بدا مبنى نقابة المغامرين مهيباً حقاً. كان الأكبر بين الأبنية التي رآها في البلدة حتى الآن. وكان الأكثر ازدحاماً أيضاً. عدد لا يحصى من البشر يتدفقون دخولاً وخروجاً. يرتدي أغلبهم دروعاً متنوعة. غير أن معظم تلك الدروع كانت خفيفة، مصنوعة من الجلد أو أقمشة أخرى. لفت انتباه جوليوس درع شخص بعينه. بدا شبيهاً بدرع حرشفي وربما صُنع من جلد وحش سحليّ ما. لكن ما خطف بصره حقاً هو كيفية تلاشي السحر عند ملامسته لذلك الجلد.
كان الأمر غريباً، وشكّ في أن كُثراً يستطيعون رؤيته، لكن كلما لامس سحر المحيط ذلك الجلد تداعى وانفرط. أشبه بمهارة تعطيل مدمجة، وساوره شعور بأن كايل كان ليودّ رؤية ذلك عن كثب. يا للأسف لكونه منشغالاً بتمضيته لفترة التدريب. فور دخولهما النقابة، استقطبا بعض الأنظار. اعتقد أن الأمر يعود جزئياً إلى أعمارهم. فكانا بلا شك من أصغر الحاضرين سنّاً. حتى في عالم يبدو فيه من تجاوز الأربعين بالكاد أكبر من العشرين، لا يزالان يبرزان كشابين يافعين.
ومع ذلك، تجول هنا وهناك أعداد لا بأس بها من أصغر سناً ممّن هم في المرتبة الثانية أيضاً. كما برز السيد هولten كذلك. وعلى الرغم من تحكم الرجل بهالته بحذر، ظل يتمتع بحضور طاغٍ. حضور يفرض الاحترام. مع ذلك، وما إن دخلا، حتى فعل جوليوس الصواب وفصل نفسه فوراً عن الآخرين، متجهاً نحو أبعد نافذة استعلامات حيث لمس موظفة استعلامات ذات طابور قصير نسبياً مقارنة بالبقية. قفز داخله منتظراً دوره.
حين وصل أخيراً إلى النافذة، استقبلته امرأة بملامح صارمة. كانت يافعة للغاية وربما اعتبرها البعض لطيفة، غير أن التعبير العبوس لم يجعلها تبدو مرحبة البتة. ولعل ذلك كان سبب قصر طابورها مقارنة بالبقية.
قال ببهجة رافضاً لصرامة المرأة أن تثنيه: "مرحباً، أودّ التسجيل كمغامر من فضلك".
لم تردّ المرأة إلا نزراً يسير ومدت يدها ببساطة أسفل الطاولة فناولته ورقة.
قالت ببرود: "املأ هذه ثم انتظر هناك. حين يُنادَى باسمك، يمكننا بدء الاختبار".
أومأ بحماس وتناول الورقة منها.
"حسناً، شكراً لك!"
فور انتهائه من ملئها، أعادها إليها وتوجه لينتظر عند المقاعد التي أشارت إليها. لاحظ أنه ليس الشخص الوحيد الذي يُسجّل هناك. فقد جلس بالفعل زوج من اليافعين هناك. كان أحدُهما صبيّاً صغيراً للغاية لا يتجاوز المرتبة الثانية. بدا قلقاً للغاية لسبب ما وكانت ثيابه ممزقة بعض الشيء. وأما الأخرى فكانت فتاة ذات شعر أسود بدت نقيض ذلك تماماً. كانت في المرتبة الثالثة وبدت في كامل هدوئها.
كانت ثيابها بسيطة لكنها بالغة النظافة. استطاع حتى استشعار السحر بخفة يسري عبر خيوط القماش الأسود، مما يعني احتواءها غالباً على نوع من التعاويذ المحاكة داخلها. كان الصبي منغغماً في قلقه إلى حدّ لم يلاحظ معه جلوس جوليوس بجانبه، لكن الفتاة لاحظت ذلك بكل تأكيد. التفتت بنظرة جانبية حين جلس وشعر بها تفحصه بينما كان ينظر في اتجاه آخر. لم يولِها اهتماماً يُذكر مع ذلك. فقد حرص على إبقاء هالته في حدود مستوى منخفض من المرتبة الثالثة.
لذا وحين استخدمت هالته لسبر أغواره، لم يكن مفترضاً أن تجده مثيراً للاهتمام كثيراً. لقد تعلّم أن إخفاء هالته تماماً لم يكن بالفكرة السديدة. وكما فعل والدا ليلي، كان التحكم بالهالة على أساس كون المرء فرداً عادياً في المرتبة الثالثة أفضل بكثير من حجبها كلياً. الفتاة التي حاولت مدَّ هالته صوبه كانت تحاول إخفاء كل شيء، وبصراحة، أبلت بلاءً حسناً. لم يستطع استخلاص أي شيء منها حقاً باستثناء كونها في المرتبة الثالثة ومدرّبة جيداً بشكل لائقة.
