مرّت أيّام قليلة. واقترب موعد مغادرته غولدنكريست. وافق أخيراً على الانضمام إليهم نحو الغابة التي لا تنتهي بعد إلحاح من البقيّة. فكرة خوض غمار الشقوق المختلفة وقتال الوحوش القويّة كانت مغرية للغاية. وهو أمر حرص أوبري وإدغار على تذكيره به مراراً حين كانا يحاولان إقناعه بالمجيء. لم تكن لديه خطة أخرى أو مكان يقصده خلال العطلة. ولم يكن لديه أهل يعود إليهم. فالأرجح أنّه سيواجه حتفهم على أيديهم قبل أن يرحّبوا به بحفاوة.
بدت فكرة خوض المغامرة بمفرده جذابة، لكنّه لم يدرك تماماً إلى أين ينبغي له الذهاب. على الأقلّ، ستتوفر له بهذه الطريقة شقوق لا حصر لها لاستكشافها، وسيكون أصدقاؤه بالقرب منه أيضاً. لكنّه اشترط عليهم شروطه الخاصة. وحرص على إعلامه برغبته في قضاء بعض الوقت بمفرده، سواء أكان ذلك بالانفصال عنهم والاستكشاف وحدَه لفترة غير محددة أم لغير ذلك. وجد جوليوس نفسه يمشير برفقة البقية مبتعداً عن بوّابة غولدنكريست.
ملأه النظر إلى البوّابات المتلألئة على ضوء شروق الشمس الذهبي بشيء من الحزن. لقد قضى وقتاً طويلاً هنا وصنع ذكريات لا تُنسى، لكنّه شعر بالارتياح نوعاً ما لأنّ الأمر بلغ نهايته أخيراً. وممّا لا شك فيه، أنّ الأمور أصبحت مملة بعض الشيء مع نهايتها، وحتى مع المفاجآت العرضية، لم يكن هذا ما يبحث عنه حين وطأت قدماه هذا العالم. لقد أراد المغامرة واستكشاف العالم السحري، لا حضور ذات الدروس كلّ يوم.
وشعر أيضاً بأنّه اكتسب أخيراً ما يكفي من القوة التي تمنعه من الموت فور خروجه إلى الغابة. المستوى الرابع كان ليشعره بأمان أكبر، لكنّ قوته الفعلية تجاوزت ما يعكسه مستواه، ممّا سيساعده في التعامل مع معظم الأخطار. هكذا كان يأمل على الأقل. خاض حديثاً أحيراً مع جميع الأصدقاء الذين صنعهم طوال فترة إقامته هنا. توجّه إلى غرفة الحراس وأجرى نقاشاً طويلاً وممتاعاً مع ديكلان وأوروس وراي.
ظلّ جوليوس ممتناً للغاية لكلّ مساعداتهم عندما وصل لأول مرة. فلولاهم، لما سارت الأمور بهذه السهولة قط. ولربّما ظلّ هائماً في الشوارع حتى يتمكّن أخيراً من إيجاد سريقة للدخول إلى غولدنكريست. وساعدت توصية ديكلان كثيراً في هذا الجانب. لم يشعروا بالارتياح التامّ عندما علموا أنّه سيخوض مغامراته في الغابة التي لا تنتهي، لكنّهم أدركوا أنّ ذلك جزء من الحياة التي اختارها. إذا أراد أن يصبح قويّاً، فعليه تطوير مهاراته والارتقاء إلى المستوى الرابع.
وهو ما ستوفره الغابة التي لا تنتهي. كما ودّع أصدقاءه الآخرين من السنة الأولى. إذ وضع الجميع خططاً لتشكيل فريق يخوضون به المغامرات خلال العطلة. لن يكون ذلك في مكان خطير كالغابة التي لا تنتهي، لكنّ عائلتي جوشوا وتيا ستوفران لهما شقوقاً محددة ليتدربا فيها. كانوا يعلمون استحالة دعوة جوليوس للانضمام إليهم. فقد بلغ المستوى الثالث بالفعل بينما كانوا هم يشقّون طريقهم عبر المستوى الثاني.
لن يمنح ذلك أيّ معنى. ومهما رغب بولكس في انضمامه إليهم، فقد أدرك الجميع استحالة ذلك. وعلى ذكر بولكس، كان الفتى المستذئب متحمّساً للغاية لجوليوس وغاضباً منه في الوقت عينه. لقد سعد لأنّ رهانه على بلوغ جوليوس المراكز الستة عشر الأولى قد جلب له مالاً كثيراً. لكنّه غضب أيضاً لرهانه الإضافي على فوز جوليوس بالمسابقة بأكملها. وبما أنّ جوليوس لم يظهر قط، فقد خسِر بولكس مبلغاً لا باس به من المال.
