مدّ جوليوس أطرافه الأربعة على الأرض مستخدماً بقايا طاقته السحريّة لشفاء جسده واستعادة أكبر قدر ممكن من تلك الطاقة. لم يجرِ أيّ شيء وفق ما تصوّره. ظنّ أنّه سيضطرّ في النهاية إلى مقاتلة زعيم المتصيّدون الضخم، لكنّه صعُب عليه تصديق صمود أيّ مخلوق أمام تلك الكارثة. مكث جوليوس على الأرض لأكثر من ساعة. كان قد شفى تماماً واستعاد قسطاً وافراً من طاقته السحريّة بحلول ذلك الوقت.
تفقد إشعاراته أثناء انتظاره.
[الرققصة الوحشيّة المستوى 11 إلى المستوى 14]
[البناء الخفي المستوى 5 إلى المستوى 8]
[الضغط النقي المستوى 4 إلى المستوى 7]
[تجدّد العنقاء الزائف المستوى 5 إلى المستوى 9]
[التعزيز الحركي المستوى 1 إلى المستوى 5].
كان ذلك أعظم تحسّن يشهده طوال مدّة بقائه في الصدع. قد لا يكون هذا التغير الأكبر من حيث الأرقام، لكن نظراً لكون مهاراته كافة نادرة، فقد بدا التحسّن هائلاً. عُرضت عليه مهارة جديدة أيضاً. أترغب في تعلّم مهارة [إرادة المقاتل] (غير شائعة)؟ لم يعلم جوليوس ما ينتظره من مهارة كهذه. لم يدرِ لِمَ عُرضت عليه من الأساس. أكان ذلك بسبب خوضه معارك خطيرة عديدة؟ أم ربما بسبب حماقته؟
جهل السبب تماماً. ومع ذلك، لم يجد مبرراً لرفضها. كاد يرفضها لمجرد أنّها تعني فقدان حالته لسمة الندرة في جميع مهاراته، لكنّه ما لبث أن لطم رأسه بيده. تهانينا، لقد اكتسبت مهارة [إرادة المقاتل] (غير الشائعة). حتّى بعد اكتسابها، ظلّ جاهلاً بطبيعة عملها تماماً. خمّن أنّ الأمر سيستدعي بعض التجربة والخطأ. غير أنّه واجه مشكلات أكبر تستدعي الحلّ. لسبب ما، انتظر ظهور مخرج ما.
ففي أغلب الأحيان، يظهر ممرّ آمن فور تطهير الصدع ليعيد المغامرين إلى العالم الحقيقي. بيد أنّ جوليوس لم يلمح أيّ أثر لممرّ كهذا. ألا تزال هناك متصيّدات أخرى في الوادي؟ أم لعلّ الزعيم ما زال على قيّد الحياة؟
أدرك جوليوس أنّ بعض الصدوع لا تُعتبر مطهّرة كليّاً إلّا بمقتل «الزعيم».
لكنّه عجز عن تخمين مكان وجود الزعيم أو طريقة اختفائه وسط ذلك الركام الهائل. نهض جوليوس على قدميه متّجهاً نحو بقايا الجبل المدمر. خطّط دائماً لإحداث نوع من الانهيار الأرضي كاحتياط، لا لتلك الكارثة العارمة. ظنّ أنّه سيكون مفيداً في الهرب، لكنّه أثبت فاعلية تفوق أجرأ آماله. حظي ببعض التوفيق إذ لم يقع اتّجاه الانهيار في الجهة التي قُذف إليها. ولو حدث ذلك، لاحتمل دفنه حيّاً إلى جانب المتصيّدات.
وما إن بلغ قاعدة الجبل حتى استثمر مهارة [الإدراك المكاني] إلى أقصى حدودها مترصّداً أيّ نبض حياة بالأسفل. لا شكّ أنّ هذه المهارة تعدّ من أنفع ما يمتلكه، لكنّه عانى الأمرين لاستشعار أيّ شيء عبر تلك الصخور الكثيفة. استعصى عليه التمييز بين الصخر وغيره. لم يتسنَّ له استشعاره إلّا حين أصبح فوق متصيّد مباشرة. واجهته صعوبة بالغة في شقّ طريقه عبر الأنقاض. طفق جوليوس يتسلق الصخور بحذر شديد متجنباً الانزلاق على تلك الأرض الوعرة.
لم يعد التواء الكاحل يشكّل مشكلة كبرى بالنسبة إليه، لكنّه ظلّ عاجزاً عن العدو بحرية عبر الركام. وكما هو متوقع، عثر على متصيّدات حية مدفونة في عمق الصخور. أنهى عذابها بحدّة سحريّة أو وجّه دفعة إضافية من الطاقة الحركيّة نحو الصخور لتهشيمها وسحقها نهائياً. تميّزت المتصيّدات بعناد شديد، ولا غبار على ذلك. لكنّه ظلّ عاجزاً عن العثور على الزعيم أو الساحر. قضى جوليوس ساعات طويلة ينقب في الأنقاض دون جدوى تذكر.
