منظور ليلي. للمرة الأولى منذ بدء الفصل الدراسيّ، غادرت هيستون لزيارة منزلها من جديد. بدا كل شيء على حاله. واسعاً ومبهرًا، ويعجّ بالبشر حتّى عجزت عن عدّهم. أخذت نفساً عميقاً وهي تمرّ بجانب الحديقة التي عشقت والدتها العناية بها. داعب أنفَها عطرُ الزهور التي سُمّيت باسمها. تغلغل في المكان عبقٌ دافئ من الطاقة والهالة، ليذكّرها بأيام صباها. أحياناً، كانت هذه الحديقة البقعة الوحيدة التي تمنحها بعض الاسترخاء بمعزل عن صخب أفكار الآخرين.
أيّام سبقت سيطرتها على قدراتها. أيّام أبسط. لكنّها عجزت عن البثّ طويلاً، فاضطرت للابتعاد عن احتضان الحديقة المريح على كره منها. توجهت نحو ماركوس الذي كان ينتظرها بصبر لتنهي جولتها، فأومأت له. ابتسم برفق وقادها نحو الدار الكبرى. وفي طريقها، ألقى الخدم وغيرهم من أهل القصر التحية باحترام كلّما عبرت بجانبهم. لم تلحظ أيّاً من أطفال العائلات الأخرى في طريقها. عادة، كانت تلتقي ببعض الصبية المشاكسين وهم يعيثون فساداً في أرجاء المكان في مثل هذا الوقت.
كان حريّاً بهم أن ينتهوا من دروسهم. ولعلّ آباءهم كانو منهمكين في تحضيرهم للعشاء. ومع ذلك، لم تكترث بالهدوء الذي خلّفه غيابهم. تبعت ماركوس وهما يعبران ممرات بيتها. كانت تعرف الطريق، لكنّ ماركوس أصرّ دائماً على التقدم. اعتاد ذلك. وقفت أخيراً أمام بابين مزخرفين بأناقة فطرق عليهما ماركوس. تردّد صدى نبضة خفيفة من الطاقة خلف الباب، ففتحه ماركوس مشيراً لها بالدخول أولاً. ما إن دخلت، حتّى استقرت عيناها مباشرة على أبيها الجلوس خلف مكتبه، غارقاً بين أكوم من الأوراق.
بدا في بحال جيدة، تماماً كما عهدته. علت عينيه البنفسجيّتين الساطعتين هالات سوداء مألوفة، لتشهد على إفراطه في العمل مرّة أخرى، لكنّه احتفظ بالابتسامة الرقيقة ذاتها وهو يرمقها أثناء اقترابها.
"أنت تعلمين أنّ زيارة الدار مرّة كلّ حين لن تؤذي مشاعر أبيك العجوز، أليس كذلك؟"
قال لها وهو ينهض من مقعده، مقترباً منها ليغمرها بعناق دافئ. فوح منه عبق القهوة والرق. مالت على صدره وبادلته العناق بإحكام.
"وبإمكانك دائماً زيارتي في هيستون. ربّما يفيدك الابتعاد عن عملك من حين لآخر"
ردّت عليه. طردها أبوها بإشارة من يده.
"بّه، تبدين تماماً مثل والدتك. ثمة الكثير ممّا يدور مؤخراً، وإن لم أتابع الأمور بنفسي، فمن يفعل؟"
"لا أعلم، ربّما المئات من أتباعنا الآخرين"
قالت بمشاكسة.
"لن يعرفوا ما يفعلون"
قال باستهانة. تنهّدت. تلك كانت مشكلة أبيها. فضّل إنجاز العمل بنفسه على تسليمه لمن قد يفسده. لم يثق سوى بنفر قليل لإتقان المهام. أضف إلى ذلك أنّه استمتع بالأمر. مهما تذمّر من كثرة المشاغل. أدركت هي، ومعها العائلة بأسرها، أنّه استمتع سرّاً بالانشغال الدائم والإنتاجية. ولهذا السبب، ورغم عدم حمله لقب الكونت، فقد عُدّ بالفعل الرجل الآمر الناهي في آل فايوليت. اضطلع بالمهام الفعلية للزعيم المهيمن على الدار أكثر ممّا فعل جدها.
مضت سنوات عديدة منذ أن تنازل الجد له عن تلك المسؤوليات. في البداية، شكّك الكثير من الشيوخ وأصحاب النفوذ في ذلك القرار، لكن بعد سنوات من مشاهدة أبيها وهو يواصل العمل بجد، تحولت تلك الأصوات إلى دعم راسخ. حتى إنّهم جادلوا بضرورة تنصيبه كونتاً رغم استمراره في المرتبة الخامسة. ولم يمانع الجد بالتأكيد، إذ كان من أوائل الداعمين للفكرة. لكنّ حدساً أخبرها بأنّه أراد تفرّغه للوصول إلى المرتبة السابعة.
