خرَجت ليلي من الخلف بعد حين والتفتت نحوه بابتسامة عريضة ومشت نحوه. وحين اقتربت فتحت ذراعيها ومَدّ جوليوس ذراعيْه بدوره على عادته. لكنها مرَّت بجانبه ودخلت مباشرةً في ذراعي الزوجين اللذين كان يتحدث إليهما وذلك خلافاً لكل توقعاته. فارقَه التركوب وبقي بلا أدنى فكرة عما حدث لتوه. أَلأنّ ليلي اختارت غرباء تامين على حسابه؟ يا لَها من قلة أدب. وبعد أن انتهت من معانقتهما التفتت نحو جوليوس بابتسامة خبيثة.
فقالت: "أرى أنك التقيت بوالديَّ بالفعل".
فسأل وهو يرمش ببطء ويثبّت بصره من جديد على الشخصين اللذين كان يتجاذب معهما أطراف الحديث طوال الدقائق القليلة الفائتة: "والداك؟".
فردَّت الزوجة التي تبين أنها أم ليلي وهي تهز رأسها بيأس: "المعذرة فقد أصرَّ زوجي على لقائك دون أن تُحاط علماً بهويتنا. يحب ممارسة هذه الألعاب بين الحين والآخر وبعد كل ما روته ابنتنا ليلي عنك كان حريصاً جداً على رؤيتك وجهاً لوجه".
استعاد جوليوس رباطة جأشه بسرعة وابتسم لها ليؤكد لها خلوَّ صدره من أي ضغينة.
وقال: "لا عليك فالأمر بِيَسير. غير أنني لم أكن أعلم وحسب".
ثم أردف بنظرة حادة نحو ليلي: "أكان هذا مدبراً إذن؟".
ووجدت ليلي في نفسها من اللباقة ما جعلها تبدو معتذرة.
فقالت: "أراد والدي لقاءك".
تنهّف ولم يملك إلا أن يهز رأسه غير مصدق.
وسأل: "إذن هل اجتزت الاختبار؟".
ضحك والدها بخفة وأومأ برأسه.
وقال: "أستطيع القول إنك فعلت. بل إنك دافعت عن زوجين غريبين في وجه امرأة أقوى منك. أمر يستحق الإعجاب حقاً".
كبح جوليوس لسانه لئلا يجادل في أن تلك المرأة أقوى منه. فرغم أنها من المرتبة الرابعة لودَّ لو يعتقد أن فرصة الإطاحة بها كانت قوية للغاية.
فسأل: "أكانت هي الأخرى جزءاً من الخطة؟ أم أن الأمر برمته كان مجرد اختبار؟".
فأجاب والد ليلي بميل معتمد برأسه: "أوه لا. لم تكن تعلم شيئاً عن هويتي. بل كانت تؤدي عملها بوازع من نفسها وتقديرها الخاص. لكنني مسرور لأنها فعلت".
شعر جوليوس بقليل من الدهشة لأنه لم يشعر بغضب أكبر حيال تصرف تلك المرأة. وبما أنه علم الآن أن الرجل الواقف أمامه هو والد ليلي فقد أيقن تماماً أنه من المرتبة الرابعة على الأقل وربَّما الخامسة. ومن ثَمَّ كان الغضب لتعرُّضه وزوجته لتلك المعاملة الجافة أمراً منطقياً تماماً. وبدت الموظفة المعنية شديدة التوتر هي الأخرى إذ كانت تختلس النظر إلى رئيسها بملامح يملؤها القلق.
ولم يظن جوليوس أنها تملك أدنى فكرة عن هوية ليلي لكنها ربَّما خمنت أهميتها حين رأت رئيسها يخاطبها بمثل تلك اللهجة المحترمة. أما رئيسها فوقع بصره عليها بنظرة اتهام واضحة. لم يكن حاضراً ليرى ما ارتكبته لكنه أخذ يبني افتراضاته حول ما جرى اعتماداً على السياق. وأحس جوليوس بأن أيام تلك الموظفة أصبحت معدودة. هرولت ليلي نحوه وألقت عليه نظرة متسائلة.
وسألته: "أغاضب أنت؟".
فأكد لها وهو يهز رأسه: "لا لست غاضباً. فوجئت فحسب ولا غير".
واقترب والدها بدوره.
فقال: "لا تَلُمها. الذنب ذنبي بأكمله. لا تصدق كم عدد الأشخاص الذين استخدمت معهم الحيلة ذاتها عبر السنين لأكتشف في النهاية أنهم عجزوا عن تلبية توقعاتي. وهؤلاء أنفسهم هم من يعاملونني باحترام بالغ لو علموا هويتي الحقيقية".
مازحه جوليوس بالقول: "لا ألومك قط. وأنا متفهم تماماً. لكن أرجو ألا تفاجأ إن سطوتُ على تلك الحيلة لاحقاً".
"تفضل بالطبع. إنها أجدى بكثير ممّا تتصور".
ابتسم جوليوس باتساع.
وقال وهو يمد يده: "حسناً، يسرني لقاؤك رسمياً. وكما قد تعلم مسبقاً، أنا جوليوس".
