مرّت أيّام. وقبل أن يدري، حلَّ ختام الفصل الدراسيّ. حفل التّخرج أبهظ ممّا توقّع. جاءت عائلات النّبلاء جميعها تقريباً. خلَق هذا توتراً وثقلاً بين الطّلبة وعائلاتهم. لحسن الحظّ، اتّسع المكان بما يكفي ليبتعد الجميع إن أرادوا. بعض العائلات تجمعتها صداقات قديمة. بدا أنّ عددًا كبيرًا من الآباء درسوا في غولدنكريست مثل أبنائهم. بعد الحفل، راح جوليوس يتجوّل باحثاً عن أصدقائه.
كان الجميع على الأرجح مع عائلاتهم يحتفلون. أراد الذهاب وتهنئتهم حقّاً. بدا ذلك واجباً مناسباً لصديق. اصطحب رينيرا معه أيضاً. ارتدت تنكّرها في الوقت الراهن. فعلت ذلك كي لا يرهقها ضغط النّبلاء. أقرّ بشعوره ببعض التّوتر للقاء عائلات أصدقائه. المعرفة اقتصرت على والدي ليلى، ممّن لم يلتقهم بعد. أخبرته ليلى أنّهم يعرفون بعضهم بعضاً سلفاً. تفاجأ حقّاً حين سمع بقدوم والدة أوبرا.
كامرأة من الفئة السّادسة، ظنّ أنّها أزهد وقتاً من حضور حفل كهذا. لذا دهش حين أخبارته بقدومها، وزادت دهشته حين أرادت لقاءه. شاءت الأقدار أن تكون أوبرا أول من يلقاه وسط الحشد. استشعر حضورها بإدراك مكانيّ مطلق. لاحظ المرأة الواقفة جوارها مباشرة. غير أنّ ما لفت انتباهه فوراً هو ثقل هذه الشخصية الجارف. سواء أكان ماناً أم هالة أم حضوراً جسديّاً بحتاً، تسارع نبض قلبه قليلاً.
بدت هذه المرأة مختلفة حتّى عن غيرها من نساء الفئة السّادسة اللاتي التقى بهنّ. دانتي وأليس قويّان، ولا شكّ في ذلك، لكنّ في والدة أوبرا شيئاً مغايراً. التقى هذا الشّعور مرة واحدة فحسب، حين التقى الشّيخ هان. جهل أثر مهارة إدراكه الجديدة في حواسه. كان ذلك محتملاً للغاية بالنظر إلى كيفية دمج المهارة لحواسه في الهالة والمانا. مع ذلك، تيقّن تماماً أنّها والدة أوبرا. بدت المرأة مذهلة حقّاً، وشابهت أوبرا بشدّة.
كانت طويلة وذات شعر بنيّ، وتألّقت بلون آسر جعل كل من حوله — هو نفسه بينهم — يحدّقون بذهول. مع ذلك، وباعتبارها من الفئة السّادسة، لم يُمكِنه لوم أحد على التّحديق. لعلّ الأمر تعلّق بجمالها أكثر من قوّتها، نظراً لثقل هالتها المكبوحة بشدّة. جهل إن كان هذا ناتجاً عن بلوغ الفئة السّادسة أم طبعاً أصيلاً. أدرك ترك مساحة واسعة لأوبرا ووالدتها. لم يتجمهر حولهما أحد كما توقّع بالنظر إلى الظّروق.
بدا منطقياً أيضاً أن تجنّب مضايقة امرأة من الفئة السّادسة أثناء احتفال ابنتها أمر صائب، إذ لا أحد يرغب في إغضابها. أو لعلّ والدة أوبرا استخدمت تقنية ما لإبعادهم. لم يدرِ يقيناً. لم يفزع حين شعرت والدة أوبرا بوجوده والتفتت نحوه بابتسامة واثقة. لسبب ما، أثار اهتمام المرأة به شعوراً بعدم الارتياح. لم يعتد هذا أمام الأشخاص الأقوياء. لم تشعّ هالتها نحوه أصلاً. لظنّه أنّها شخص عاديّ من الفئة الثّالثة إن لم يكن يعلم الحقيقة.