ومع ذلك، خرج بولكس رابحاً بفارق كبير، ممّا جعله غير قادر على الغضب حقاً. وعندما تحدث جوليوس مع رينيرا، عرض عليها مرافقته إلى الغابة التي لا تنتهي، لكنّها رفضت بحزم. كانت هناك أمور يتوجّب عليها إنجازها لأجل عائلتها في هذه العطلة، وترتبط تلك الأمور بما اعتادت فعله من أجلهم. ومهما بلغت رغبتها في الإفصاح، تعذّر عليها شرح ماهية ذلك لجوليوس. ممّا جعله يعتقد أنّه سر عائليّ أياً يكن.
ولربّما كان تقليداً عائليّاً ملكيّاً لا يتحقق إلا ببلوغ أحدهم المستوى الثالث. أو ربّما كان شيئاً مختلفاً كليّاً. لم تكن لديه أيّ فكرة حقاً. شعرت بالحزن حين أوضحت له استحالة مرافقته. لكنّها وعدت برؤيته قبل بطولة بين المدارس. فقد نجحت في إقناع عائلتها بالسماح لها بالذهاب والمشاهدة حين يحين الوقت. وهو أمر لم يبدُ عسيراً على ما يبدو نظراً لكون العائلة المالكة هي الجهة المستضيفة للبطولة في العاصمة.
كما أُتيح له الوقت للتحدث إلى غابرييل، الذي زوده بنصيحة مهمة قادمة من شخص أمضى وقتاً في الغابة التي لا تنتهي. فقد أخبر جوليوس بأهمية الحذر من البشر بقدر الحذر من الوحوش. إذ سعى أشخاص آخرون لجني الأموال عبر صيد الوحوش، واستخدمت منظمات أخرى الغابة التي لا تنتهي لتدريب صغارها. ممّا جعل الصراعات بين البشر أمراً معتاداً للغاية. كما قلّت الهيئات التنظيمية التي تحاسب الكثيرين.
وكانت السلطة الرئيسية المعترف بها هي نقابة المغامرين. وهناك كان معظم الناس يقصدون تبادل الموادّ والأنوية وغيرها من الأشياء المتنوعة. وفيها أيضاً تُنشر المهام المتعلّقة بالشقوق بالغة الخطورة أو مجموعات الوحوش الهائمة. ومع ذلك، اتسمت نقابة المغامرين بالحياد الشديد. فلم تتدخل إلا في حالات نادرة أو عندما يتعلق الأمر بنزاعات تخصّ أعمال النقابة. أمّا إذا كانت شخصية، فغالباً ما يتركون الأفراد يحلّونها بأنفسهم.
لم يستغرق جوليوس والبقية وقتاً طويلاً للوصول إلى عقار اللورد هولتن. وقف حارسان أمام البوابات، وبدو جميعاً في غاية الانضباط. حين اقترب ديرك منهما، بدا وكأنّهما يعرفان هويته سلفاً ففتحا البوابات مسبقاً.
قال أحد الحراس: "اللورد هولتن في انتظاركم جميعاً، أيّها اللورد زينيث".
أومأ ديرك برأسه وأشار للبقية بمتابعته للداخل، حيث استقبلهما خادم قادهما عبر المنزل إلى الفناء الخلفي، حيث لمحوا شخصين. تعرّف جوليوس على الاثنين. كان أحدهما اللورد هولتن، والآخر الشاب الذي التقى به في المدينة. وبحسب ما بدا، كان اللورد هولتن في منتصف نزال تدريبيّ مع متدربه. استخدم فرانكلين سيفاً حقيقيّاً وبذل قصارى جهده لصدّ هجمات اللورد هولتن، الذي استخدم سيف تدريب ثلماً مغطى بطبقة من طاقته.
كان المنظر مهيباً بحقّ. اتسم الطرفان بمهارة واضحة، وجاءت كلّ حركة حادّة، وربّما ظنّ المرء أن النزال بأسره مصمم مسبقاً لو لم يكن على دراية بالحقيقة. لكنّه لاحظ بعض الفوارق بين الرجلين عند التدقيق. اختلف أسلوب اللورد هولتن قليلاً عن أسلوب فرانكلين. ولربّما كان يقلّل من سرعته مراعاة للرجل الأضعف، غير أنّ جوليوس استبعد أن يصنع ذلك فرقاً. فلم يبدُ اللورد هولتن متعجلاً قط.