ابتسم والد ليلي باتساع ومد يده ليصافحه.
وقال: "ثاليوس فيوليت، إنه لشرف لي أن ألتقي بمن حدثتنا ابنتنا عنه طويلاً"، ثم تحرك خطوة جانباً.
"وهذه زوجتي روز. ولديها الكثير ممّا تحرص على سؤاله لك".
دفعت زوجته كتفه بخفة وقالت: "كفَّ عن هذا. ستخيف الفتى الصغير"، ثم التفتت إلى جوليوس متجاهلة يده ومبادرة بمعانقة سريعة.
"من الرائع لقاؤك أخيراً. لكن لابد لي أن أستفسر... أمهتمٌ أنت بابنتنا؟ نتلقى باستمرار رسائل من بيوت أخرى بشأن علاقة محتملة بابنتنا، لكنها لا تبدو راغبة في الشأن كله. يؤلمني ظن أنها ستقضي بقية عمرها وحيدة بلا رفيق".
حذرتها ليلي: "أُمّي!".
فرفضت روز هواجسها بابتسامة خبيثة.
وقال: "اهدئي يا عزيزتي. أنا أطرح أسئلة لا أكثر".
قرر جوليوس الرد على ليلي لأنها أخفت عنه أمر ذلك التدبير فجارى والدتها في حديثها.
وقال: "حقاً؟ ولديها طالبي قربى كثر؟ كَمَن؟".
فوجهت إليه ليلي لكمة ذهنية، لكنه تجاهلها بينما أفرغت والدتها طوال الدقائق التالية كل الثرثرة المشوقة عن العائلات التي كانت تلقي بنفسها تحت أقدام ليلي. *** وجهة نظر ليلي بعد أن أمضى جوليوس وقتاً أطول ممّا ينبغي برفقة عائلتها بما يكفي لإشعارها بالراحة عاد إلى الحرم الجامعي بينما بقيت هي للحديث معهم.
فقالت سائلة إياهم: "إذن... ما رأيكم؟".
ابتسمت أمها وقالت: "أعجبني حقاً، مؤدب والأهم من ذلك أنه يعنى بك جلياً. وفوق ذلك يملك عموداً فقرياً وهو ما يفوق ما أستطيع قوله عن كثير من الفتيان في عمره".
قطبت ليلي حاجبيها.
وسألت: "ماذا تقصدين؟".
"حين كنتِ في الخلف كانت الموظفة الشابة تتجاهلنا بجفاء بالغ فتقدم لمساعدتنا. وهو أمر نادر رؤيته هذه الأيام. خصوصاً حين يكون الشخص المعني من مرتبة أدنى. فتى لطيف للغاية، لكنه شديد الخطورة أيضاً".
كانت ليلي تبتسم لسماع موافقة أمها لكنها قطبت حاجبيها فور سماعها الشطر الأخير.
"ماذا تعنين بقولك شديد الخطورة؟".
تولى والدها الإجابة.
فقال: "بلغتنا شاعات عن قوته. وأنه أطاح بليام أبرامز وأيرين غريفز في البطولة، لكنني اختبرته خلال لقائنا".
سألت ليلي: "أي نوع من الاختبارات؟".
اعترف والدها قائلاً: "حاولت الولوج إلى عقله واختبار هالته".
"ماذا؟! كيف تقدم على فعلة كهذه؟ إنها انتهاك لخصوصيته".
"أَتظنين حقاً أنني سأسمح له بالاقتراب من ابنتي هكذا دون التحقق من خلوِّ نواياه من السوء؟".
لوت ليلي لسانها وبدل ذلك حدقت إليه بثقة. فهي أعلم الناس بنواياه، إذ كانت بارعة للغاية في تقييم الطباع.
وسألت: "حسناً، ماذا وجدت؟".
"لاشيء".
"هاه؟"
أفلتت دهشتها غصباً.
كانت تتوقع أن يقول والدها شيئاً حسناً في حق جوليوس أو يوجه له نقداً على الأقل، لكنّ "لا شيء"
كانت مفاجأة حقيقية. فقد علَّمها والدها تقريباً كل ما تعرفه عن قواها النفسية.
فسألت: "ما الذي يجعل ذلك خطيراً إذن؟".
"حسناً، كشفت هالتُه عن قصة مختلفة. وما إن بسطت هالتي حتى مزقتها هالتُه قبل حتى أن تقترب بما يكفي. ولا أظنه حتى كان واعياً بذلك. لابد أنها دفاعات طبيعية في هالته تعمل تلقائياً"، قال والدها متسلياً.
انكمشت ملامحها.
وقالت: "أجل، يفعل ذلك من حين لآخر".
قال والدها بغمزة: "كما قلت، إنه خطير. لكن هذا لا يعني أنه فتى سيء. وممّا استطعت استخلاصه فنواياه أصيلة".
"توقفوا، لستما كذلك. أنظر إليه بوصفه شقيقاً أصغر"، جادلتهم.
قال متمتعاً بابتسامة خبيثة: "حتى إشعار آخر".
أدارت عينيها بملل.