مع ذلك، قهقه في سرّه مجبراً نفسه على استخدام حكيم الوحشيّة للحفاظ على هدوئه. حين اقتربا منها برفقة رينيرا، حدقت به والدة أوبرا بمعنًى فوريّ.
قالت ترمقه بنظرة فاحصة بعينيها المتقزّحتين: "إذن أنت من أثار اهتمام ابنتي".
قال جوليوس بحذر: "أمم، نجل؟".
وبّخت أوبرا أمّها: "أمّي، لا تكوني غريبة. إنه مجرد صديق".
"لا تقلقي يا أوبرا، أريد لقاءه فحسب. أفي ذلك بأس؟".
لاحظ فوراً مدى التّشابه بينهما. من نبرتيهما وحدهما، تيقّن من صلة القرابة.
قالت أوبرا قبل أن تحوّل انتباهها إلى جوليوس: "تستطيعين فعل ذلك دون النّظر إليه كأنه وحش فريد معروض في واجهة".
ثم استدركت: "عذراً بشأنها، تستطيع أن تكون فضوليّة. على أيّ حال، أرايت الباقين بعد؟".
التفت جوليوس إلى والدتها المتقبّلة لموقف أوبرا بذهول، بينما واصلت ابتسامتها الرّقيقة لابنتها: "لا، أنتما أول من رأيت. أعتقد أنّه سيتحتّم علينا لقاؤهم لاحقاً فحسب. هناك بشر كثر هنا".
قالت والدتها ناظرة إلى الحشد الهائل: "لماذا لا نغادر الآن ونلتقي بهم لاحقاً يا أوبرا؟".
تبادل أوبرا وجوليوس نظرة أكدتها كتفاهما المرفوعتان. وافقا كلاهما. لم يحبّ الزّحام أساساً، خصوصاً مع مهارته الجديدة. لا زال بحاجة إلى الاعتياد على التّغذية المرتجعة. المدى البعيد وُجِد شاقّاً بما يكفي، لكنّ تلقي معلومات عن المانا والهالة المحيطتين جعله بالغة الصّعوبة. وحين ابتعدوا عن بقيّة العائلات، عرّفت والدة أوبرا نفسها به رسميّاً.
قالت بابتسامة دافئة: "يسعدني لقاؤك يا جوليوس. كما لاحظت على الأرجح، أنا والدة أوبرا، لكنّ لك أن تناديني فيونا".
اعترف لها قائلاً: "يسعدني لقاؤك أيضاً. تتحدث عنك أوبرا دائماً باعتزاز".
سألت فيونا بابتسامة عريضة تجاه ابنتها المحدّقة بسقف عينيها: "أوه، أفعُلُ؟".
"طوال الوقت".
قهقه جوليوس وأشار نحو رينيرا: "وقبل أن أنسى، هذه صديقتي غريس".
انحنت رينيرا بأدب وقالت: "إنه لشرف لي لقاؤك سيّدة كريساليا".
ركّزت فيونا نظرها الفاحص على رينيرا وقالت متسائلة: "غريس، ها؟"، حتّى إنّها انحنت نحو الفتاة الأصغر.
لم يفصل وجه رينيرا عن وجهها سوى قدم حين أمالت رأسها لتطلق قهقهة خفيفة بعد لحظة.
قالت والدة أوبرا بابتسامة: "كاد يغيب عنّي أمرك أيّتها الصّغيرة".
سألت رينيرا بحيرة من تصرف المرأة: "ماذا تعنين؟".
"تستطيعين خداع الآخرين، لكنّك لن تخدعيني يا أميرتي الصّغيرة".
تجمّدت رينيرا.
"عذراً؟".
"لا تققلي، فلن أُخبر أحداً. بصراحة، لم أستشعر خللاً حتّى اقتربت أكثر. تلك قطعة جبارة حقّاً. من صنعها صانع موهوب للغاية"، أثنت فيونا.
ابتسمت رينيرا بتكلف مردفة: "شكراً".