جاءت كل ضربة هادئة ويسيرة التتبع إلى حدّ ما، لكنّه شعر وكأن كل ضربة حتمية الوقوع، وكأنّ الشكّ منتفٍ في استقرار سيفه حيث أراد. اعتمد فرانكلين على سرعته وقوته بدرجة أكبر، لكن ذلك لم يجديه نفعاً أمام اللورد هولتن. أبعد اللورد كلّ ضربة عرضاً بلا مبالاة ونجح في النهاية في اختراق دفاع فرانكلين، مغرزاً طرف سيف التدريب في صدره. أطلق فرانكلين أنّة ألم وتراجع للخلف، متنفساً بصعوبة بينما زوده معلمه ببعض الإرشادات.
وحين فرغ اللورد هولتن، وجّه اهتمامه للخمسة. لا بد أنّه استشعر حضورهم فور وصولهم. وبدوره، بدا فرانكلين مصدوماً بعض الشيء لرؤيتهم يقפים بالقرب منه. وتحولت عيناه نحو جوليوس لفترة أطول من البقية، لكن جوليوس لم يعره اهتماماً يذكر. وعلى الرغم من استمرار انزعاجه من صاحب الشعر الأحمر، إلا أنّه لم يكن لينوي إثارة المشاكل في منزل اللورد هولتن. سيتجاهل الشاب المتهور في الوقت الراهن.
ولربّما كان ذلك أفضل.
علق اللورد قائلاً: "أرى أنكم وصلتم مبكرين".
هزّ ديرك كتفيه.
"الوصول مبكراً خير من التأخر".
"حقاً. هل أنتم مستعدون جميعاً؟ أم أنكم بحاجة لبعض الوقت لجمع المزيد من الأغراض؟"
قال ديرك: "أعتقد أننا نملك كل ما نحتاجه الآن. وإن احتجنا لأي شيء آخر، فيمكننا دائماً الحصول عليه فور وصولنا".
"أنصحكم بالحصول عليها هنا ما دامت الفرصة متاحة. فباستثناء مواد معينة، تكون الأسعار في الغابة التي لا تنتهي باهظة بشكل لا يصدق. وإذا كنتم ستستغلون هذه الرحلة لاكتساب الخبرة كخريجين 'عاديين'، فسيكون من الذكاء البدء في بناء عادات صحية، لا سيما فيما يتعلق بإعداد المعدات والموارد. فليست لدى الجميع الأموال والعلاقات التي تملكونها"، قال اللورد هولتن لديرك بلطف وحزم في آن.
وافق جوليوس الرجل في رأيه. فقد أبلغه البقية برغبتهم في استثمار هذه المغامرة لاكتساب الخبرة دون الاعتماد المفرط على منازلهم أو عائلاتهم. وكان ذلك تقليداً تختاره بعض العزل لاتباعه مع صغارها. ممّا يساعد في بناء الشخصية ويجبر الصغار على الاعتماد على أنفسهم. ومع ذلك، إن أرادوا فعل ذلك بالشكل الصحيح، وجب عليهم التفكير في المال بحرص أكبر. فلا يمكنهم إهدار الأموال كما اعتادوا.
لم يعتبر ديرك كلمات اللورد هولتن إهانة. فأومأ موافقاً.
"لقد وفرت لنا ليلي العديد من الجرعات التي يفترض أن تكفينا لفترة. كما نملك أغراضاً خاصة تساعد في ردع الوحوش حال خيمنا في الغابة. لكنّي أفترض أننا لن ندرك ما نحتاجه حقاً إلا بعد خوض التجربة بأنفسنا، ولهذا السبب قلت إننا سنحصل على ما يلزمنا لاحقاً".
ابتسم اللورد هولتن باتساع.
"حسن إذن، فلنتوجه إلى هناك. الوقت مبكر، لكن لا مشكلة في ذلك".
أخذ اللورد هولتن الجميع إلى دائرة انتقال أنشئت في عقاره. واستطاع جوليوس استشعار كمية ضخمة للغاية من الطاقة تملأ التعاويذ بالفعل. كما استطاع استشعار تموجات الفضاء التي تبثها مصفوفة الانتقال بمفهوم الفضاء الخاص به. وبعد أن شرحت له أليس الفروق بين الفضاء الذي يستعمله البشر عادة للسحر الفضائي وذاك الذي يستهدمه هو، تمكن من رصد بعض الاختلافات الطفيفة. بدت تلك التموجات المكانية أكثر...
تنبؤاً. فلم تكن تشبه الأمواج التي خبرها في الفراغ. بل أشبه بسيمفونية ناعمة من الأصوات، بينما كان الفراغ أمواجاً عارمة تتهاوى عليه. لم يعر اهتماماً يُذكر لما كان اللورد هولتن يخبرهم به، إذ بلغ تركيزه ذروته في تفحص المصفوفة. لكنه تبع البقية مباشرة حين أمرهم اللورد بالوقوف على المنصة وتفعيل المصفوفة. ناقلاً إياهم بعيداً عن هيستون ونحو الغابة التي لا تنتهي لخوض مغامرة جديدة.