وسألت: "إذن أنتما موافقان؟".
"أوه نعم، إنه لافت جداً، أليس كذلك يا عزيزتي؟"
سأل زوجته. فأدمجت رأسها موافقة.
وقالت: "بالتأكيد. رغم أنه ما كان ينبغي أن نتفاجأ بما شرحه لنا ماركوس".
التفتت ليلي لتنظر إلى ماركوس الواقف ببراءة في الزاوية بعينين ضيقتين.
وسألته: "ماذا أخبركم؟".
"أوه، حسناً، حدثنا ماركوس عن هدوء الفتى غير المعتاد في حضرته وحضرة ستيلا. كما أخبرنا أن الفتى التقى بدانته بلودفايند فور عودته وأنه تربطه علاقة وثيقة على غير العادة بذلك الرجل الخطير".
سألتي ليلي وقد غشاها الحيرة للاسم: "دانته بلودفايند؟".
أومأت أمها بجدية.
"أوه نعم، إنه رجل خطير من المرتبة السادسة خاض حملة قتل مسعورة فأباد عدداً لا يحصى من النبلاء بغية الانتقام وحده. وهو ليس معرُوفاً للغاية لكن لا تزال هناك بيوت عديدة تبتغي رأسه على رمح. وليس رجلاً يؤالف الأطفال عادة ومن المؤكد أنه ليس معروفاً بالصبر أو الرحمة".
قطبت ليلي حاجبيها مجدداً. تذكرت أن جوليوس أخبرها سابقاً بأنه يتلقى العون من شخص يُدعى دانته، لكنها ظنَت أنه رجل من حرس المدينة كديكلان. وليس شخصاً من المرتبة السادسة.
"ما معنى هذا إذن؟".
أردفت أمها قائلة: "أوه، لا شيء. سوى أننا علمنا أيضاً أن أليس كانت تزور الفتى منذ ما يقارب العام. وذكرت أن دانته هو من عرَّف أليس به بل وعلَّمها مهارة جديدة بنفسه. كم هو صغير هذا العالم، أليس كذلك؟".
واصل والدها حديثه: "لذا أردنا أن نرى كيف سيكون رد فعله تجاهنا إن ظهرنا له دون تعريفه بهويتنا".
سألت ببطء: "وَ؟".
"ولدينا اجتماع مع عشيرة غينشين في وقت مبكر من هذه المساء"، قال والدها باستهتار بالغ مقارنة بمعنى كلامه.
سألت مفعمة بالأمل: "يعني هذا أننا سنواجههم؟".
"نعم، لن نواجههم مباشرة، بل سنستفسر منهم عن سبب ضبط شخص من عشيرتهم يهاجم أحد أفرادنا. ثم نرى ما سيقولونه وإن لم يحسنوا الرد فسيتطلب الأمر قدراً أطول من القوة. وإن لم يتراجعوا فهذا يعني أنهم يعُدون حياة جوليوس أهم من إغضابنا. وهو ما يمنحنا معلومات إضافية حول سبب سعيهم لقتله".
"أوافق بقية أفراد العائلة على هذا؟".
ضحك والدها.
"بالطبع لا. ومع ذلك كان أغلبهم راضين عنه. فهم يدركون أن عشيرة غينشين ليست حليفة لنا ولا يرى بعضهم بأساً في نخسهم لترقب ما سيقدمون عليه".
"والبقية؟".
هز كتفيه مبالياً.
"يفضلون تجنب خلق المزيد من الدراما وسط هذا الكمّ من المشاكل المحدقة. ولا أملك لومهم على مخاوفهم".
سألت بقلق طفيف: "لكننا سنمضي في الأمر على أي حال؟".
داعبها قائلاً: "ماذا؟ أبدأتِ تتراجعين يا صغيرة؟".
أجابت بصوت خفيض: "لا أريد زجَّ العائلة في موقف سيء بسبب مشاكلي الشخصية".
"كما قلت، إن عددْتِه فرداً من العائلة فيجب عليك حمايته. ولتحقيق ذلك عليك أحيانًابذل دماء قليلة. صحيح أنهم قد يعضون بالمقابل، لكنهم على الأقل سيعرفون استحالة إهانة بيت فيوليت بسهولة لمجرد هواهم. فالعشائر أمثال غينشين لا تحترم أحياناً سوى إظهار القوة. وفوق ذلك يبدو شخصاً جديراً بالدعم. وحين يترقى إلى المرتبة الخامسة سيغدو حليفاً قوياً لبيت فيوليت. وأنا أعدُّ ذلك استثماراً للمستقبل".
تذكرت قائلة: "إنه ليس استثماراً يا أبي. إنه صديقي".
"أعلم أعلم. لكن لا ضرر من النظر إليه بهذه الزاوية أيضاً".
سألت: "وماذا لو قاومت عشيرة غينشين؟".
"إذن فليقاوموا. لكني أشك في صمودهم بهذه المسألة. سيستوعبون الرسالة كما هي. تحذير".
ولم تستطع إلا أن تلاحظ أن والدها بدا مبتهجاً حيال الأمر على غير عادته.