تراجعت فيونا مسرورة بردة الفعل، وأعادت بصرها إلى جوليوس. همّت بالحديث لكنّهما لاحظا جماعة مقبلة نحوهما. لم يكونوا أصدقاءه كما توقّع. لم يكونوا أشخاصاً يعرفهم حتّى. غير أنّ هيئاتهم دلّت على نفوذهم. غالباً عائلة نبيلة. بل في الواقع، وبعد تفكير ثانٍ، تعرّف على أحدهم. ذيلت المجموعة فتاة عرفها. أو على الأرجح عرفها جزئيّاً. تقاتلا مؤخراً على أيّ حال. أبقت إيرين رأسها منخفضاً وهي تتبع من ظنّت أنّهم والداها، بادية كرغبتها في التّواجد بأيّ مكان سوى هنا في هذه اللحظة.
قالت السيّدة بابتسامة مبالغ فيها: "سيّدة كريساليا! يا له من صدفة رؤيتك هنا. تهانينا على أداء أوبرا المذهل، لا بدّ أنك فخورة بها للغاية!".
بفضْلٍ يُحسب لها، لم تتردد والدة أوبرا، بل حدقت ببلادة في السيّدة وزوجها.
"مَن أنتما؟".
غابت الأمّ الحنون المعتنية بابنتها تماماً. بدت فجأة أطول قامة ممّا كانت، وأحسّ جوليوس بكمية طفيفة من الهالة تتسرب من المرأة الآن. أدرك تماماً تعمّدها ذلك، متسائلاً إن كانا يدركان الأمر. ابتسمت الزّوجة بتكلف، وتَبِعها الزّوج.
قال الزّوج بابتسامة محرجة: "قد لا تذكريننا، لكنّنا التقينا في حفلة منزل كوينسي السنويّة العام الماضي. اسمي كوبلان غريفز، وهذه زوجتي سيا".
أومأت والدة أوبرا برأسها قليلاً.
"هذا صحيح، عائلة غريفز. أليس لديكم ابنة تدرس في غولدنكريست؟ إيرين أليس كذلك؟".
رقب جوليوس والدي إيرين يرتجفان عند ذكر اسم ابنتهما. جهل إن كان انزعاجُهما عائداً لعدم تعارف فيونا عليهما رغم معرفتها بابنتهما أم لأمر آخر، لكنّه لمح إيرين تخفي ابتسامة صغيرة.
أشارت السيّدة بافتخار نحو ابنتها متناسية عدم تقديمها في البداية: "نعم، إيرين العزيزة".
منحت والدة أوبرا الفتاة ابتسامة رقيقة حقّاً.
"تهانينا، بلوغ المراكز الثّمانية الأولى إنجاز عظيم مقارنة بالمنافسة هذا العام".
ابتسمت إيرين بخجل.
"شكراً لك سيّدة كريساليا، يشرفني سماع مدحك، ولا أستحقه".
ردّت فيونا قاطعة مجالاً للنّنقاش: "بل تستحقينه".
أضاف جوليوس: "أوافقها. لقد قاتلتِ جيداً".
غير أنّ والدي إيرين رمقاه بنظرة غريبة. أدركا غالباً مرافقته لأوبرا ووالدتها، لكنّهما جهلا هويته فيما بدا غريباً لقتاله ابنتهما مؤخراً. وظنّ معهما دراية بهويّة منافستها.
قالت إيرين بمرارة: "ليس بالشّكل الكافي للفوز".
واساها والدها، لكنّه لاحظ نبرة خيبة أمل طفيفة في صوته: "هو محقّ يا عزيزتي، لقد بذلتِ قصارى جهدك. لا عار في الخسارة. انظري إلى سليل عائلة أبرام. لم يعبر حتّى دور الستّة عشر رغم كل الشّائعات المدوّية عن قوّته".
قالت أوبرا في حالة نادرة من محاولتها مواساة أحدهم، مع نجاحها رغم ذلك في إهانة جوليوس في نفس الوقت: "نعم، لا يمكنك لوم نفسك على الخسارة أمام جوليوس. إنه ليس شخصاً تقارنين نفسك به. لا أظنه بشريّاً حتّى أحياناً".
