⟦1v منظور ليلي. تجاوزت ليلي وأبوها وماركوس حارسين دون التفاته ثانية. القاعدة التي ركّز عليها أبوها منذ طفولتها هي إظهار الثقة حتى عند غيابها. وإلا استغل الطرف الآخر الموقف وانتزع مكاسب أكبر من الصفقة. الوضع هنا يشبه ذلك. لا مفرّ من إخفاء أي ضعف أمام من يلقونهم. ليس الآن. فتح حارس آخر مجموعة أبواب بانحناءة خفيفة. فخطا الثلاثة داخل الغرفة بخطوات ثابتة. اللقاء مع عشيرة جينشين في أحد أملاكهم المخصّصة لهذا النوع من النقاشات.
آثرت أمها البقاء خلفاً. أحياناً، حضور عدد كبير يعكس نقصاً في الثقة. ثلاثة يُعدّ عدداً كبيراً لنقاش مماثل، لكن أصرّ أبوها على اصطحاب ليلي لتكتسب خبرة. دخلت وجالت ببصرها في أرجاء الغرفة. رجل طويل هندامه أنيق يقف أمام طاولة وبجانبه شخصان. أحدهما حارس دون شك، والآخر صبيّ صغير أسود الشعر يماثل ليلي في العمر. جهلت سبب اختيار هذا العدد المحدّد؛ أقصديّاً لمجاراة ما أحضره أبوها، أم لغاية أخرى.
قال الرجل ببريق صادق: "أهلاً بسيّد فيولا. إنه لشرف لي أن ألقاك أخيراً بعد كل تلك الإنجازات المذهلة التي سمعتها عنك".
ردّ أبوها بابتسامة سهلة: "الشرف لي. أودّ شكرك أيضاً على استقبالنا رغم قصر المدة، أيّها الشيخ كانين. أعلم أنك لم تكن ملزماً بذلك".
قال كانين بنظرة عارفة للثلاثة: "هاه! كأن بإمكاني رفض طلب لقاء تتقدّم به عائلة فيولا. ورجانِ، نادِني كانين وحسب، فلا داعي لتكلف الآداب".
قال أبوها بانحناءة قصيرة تقرّ بالتوبيخ الضمّني: "إذن، نادِني ثاليوس".
حقّاً، لم تكن عشيرة جينشين قادرة على رفض طلب مباشر يتقدّم به أبوها. خياراتهم كانت محدودة، ولتفادي المشاكل وافقوا. تفحّست ليلي الشيخ كانين بدقّة أكبر. بدا للوهلة الأولى شابّاً يافعاً. لكن تقلده منصباً شيخوخياً داخل العشيرة ينفي عنه حداثة السنّ. وعلاوة على ذلك، تيقّنت من أنه مقاتل لا إداري. كل ما فاح منه اتّسم بالحدّة؛ ملابسه ونظراته وكلامه. كل حركة مصقولة ومحسوبة. حتى هالته المنضبطة بدت ذات حدّ لم تستطع تخطيه.
رجل خطير حقّاً. خيار تعمّدوه لهذا النقاش بلا ريب.
قال كانين وهو ينحني لها انحناءة خفيفة: "أرى أنك اصطحبت ابنتك أيضاً. لقد بلغني الكثير من الإطراء عنها أيضا".
ردّت ليلي الانحناءة بأعمق قليلاً.
ابتسم أبوها بفخر: "نجل, ظننت أن حضور لقاءات كهذه يفيدها".
أومأ الشيخ كانين موافقاً: "أؤيدك، ولهذا أحضرت ابني براندون معي أيضاً. تخرج للتو في الأسبوع الماضي وحاز المركز الأول في بطولة مدرسته"، متفاخراً بسعادة بابنه.
قال أبوها وهو يومئ للصبي الذي بدا مرتبكاً من الاهتمام: "آه، تهانينا. إنه لإنجاز مبهر بحقّ".
"هو على وشك الانطلاق في رحلة قصيرة لإعداد نفسه لبطولة لومينوس من الفئة الثالثة. لكن أردت قبل ذلك إطلاعه على بعض المسؤوليات التي قد تواجهه حين يككبر. كما أن نسج العلاقات لا يبكر أبداً".
أومأ أبوها مدركاً العرض المبطن: "هذا حكيم للغاية. أتمنى لو يمتلك الآخرون طريقة التفكير ذاتها".
أما ليلي، فبذلت جهدها لئلا تتقطب جبينها. كان يعرض ابنه شريكاً محتملاً لها. أو على الأقل، صديقاً مستقبلياً. لم يكن الصبي قبيحاً أو منفراً. بل اعتبره أيّ كان وسيماً للغاية. ورث عن أبيه الطول والملامح الحادة. لكنه احتفظ بنعومة افتقدها أبوه. واستنتجت أيضاً أنه قوي بما يكفي لفئة ثالثة بناءً على فوزه ببطولة مدرسته المحلية. وفوق ذلك، بدت هالته أقل انضباطاً من أبيه، وتلمّست فيها قوة واضحة.
مع ذلك، لم تهتم كثيراً بنسج علاقة معه أو مع عشيرة جينشين في هذه اللحظة، خصوصاً أن سبب وجودهم الأساسي هو تهديدهم لإبعادهم عن يوليوس.
لوّح الشيخ كانين بيده داعياً إياهم للجلوس: "على أي حال، ما خدمة التي أقدمها لكم؟ أظن أنكم طلبتم هذا الاجتماع لسبب هام".
أومأ أبوها بجدية: "نعم، أنت محقّ".