وصل إلى قناعة شبه تامة بنجاة الزعيم. لحظ وجود عدد من المتصيّدات الناجيات يفوق تقديراته الأولى. ممّا أكّد قدرتهن الهائلة على البقاء. رغم ذلك، غاب الزعيم والساحر تماماً، ممّا أثار قلقه. وبعد بحث مضنٍ، عاد جوليوس بخفي حنين. لكنّه نجح في القضاء على المتخلّفات العالقات في الانهيار الأرضي على الأقلّ، وتلك مكسب وحده. اقترب الوقت من الصباح الباكر فغمر جوليوس إرهاق عارم نتيجة توتّر اليوم، وعاد أدراجه نحو الوادي.
طفق يعزّز جسده بمهارة [التعزيز الحركي] رويداً رويداً بينما كان يهرول عائدأ مستغرقاً في تفكيره بأحداث يومه. عجز عن تفسير بعض تصرفاته تماماً. لقد قرر في خضم تلك اللحظات المحتدمة الانحراف تماماً عن خططه المرسومة بعناية. ورغم ذلك، لم يندم. واصل اعتقاده بصحة ما قام به. لم تقترف تلك المخلوقات أيّ سوء بحقّه. لو كانت تلك الجماعة قتلة أو تجّار رقيق لما راوده أدنى شعور بالذنب حفر حناجرهم في مضاجعهم.
غير أنّه كان الدخيل تقنياً. فلم تستوجب أفعالهم إعداماً بهذا القدر من القسوة. ما أرق بملك حقاً هو ميله نحو تدمير الذات. استطاع تبرير تعريض نفسه للخطر والمغامرة بلا داعٍ لصقل مهاراته، لكنّه أيقن استمراره في فعل ذلك بمعزل عن تحسّن مهاراته. طالما اتّسم بغرابته، بل ربما وصفه البعض بالجنون. ولم ينكر ذلك. فأي إنسان سوي يختار تعصيب عينيه بإرادته لسنوات عدة؟ إنه غريب اطوار حقيقي، هذا مؤكد.
غير أنه لم يكن انتحارياً قط. بيد أن تصرفاته منذ ولج هذا الصدع تجاوزت الحدود المعتادة حتى بمقاييسه الخاصة. ابتهج لعدم استمراره في إبادة المتصيّدات بمضاجعهن، لكن ما اللعنة التي دفعته لتفجير قنبلة بدلاً من ذلك؟ استطاع الانسحاب بهدوء متخفياً ورسم خطة بديلة. عوضاً عن ذلك، اختار اقتحام المكان وفضح أمره أمام مجموعة من الوحوش التي أبادها لتوّه. بدا الأمر عديم المعنى. توجب عليه أن يكون أفضل في المستقبل.
أدرك كغيره كنه الموت، ووعى قيمة الحياة حقّ المعرفة. لذا امتنع عن الاستهتار بإزهاق روحه. لعل ما أصاب لوكاس وإدوين ألقى بظلاله عليه أكثر مما اعترف به. ظل يتجنب الخوض في هذا الأمر طوال الفترة الماضية. لكن استهتاره الحالي شابه سلوكه غداة فقدان عائلته الأخرى. كان علي التفكير في... من حيث لا يدري، التقطت مهارة [الإدراك المكاني] جسماً سريع الحركة منطلقاً نحو ظهره مباشرة. ألقى بجسده في غمرة تفاديه متمنعاً، وشعر بلسع الريح أثناء عبور الجسم فوق رأسه.
وما إن استعاد وقوفه حتى انطلقت ساقة صوب صدره مباشرة. غاب عنه وقت التفادي هذه المرة فحاول الصدّ معزّزاً جسده بالحدّ الأقصى عبر [التعزيز الحركي]. تناهى إليه شعور بالاصطدام بشاحنة مسرعة. تحطّمت ذراعه جانباً بالكامل، وأطاحت الركلة بكتفه لتقذفه بعيداً في الآفاق. ولولا مهارة [التعزيز الحركي] المطوّرة حديثاً، لهشمته تلك الركلة كشظايا الزجاج. ورغم المهارة، تصدّعت أضلاعه شبه كاملة، وتمزّقت أحشاؤه، وتحول كتفه الأيمن إلى عجينة.
حدّث جوليوس نفسه عبر أسنانه المصطكة: أعتقد أنني عثرت على الزعيم. نهض جوليوس بأقصى سرعة ممكنة لمباغتة المتصيّد المتأهب للانقضاض عليه، وبخلاف البقية، تميّز هذا المخلوق بسرعته الفائقة. بدا الزعيم مقارنة بالمتصيّدات الأخرى كالبدين في حصة الرياضة. بلغت سرعته حدّاً عجز جوليوس عن تتبع حركاته بمهارة [الإدراك المكاني]. غمر جوليوس جسده بالطاقة الحركيّة دافعاً نفسه أبعد ما يمكن بالتزامن مع إطلاق رمح مكثف باتجاه المتصيّد.