مع ذلك، اعترض أبوها بشدة مؤكداً أنّه لن يتقلد المنصب حتى يبلغ المرتبة السادسة. أمر أدركه الجميع رغم معارضتهم له. فالقوة هي كل شيء في هذا العالم في نهاية المطاف. ولم يشكّ أحد في أنّ صاحب المرتبة السادسة يحظى باحترام أكبر من البيوت الأخرى مقارنة بصاحب المرتبة الخامسة، سيّما إن تطلّب الأمر التفاوض مع نظير له من عائلات أو منظمات أخرى. جلست على أحد المقاعد المريحة في ركن الجلوس.
جلس على هذا المقعد العديد من أصحاب النفوذ عبر قرون، لكنّ المقعد بقي ناصعاً، وبدا أكثر راحة كلّما تقدّم به العمر رغم قدمه. جلس أبوها على المقعد المقابل لها وغرق في أحضانه الوثيرة.
"إذن، بماذا أُدين بشرف زيارة ابنتي الوحيدة لأبيها المسكين؟"
سأل بابتسامة واسعة.
"ألم تسمع بأمر المرأة التي استجوبتُها؟"
سألت.
"بالطبع سمعت. أنا متأكد أن لديك أسبابك، لكن هل استدعى الأمر حقاً الاستعانة بأليس لمساعدتك؟"
سأل بعبوس.
"هل تعرف ما توصلنا إليه؟"
"لا، لم أقرأ التقرير بعد. أينبغي لي؟"
سأل بفضول. لم تجبه بل أخرجت التقرير الذي تلقته الليلة الماضية. كان ذلك سبب رحلة عودتها إلى الدار. استقام أبوها في جلسته والتقط التقرير منها. أدرك جديّتها فقرر مبادلتها المثل. لم يستغرق طويلاً لإنهاء القراءة. نظرة واحدة فحسب كانت تكفيه. وساعده عقله ومهاراته في المرتبة الخامسة كثيراً في ذلك.
"حسناً، وماذا لو كان عشيرة جينشن ورائهم؟ وما علاقة ذلك بسبب وجودك هنا؟ عليك إطلاعي على التفاصيل"
قال لها بعد أن وضع التقرير على الطاولة أمامه. قدّمت شرحاً موجزاً لما حدث. كان أبوها على علم بيوليوس وعلاقة الصداقة التي تربطها به. وكان لا بد أن يعرف، فقد استعملت الكثير من موارد العائلة للبحث عنه. كما علم بأنّ يوليوس يقف وراء حادثة السهول وسبب استمرارهم في محاولة استجواب صاحب المرتبة الخامسة.
"لماذا يريدونه ميتاً؟ هل اكتشف المجمع صدفة أنّه المسؤول؟"
سألها بعد أن انتهت من الشرح.
"لم نتمكن من معرفة سبب استئجارها. على حد علمنا، قد يكون السبب مختلفاً تماماً".
تجنبت إخبار أبيها بماضي يوليوس، وبأنّ الدافع قد يكمن هناك. لم يكن سرّاً تملكه لتفشيه.
"ما مصير المرأة؟"
"ماتت بعد أن استخرجنا قدر المستطاع من عقلها. نجحت في تفعيل عقد روحها عمداً وسحقت روحها قبل أن نتمكن من منعها"
أخبرته مع لعن المسؤولين عن الاستجوب في آن واحد. كانت قد شدّت على ضرورة عدم التمادي في الضغط. لكنّ يبدو أنّهم نسوا توجيهاتها وسمحوا للمرأة بوضع حد لحياتها. سيتعين عليها التحدث معهم قبل أن يفسدوا أمراً آخر مجدداً.
"هذا مؤسف"
قال أبوها بعبوس.
"نعم، لكننا انتزعنا منها ما يكفي أيضاً".
"وما نيتك فعله بهذه المعلومات إذن؟ أظن أن هذا هو سبب وجودك هنا"
قال أبوها بعينين ضيقَتين. تجنبت النظر في عينيه وأخذت تعبث بأصابعها. لم تدر بما تتوقع. لم يكن ما تطلبه أمراً هيناً. بدا أنانياً وقد يراه البعض طفولياً، لكنها ظلت مصممة على السؤال. بعد ثوانٍ طويلة، التفتت نحو ماركوس الذي كان لا يزال واقفاً عند المدخل يحدق بها مباشرة. لكنّها لاحظت إيماءة تشجيع منه، ممّا دفعها لشدّ عزمها وأخذ نفس مهدئ.
"أردت إذنك"
اعترفت أخ