قالت سيا غريفز بوجه عابس: "آه، نعم، طالب السّنة الأولى. سمعت أنّه افتقر للجرأة حتّى على حضور النّهائيّ، مفضلاً الانسحاب على خوض مخاطر الخسارة أمام ديريك زينيث أمام الجميع".
تجهمت إيرين لسوء اختيار أمّها للألفاظ. على الجانب الآخر، قطّب أوبرا جبينها بعمق تجاه الوالدين. لم تستسغ بتاتاً طريقة حديثهما عن جوليوس.
قالت بأسنان مصكوكة: "لم ينسحب لخوفه".
لوّحت الأمّ بيدها: "بالتّكيد لا"، لكنّ نبرتها خلت من الصّدق تماماً.
همّت أوبرا بقول المزيد، لكنّ جوليوس ابتسم لها بتهكم وهزّ رأسه مخبراً إيّاه بعدم استحقاق الأمر للجهد.
تمتمت إيرين تحذيراً: "أمّي".
سألت أمّها بحيرة: "نعم؟".
"إنه هنا تماماً".
سأل والد إيرين مائلاً برأسه: "مَن هُنا تماماً؟".
رمقته إيرين بنظرة اعتذار وأشارت إليه: "هذا جوليوس. هو من هزمني".
بدت سيا غريفز كمن ابتلع صنوبرة وابْتسمت له بألم.
قالت مسرعة: "أوه، معذرة. لم أصدُدْ ذلك"، ثم التفتت نحو والدة أوبرا بقلق.
بدت خائفة من إهانة سيّدة الفئة السّادسة أكثر من خوفها من جوليوس. لم تبدِ فيونا أيّ ردّ فعل خارجيّ، مكتفية بالتحديق في جوليوس لترقب ردّ فعله. بدوره، لم يعبأ جوليوس حقّاً بكلام السيّدة. لم يؤثره ذلك وتوقع سماع شبيهه ممّن علموا تخلّفه عن المباراة النّهائيّة. مع ذلك، قرر مسبقاً عدم استساغ والدي إيرين كثيراً. بدا تصريح ليلى بامتلاك عائلة غريفز أناساً أطيب غير صحيح كليّاً.
لكنّ ذلك كان متوقعاً. لم يكن الجميع في العائلة لطيفين. بدت إيرين لطيفة على الأقل. الجانب المشرق تمثل في قطع هفوة الأمّ لأيّ محاولات أخرى للتزلّف لوالدة أوبرا. أدركا بذكاء انتفاء التّرحيب بوجودهما فتواريا قبل النّطق بالمزيد من الإهانات.
تذمّرت أوبرا: "كان عليك إبراحهما ضرباً يا أمّي".
أجابت أمّها متنهّدة: "لا يمكنك ضرب كل من يسيء إليك يا أوبرا. وإلا ستجدين نفسك تصفعين أحدهم باستمرار".
ردّت أوبرا بابتسامة مشرقة: "لا مانع لديّ في ذلك".
علق جوليوس: "وهذه هي المشكلة نوعاً ما".
لوّحت أوبرا بإصبعها نحوه: "لا أريد سماع ذلك منك يا سيّعد المسالمة".
جادلها قائلاً: "مهلاً، عدم صفعي لهم لا يعني أنني ضعيف الشخصية".
"نعم، لكنّهم أهانوك حرفيّاً ونعتوك بالجبان في وجهك بينما لم تفعل شيئاً".
هزّ كتفيه: "ولماذا أهتمّ برأيهما؟ هما بالتاكيد ليسا شخصين لطيفين وما جاءا إلا للتملّق لوالدتك. لقد نسيتُهما أساساً".
أومأت فيونا موافقة إيّاه: "حسن القول. من المؤسف عدم قدرة ابنتي على التّمتع برباطة جأشك. أخشى أن يكون غضبها نهاية لها".
قال جوليوس باعتزاز، متجاهلاً عمداً ركلة أوبرا في ساقه بينما انتظرا اجتماع البقية بهما: "لا تقلقي، نحرص على كبح ذلك من أجلها. ليلى بارعة حقّاً في هذا".