انحنى المخلوق تفادياً للرمح وواصل عدوه صوب جوليوس مباشرة. كانت المرة الأولى التي ينجح فيها متصيّد بتفادي هجومه. لم يرتقِ الزعيم إلى المستوى الرابع وفق تقديرات جوليوس، وظلّ في المستوى الثالث، غير أنّه حلق في مستوى مغاير تماماً عن بقية بني جنسه. طوقه من كل جانب حارماً إياه من أنفاسه. استنفد كل طاقته لمواصلة تفادي تلك الضربات الخاطفة. خلت جعبة هذا الزعيم من الأسلحة مكتفياً بقبضتيه.
أحاط هالة حمراء بجسده شُبهت بفقاعة سميكة تواكب حركاته. وتدعمت أفعاله كافة لتغدو هجماته أشدّ وأسرع. استثمر جوليوس طاقته كافة في مهارة [تجدّد العنقاء الزائف] لشفاء إصاباته. وحين لاح له بصيص فرج، أطلق حزمة من الرماح المكثفة التي أعدّها أثناء تفاديه المحموم. اقتربت الرماح بدرجة منعت المتصيّد من تفاديها، لكن دون جدوى. التهمت الهالة الرماح لتتحلل وتتلاشى قبل ملامستها. اتسعت عينا جوليوس دهشة وكاد يدفع ثمناً غلاء لشتات ذهنه.
استمر المتصيّد بلا هوادة، رافضاً التوقف ولو لثانية واحدة. غرق جوليوس تحت طغيان العنف والسرعة العارمين لخصمه. شكّلت هالة المتصيّد معضلة حقيقيّة لقدرتها على تفكيك بناه السحريّة. جهل جوليوس كنه هذه القدرة، لكنّه لاحظ صمود البنى حول ذراعيه لصد بعض الضربات نسبياً أمام التأثير. تضررت طفيفاً، لكنّه حافظ على تماسكها بيسر. بات واضحاً ضرورة الالتحام لتوجيه ضربة مباشرة. وهي مهمة شاقة بالنظر إلى موقفه الدفاعي المستمر وعجزه عن إيجاد ثغرة للهجوم المضاد.
رغم ذلك، احتفظ ببعض الحيل في جعبته. فعّل خطوة الانفجار بالتزامن مع خلق جدار لهب يحجب رؤية المتصيّد. ثم أرسل كرة متفجرة لإلهاء خصمه بينما انتقل خلفه. ظنّ المتصيّد تمركزه في الأمام، عاجزاً عن استشعار تهيئته لرمح مكثف بقبضته من الخلف. ثم بقبضة من الطاقة الحركية، وثب صوب رأس المتصيّد مسدداً ضربة مباشرة لمؤخرة رأسه. صمدت الهالة أمام الهجوم ولم تفككه، لتستقر الضربة بصلابة على جمجمته.
للأسف، لم يخترق الرمح سوى عقدة واحدة قبل توقفه. رفس جوليوس مقتلعاً مسافة فاصلة بينهما قبل تفجيره. أطاح الانفجار بجزء معتبر من جمجمة المتصيّد، دون القضاء عليه تماماً. بادر جوليوس لإعداد هجوم آخر تداركاً لأي تعافي. غير أنّه وما إن همّ بالتحرك، حتى شعر بتشنج عضلاته وموجة إرهاق عارمة تجتاحه. غاب ساحر اللعنات عن حواسه لكنّه استعاد أثر إصابات تلك اللعنات. تواجد بمكان قريب بما يكفي للإصابة، وسط عجز عن استشعاره.
أزال آثار اللعنة بسرعة خارقة مندفعاً نحو الزعيم الساقط وبيده الرمح. سعت نحوه سحابة سوداء أخرى من الطاقة السحريّة. صدّها بتفعيل مهارة [تجدّد العنقاء الزائف] ليتضح كونها مجرد إلهاء. تفعلت كمية هائلة من طاقة الأرض حوله محولة التربة إلى وحل ابتلع ساقيه مشلّاً حركته. حاول دفع سيل من الطاقة الحركية لانتزاع نفسه دون جدوى. وأحسّ بمحاولات الأرض سحق ساقيه وسط قيودها. استعاد الزعيم وقفته في تلك الأثناء مستشفياً تماماً من إصابته.
رمق جوليوس المحاصر بعيون تنبض بغضب عارم مندفعاً نحوه كالسهم. فكر جوليوس سريعاً، فصنع رماحاً متفجرة عدة غرسها بعمق في الوحل اللين. ثم فجرها. أنقذه الانفجار من قبضة الأرض دون أن يؤذي نفسه، غير أنه قذفه لعشرات الأقدام في الهواء حارماً إياه من تفادي لكمة الزعيم. حاول الصد بكلتا ذراعيه المعززتين بطبقات من الطاقة السحريّة، دون جدوى تذكر لإيقاف القوة العارمة. فأطاح به قلباً لعقب، قاذفاً إياه فوق جدول ماء نحو الغابة المجاورة ليصطدم ظهره بشجرة.