مع ذلك، شكّ في أن كثيراً من أفراد المرتبة الثالثة الآخرين كانوا سيقدرون حتى على استشعار هذا القدر. وما إن حققت معه ولم تجد ما يثير الفضول، بدا أنها صرفت النظر عنه وتجاهلته تالياً. بعد بضع دقائق نودِيَ الصبي الصغير إلى الطاولة وانكمش جوليوس متعاطفاً حين رأى الصبي يكاد يتعثر صاعداً من المقعد. ساوره شعور بأن الصبي كان يُسجّل عن اضطرار لا عن رغبة حقيقية. لم تمضِ سوى فترة قصيرة على رحيل الصبي حتى تقدمت أوبرا أولاً.
تذمرت وهي تلقي بنفسها بكسل بجانبه، مصطدمة به بكتفها: "تبّاً، كان عليّ اتباعك. كان طابورك أقصر بكثير".
التفتت الفتاة التي كانت لا تزال هناك نحو أوبرا، و لاحظ جوليوس أنها أبدت اهتماماً بصديقته السمراء الطويلة على الفور. وللحق، كانت أوبرا شخصية مثيرة للاهتمام. لم تهتم حقاً بإخفاء هالتها بالطريقة التي اختارها جوليوس. كانت تبقيها مقيدة بأدب، غير أن أي ناظر إليها سيدرك أنها في المرتبة الثالثة ومن ذوات القوة المقبولة حقاً. لقد تحسنت مهاراتها المتعلقة بالهالة قفزات واسعة جنباً إلى جنب مع مهارة السراب لَدَيْهَا.
ومع ذلك، ولسبب ما، لم تكلف الفتاة نفسها عناء حجب هالتهابالقدر الذي فعله جوليوس. بدا جلياً أنها لا ترى حاجة لفعل ذلك وغالباً ما كانت تنتقد جوليوس لبذله كل ذلك الجهد في تمويه هالته الخاصة. وكادت تكرر القول إنه سيمتلك وقتاً أطول بكثير للتركيز على مهاراته الأخرى لو أنه كفّ عن تعلم تنكر هالته كهجّام. لم تكن مخطئة تماماً، لكنه استمر في حبّ فعل ذلك. اعتبر الأمر احتياطاً إضافياً.
لم يفت أوبرا أمر سبر الفتاة لأغواره ورصد جوليوس صديقته تلتفت بعبوس.
قالت بفظاظة: "ألم يخبركم أحد بأن فعل ذلك يعد وقاحة".
بدا أن هذا قد أثار فزع الفتاة، واضطربت للحظة وجيزة وكأنها لم توقع أبداً أن يكون شخص قادراً على رصد سبر هالته أو على الأقل امتلاك الشجاعة للحديث في الأمر.
قالت بسرعة واعتذار حقيقي: "أه، أنا آسفة. لم أكن أعني الإساءة".
اكتفت أوبرا بالإيماء وأدارت وجهها، قابلة الاعتذار على عِلاّته. غير أنها ضجرت في النهاية بينما كانا ينتظران، وشرعت في وخز جوليوس في كتفه، محاولة استفزازه. بيد أنه امتلك إرادة من حديد ونجح في منع نفسه من منحها ما أرادت تماماً. في النهاية، نودِي باسمه، واُقتيد إلى غرفة الاختبار، حيث استقبلته امرأة مختلفة. أوضحت له أنها ستطرح بعض الأسئلة وكل ما عليه فعله هو وضع يديه على الكرة المتوهجة أمامه.
كانت على الأرجح كرة قادرة على كشف الكذب، أو هكذا اعتقد، إذ شعر بالكرة تمتص جزءاً من هالته. تمحورت الأسئلة حول نقاط رئيسية قليلة. إحداها رغبة نقابة المغامرين في معرفة ما إذا كان مجرماً أم لمجرد شخص سيء. كانوا يطرحون أسئلة مثل رغبته في استخدام نقابة المغامرين لإيذاء أي شخص أو لأي غرض خبيث. بالطبع، لم يكن لديه ما يخفيه على هذا الصعيد وأخبر بالحقيقة، مما جعل الكرة تبقى على حالها.
غير أنه لم يستطع منع قلبه من تخطي نبضة حين طرحت عليه سؤالاً آخر.