قال كانين بحزم: "لا أعدكم بشيء، لكنني أعطيكم كلمتي بأن عشيرة جينشين ستفعل المستطاع لتقديم أقصى مساعدة ممكنة".
قال أبوها بهدوء: "يسرّني سماع ذلك. في الحقيقة، نحن هنا لأننا واجهنا مؤخراً بعض المشاكل مع أفراد من عشيرتكم".
سأل الشيخ كانين ويبدو عليه التفاجئ وربما القلق شيئاً ما: "مشاكل؟".
قال أبوها بجدية: "نعم، يبدو أن أحد أفرادكم قبل مهمة تستهدف أحد أفرادنا".
صمت الشيخ كانين ولم يُظهر أي ردة فعل ظاهرية لفترة قصيرة ريثما استوعب كلام أبيها. لكن ابنه الجالس بجانبه بدا قلقاً بوضوح. ولاحظ الحارس الواقف قرب الباب تصاعد التوتر فلتفت إلى ماركوس الذي وقف باسترخاء تام خلف ليلي وأبيها.
تحدث الشيخ كانين أخيراً: "أعتذر، سيّد فيولا، لكني لست على علم بأي مهمات نشطة تخصّ عائلة فيولا. لن نخاطر أبدا بقبول مهمة ضدكم أو ضد عائلتكم. سيكون ذلك حماقة كبرى".
"الشخص الذي حاول فردكم قتله ليس فرداً مباشراً من العائلة، لكنه يُعدّ جزءاً منا في كل شيء باستثناء الدماء. بالطبع، لا أنتظر منكم معرفة هذا مسبقاً، ولهذا أنا هنا. جئت لأخبركم بأن أي تمادٍ إضافي ضده لن يُسامح وسيُقابل بقسوة بالغة"، قال أبوها بهدوء تام كسابق عهده، لكن نبرته حملت حدّة خطيرة.
ضغط الشيخ كانين شفتيه: "هل لي أن أسال من هاجمه فردنا؟".
عصرت ليلي حاجبيها. هنا تملّكها التردّد حيال الإقدام على هذا. ذكر اسم يوليوس صراحة قد يعرضه لهدف أكبر على ظهره. لكن هذه الطريقة تتيح حمايته علانية. نظر أبوها إليها، مفوضاً إياها القرار.
نطقت أخيراً وهي تراقب ردة فعل الشيخ كانين بدقة: "يوليوس سنو".
قطب الشيخ كانين جبينه بخفة بالغة: "يوليوس سنو..."، ردد شيخ عشيرة جينشين بهدوء وهو يلتقط كرة معلومات ويقلّبها.
سألت بثبات: "أتعلم من أمر بالاغتيال؟ أو من طلبه؟".
أجاب الرجل بمرارة بعدما تصفح الكرة، وبدا منزعجاً لسبب ما: "أعتقد أنني أعلم".
"من؟"
تقطّب وجهه وهزّ رأسه: "أعتذر، لا يمكنني إخبارك. وددت لو أستطيع، لكن ثمة قواعد صارمة داخل عشيرة جينشين، وتلك إحداها".
شعرت بتصاعد غضبها، لكنها كبحته قبل أن تنفجر: "ما الذي تستطيع إخبارنا به؟"
قالتها من بين أسنانها.
قال بحسم: "أعدك ببذل قصارى جهدي للتأكد من ألا يقبل أي فرد من عشيرتي مهمة أخرى تخصّ الصبي قط. أقسم بذلك".
بادر أبوها بالكلام قبلها: "أقدر ذلك، حقّاً. لكنك تعلم تماماً كما أعلَم، هذا لا يكفي لإرضائنا. لقد تجاوزت عشيرتك الخط الأحمر، ونريد معرفة من أمر أفرادك بتجاوزه".
أومأ كانين لهما: "أتفهم، لكنني مقسم بيمين ألا أفصح بمعلومات عن مهماتنا أو عقودنا لمن هم خارج عشيرتنا. حتى لو أردت، فعقد روحي سيمنعني".
عبست. توقعت إجابة كهذه. لكن السؤال كان حتمياً.
قال أبوها وهو يُطلق العنان لجزء من هالته: "إذن تدرك أيضاً أن عشيرتك بأكملها ستدفع الثمن نيابة عن ذلك الشخص، أليس كذلك؟".
ورغم أن كانين لم يتأثر بهذه الهالة، إلا أن ابنه تأثر. جهلت أكان ذلك انعكاساً لا إرادياً أم ظناً منه بقدرته على مقاومة هالة أبيها، لكن هالة براندون اندفعت. وتأثيرها شابه محاولة ذبابة إيقاف إعصار.
تجاهل كانين تصرف ابنه وأومأ بمرارة: "أدرك ذلك".
أوقف أبوها هالته عند تلقي هذا الرد وابتسم كأنه لم يطلق تهديداً للتو: "ممتاز. يسرّني اتفاقنا إذن. وما بقي الآن سوى ما ستعرضونه لتسوية هذا الأمر".
لاحظت ليلي إطراق كانين بيأس، لإدراكه غياب أي خيار آخر سوى الإذعان لتجنب إغضاب إحدى أكثر عائلات التجار نفوذاً في الإمبراطورية. مع ذلك، وما إن ظنت شروعهم في التفاوض على ما ستقدمه عشيرة جينشين لعائلة فيولا، حتى اتسعت عينا الرجل كأنه تلقى رسالة أو ما شابه.
لاحظ أبوها ذلك أيضاً وسأل مقلصاً عينيه الأرجوانيتين: "ما الأمر؟".
أقرّ كانين بعبوس مقتضب: "قد تواجهنا مشكلة".