا تستطعمون تحمل تلك المخاطر. فلديكم عائلات ومسؤوليات تفوق أنفسكم وعليكم أخذها بالحسبان".
"تجعل الأمر يبدو وكأنك لا تمتلك أياً منها"
قالت ليلي بعبوس.
"انظري، لست أحاول الموت أو ما شابه. ولكن بعد مزيد من التفكير، كنت أموت مللاً حين كنت في غولدنكريست. أحتاج إلى شيء أكثر إثارة في حياتي"
قال متنهداً بعمق.
"تعرضت للهجوم مرتين من قبل قتلة"
قالت ليلي بجمود.
"ماذا؟ ماذا تعني بالمرتين؟"
سأل أوبراين، مرتبكة تماماً حين سمعت ليلي. نسي يوليوس أنه أو ليلي لم يخبرا الآخرين بكيفية استدراجه للقتلة الثلاثة، كما لم يذكرا الهجوم الأخير. لقد أفلت من ذهنه حتى الآن.
"لا شيء"
قال يوليوس متجاهلاً الأمر.
"لا يبدو الأمر وكأنه لا شيء"
قال إدغار بعينين مضيقتين. انهار يوليوس عندما أدرك أنه لن يستطيع الإفلات بإخفاء الحقيقة ومنح ليلي نظرة متهمة. لترد عليه بأن التفتت عنه بشعور بالذنب. ثم شرع في إخبارهم عن الهجوم الثاني وكيف تدخلت عائلة ليلي لحمايته من أيّ هجمات أخرى.
"كان يجب أن تخبرنا"
قال دريك بنظرة خيبة أمل.
"تدبرت الأمر. لم يبقَ الكثير مما يتطلب فعله. تولّت ليلي وأبوها أمر عشيرة غينشين"
أشار يوليوس.
"مع ذلك، ينبغي أن نعرف حين يحاول أحدهل قتل صديقنا"
احتجت أوبراين.
"كان بوسعي أن أطلب من أمّي تلقين عشيرة غينشين درساً. هي بالأصل تمقتهن، لذا أشك في أن الأمر تطلب الكثير من الإقناع".
أمال يوليوس رأسه ولم يسعه إلا الاعتراف بمدى إغراء ذلك العرض. لكنه هز رأسه.
"لا بأس. يمكننا تأجيل هذه الفكرة لوقت لاحق الآن. أظن أن آل فيوليت قد تكفلوا بالأمر في الوقت الحالي".
"حسَب، ولكن من الآن فصاعداً، تخبرنا حين يحاول أحدهم قتلك، أتعِدني؟"
طلبت أوبراين بإصرار. تنهد يوليوس لكنه أومأ موافقاً. فقد كان أعقل من أن يجادلها في هذه المسألة. فقد كانت عنيدة بشكل مزعج في أمور كهذه. بالإضافة إلى ذلك، ذكر نفسه أنه لن يحب الأمر لو حاول أحدهم قتل أحد أفردهم ولم يخبروه. كان من العدل فقط أن يفعل المثل معهم. عاد اللورد هولتن فأخذهم ليخرجوا ويقابلوا الأشخاص الذين سيساعدونهم في الحصول على المهام والمعلومات حول الأماكن التي يجب قصدها من أجل الصدوع.
"من يساعدنا تحديداً؟"
سأل إدغار اللورد هولتن.
"ألم يخبركم دريك؟"
بدا اللورد هولتن مشوشاً حيال ذلك.
"لم نسأله"
قال إدغار بكتفين مسترخيين. في الحقيقة، وثق الجميع بدريك بأن يضمن سير كل الأمور على ما يرام. كان الشاب دقيقاً جداً في التفاصيل ولن يدعهم يمشون ببساطة نحو أيّ شيء مريب.
"سنقابل نائب رئيس نقابة مستدعي العواصف. إنهم نقابة تتخذ من هيستون مقراً لها لكنهم يستعملون بيرالت لتدريب أعضائهم الجدد"
أوضح اللورد هولتن. تجمد يوليوس وأدار رأسه فوراً ليحدق في دريك متسائلاً. كان قد سمع بنقابة مستدعي العواصف من قبل وعرف أن دريك كان ينبغي أن يسمع بها أيضاً. تذكر أنه أخبر دريك بلقائه بتلك المرأة كيرا فضلاً عن العرض الذي قدمته ليوليوس. أكان هذا محض صدفة، أم لعلّه كان طريقة مستدعي العواصف للاقتراب من يوليوس؟ ضحك دريك بخفة حين رأى حدقة يوليوس.
"أعرف ما تفكر فيه".
"وماذا بعد؟"
"نائب رئيس نقابتهم صديق حميم للورد هولتن في الواقع. قد يستغلون هذا كوسيلة للاقتراب منك، لكن يمكن الوثوق بهم. تحظى نقابة مستدعي العواصف بسمعة راسخة تماماً"
طمأنه دريك.
"أستطيع تأييد ذلك. رونين رجل صالح، ونقابته تصرفت دائماً بشرف. إنهم دائماً الأوائل في حماية الآخرين وتولي أصعب المهام، حتى لو حصلوا على أدنى مكافأة. لذا حين جاءني رونين وعرض العرض، ظننته عرضاً جيداً للغاية"
قال اللورد هولتن لهم جميعاً. نظرت ليلي إلى يوليوس متسائلة.
"أترى مشكلة هنا؟ لن نذهب إن شعرت عدم الارتياح حيال ذلك".
قدر حرصها على مشاعره، لكنه هز رأسه.
"لم أظن أن المرأة كانت شخصاً سيئاً. فضلاً عن ذلك، وكما قلت، سأسجل في نقابة المغامرين على أية حال، لذا فلن يفرق معي الأمر".
نظر إليه اللورد هولتن بارتباك.
"ألا تخطط لتشكيل فريق مع أصدقائك؟"
هز يوليوس رأسه.
"أنا متأكد من أننا نستطيع خوض بعض الصدوع معاً. لكن لديّ بالفعل خطط للقيام بالكثير من المغامرات بمفردي".
"لا أقصد التدخل، لكن الغابة التي لا تقمطر ليست كغيرها من الصدوع التي ربما خضتها في غولدنكريست. إنها ليست مراقبة أو منظمة بعناية. يموت الناس كل يوم، ويمكن للفريق حقاً أن يساعدك على النجو"
نصحه اللورد.
"هذا ما كنا نحاول إخباره به"
تمتمت أوبراين بصوت خفيض. تجاهلها يوليوس وأومأ ممتناً للرجل على اهتمامه.
"أنا متفهم. لكن قراري يظل كما هو".
بدا اللورد هولتن وكأنّه يريد محاولة النقاش، لكنه دع الأمر وشأنه.
"حسناً، في تلك الحالة، لنتوجه إلى نقابة المغامرين أولاً. إنها أقرب، ولن تكون فكرة سيئة لكي تسجلوا جميعاً هناك. ليست لديهم أي قيود على الراغبين في الانضمام. تحتاج فقط لدفع رسوم للاختبار"
قال اللورد هولتن، مغيرًا اتجاهه نحو المكان الذي يشك يوليوس في وجود مقر النقابة فيه. لم يدرِ لسبب ما، لكن يوليوس شعر لسبب ما بحماسة غريبة تجاه احتمال التسجيل كمغامر.