سألت بنبرة رتيبة تماماً: "هل قتلت أحداً قط؟"
توقف لبضع لحظات مستعرضاً إجابته. حين وطئت أقدامه هذا العالم، لم يكن ليتخيل أبدا أنه سينتهي به المطاف قاتلاً لأحد. ناهيك عن العدد الذي قتله بحلول هذه النقطة. كان كافياً لدرجة فقدانه العد، وما زاد من صراعه الداخلي أكثر من أي شيء هو عدم اعتباره الأمر سيئاً بالضرورة. في النهاية، أومأ برأسه لها.
"نعم".
نظرت إليه بشيء من الدهشة. ربما كان سؤالاً يتوجب عليها طرحه على الجميع، لكنها لم تكن تتوقع من صبي في عمره الاعتراف بذلك. رآها تدون شيئاً في مفكرتها ورمقته بحذر أكبر قليلاً.
سألت مبدية اهتماماً أكبر به: "أكان دفاعاً عن النفس؟"
أومأ بثقة.
"نعم".
بدا أن هذا قد أراحها، مؤكدة على الأقل أنه ليس قاتلاً متسلسلاً. ومضت بعد ذلك لتطرح مزيداً من الأسئلة حول ما كان يأمل جنيه من الانضمام إلى النقابة. أجاب بصدق وحين فرغ أخيراً، أرسلته إلى فاحص آخر ليختبر قدراته.
* * *
وقف أمامه فاحصُه التالي، رجل مفتول العضلات يرتدي زياً للنقابة مشدوداً على عضلاته، مبتسماً بأدب لجوليوس. كان مفترضاً بهذا الرجل تقييم قدرات جوليوس وتحديد ما إذا كان يملك المهارة الكافية لحماية نفسه في البرية. تمنح نقابة المغامرين درجات تتوافق مع المراتب. فمن هم في المرتبة الثانية يمنحون الدرجة الحديدية، والمرتبة الثالثة الدرجة البرونزية، والرابعة الفضية، والخامسة الذهبية.
بالطبع، كانت المصطلحات قابلة للتبادل. وقد رسخت أسماء الدرجات أساساً بسبب مادة شارة النقابة التي تحملها كل درجة. لم يكن يدري الدرجات التي تمنح لمن هم في المرتبة السادسة، لكن ذلك لم يكن أمراً عليه الانشغال به الآن. كان لا يزال بعيداً جداً عن بلوغ تلك المرحلة. عادة، يُمنح فرداً في المرتبة الثالثة درجة برونزية إن سارت الأمور على ما يرام. وكل ما كان على جوليوس فعله هو ضمان إدراك الرجل لقدرته على تأمين نفسه.
ومع كون الأمر غير مألوف، وقعت حالات رُفض فيها تسجيل أحدهم أو خُفضت درجته إلى دون مستواه المعتاد. على سبيل المثال، إن قرر الفاحص أن فرداً في المرتبة الثالثة لا يرقى لمعاييرهم أو معيار مقاتل في المرتبة الثالثة، جاز منحه درجة حديدية عوضاً عن البرونزية المعتادة. وغالباً ما ينطبق هذا فقط على غير المقاتلين ممن لا يتخصصون في القتال. أحياناً، يكون الحرفيون المنضمون للنقابة كذلك، ولا يكترثون حقاً لوجودهم هناك من أجل المهام وفرص العثور على مواد عالية الجودة للصياغة بها.
سمّر الفاحص عينيه على جوليوس بينما كان يخطو داخلاً الغرفة. كانت الغرفة نفسها مجرد حجرة تدريب عادية مضاءة بدفء من مصابيح سحرية عديدة. وهناك أيضاً تشكيلة لطيفة من أسلحة المبارزة جانباً. بينما استغرق الفاحص وقته لفحصه، وقف جوليوس بهدوء تام تاركاً الرجل يؤدي مهمته. في النهاية، أنهى الرجل فحصهم الأولي ورمق جوليوس بتعبير متسائل.
"أنت صغير قليلاً، أليس كذلك؟"
مال جوليوس برأسه في حيرة.
"أترَكُ ذلك؟ لقد رأيت بعض أفراد المرتبة الثانية هنا ممن يبدون أصغر مني سنّاً حتى".
هزّ الفاحص رأسه إيجاباً.
"نعم، لكن وكما قلت، كانوا في المرتبة الثانية وسيُمنحون أدنى مستوى من المهام أو خيارات العمل فحسب. ولن يواجهوا خطراً حقيقياً طوال الوقت. فهم يجمعون المواد في غالب الأحيان، أو يؤدون أعمالاً، أو يعملون كمساعدين لمن هم أقوى. لكنك لست في المرتبة الثانية".
"أهذا أمر سيء؟"
أوضح الرجل: "لست أدري، هذا ما سأختبرك فيه".
أومأ جوليوس مقراً بما سمعه وأنصت للرجل وهو يشرح كيفية إجرائهم للاختبار. غير أنه لم يستطع كبح فضوله حيال الكيفية التي سيختبره بها الفاحص.