منظور كييرا إن وُجد شيء تثق به كييرا، فهو قدرتها على رصد أصحاب المواهب الفريدة. تمتلك تلك الحاسة الغريبة التي تخبرها بمن يتمتع بقوة حقيقية. لا يهم إن أخفوا هالاتهم، فهي قادرة على تمييز الخطر فيهم. ساعدها ذلك خلال سنوات مغامراتها، وبات اليوم أكثر فائدة وهي تجوب المدينة باحثة عن الوجوه الواعدة وتتفاعل مع مختلف البشر. لكن حين رأت ذلك الفتى أسود الشعر في الميدان وهو يوسع سليل عائلة سيلوم ضرباً، تملّكها الشك في تقييمها الأول.
عائلة سيلوم صغيرة ولا تحمل سوى لقب لورد، غير أن لها سمعة فريدة في الشجاعة والولاء والمهارة القتالية. لم تكن عائلة نبيلة خاملة. بل انتزعت لقبها بقوة السلاح الخالصة. كان دارين سيلوم يتقن القتال بلا شك، وإن جهلت تفاصيل شخصيته الأخرى. قدرته على استخدام فأس ضخمة لصد خصم أسرع وأقوى تستحق الإشادة. لا يهم إن أخفق في حجز مقعد له، فهي تشك في أن الفتى سيعاني شحاً في الدعوات من المنظمات والنقابات.
ستكون مهاراته كمصدّ هجمات إضافة مرحباً بها لأي فريق. تلك المهارة الاستفزازية تحديداً بدت بالغة الأهمية ومضبوطة بإحكام. مع ذلك، تعامل معه جوليوس بيسر تجاوز توقعاتها. الهجمة الأخيرة جاءت مفاجئة حقاً. وتشُك في قدرتها على تلقي تلك الضربة مباشرة بلا احتياطات. لابد أن لهكذا ضربة قوية ثمناً أو عيباً ما. ومع هذا، لا يوجد ما يخدم رغبتها في انضمامه إلى نقابتهم أفضل من هذا المشهد.
قالت وهي تومئ نحو المكان الذي يبتعد فيه جوليوس: "أرأيت؟ ماذا قلت لك؟"، والتفتت نحو نائب رئيس النقابة بابتسامة فخور تعلو محياها.
أدركت أنها شعرت بشيء فريد تجاه الفتى منذ نزال بيثاني جاكوبز. وما هذا إلا تأكيد لذلك الإحساس.
أجابها نائب الرئيس رونان وهو يرجع بظهره إلى المقعد ببريق غريب في عينيه، ممعناً النظرة بدوره نحو الفتى المبتعد عن الحلبة: "لم أقل إنني أشكك في كلامك".
أوضحت كييرا بهدوء، حذرة من تجاوز حدودها أمام رتبة خامسة: "لكنك لم تؤكد تصديقك لي أيضاً".
ومع شهرة رونان بالصبر واللطف مع الجميع، إلا أنها رأت من قبل تحمله وهو يبلغ مداه. لم يكن المشهد لطيفاً، والسبب وراء نفاد صبره لم يعد بين الأحياء، ولهذا تحسب ألف حساب لحدودها مهما بدا ودوداً.
قال رونان بابتسامته المعهودة: "تعلمين أنني لا أستطيع تصديقك هكذا دون أن أرى الفتى بنفسي".
لحسن حظها، تمكنت من سماعه لوجود حاجز صوتي سمح لهما بالحديث بلا حاجة للصياح فوق صرخات الحشد. فور دعوتها جوليوس للانضمام إلى نقابة منادئي العواصف، سارعت بإخبار رونان. بدا الرجل متشككاً للغاية في رأيها ولم يعر الفكرة اهتماماً حقيقياً إلا بعد تأكد وصول جوليوس إلى المراكز الستة عشر الأولى. لم يدرك معظم أهل هيستون مغزى هذا الإنجاز. بالنسبة لهم، لم يعدو الأمر كونها البطولة السنوية التي تنظمها غولدنكريست ليستمتع بها أهل المدينة.
لم يكترثوا لأسماء الطلاب أو للتفاصيل الدقيقة للفعالية، فقد حضروا بحثاً عن المتعة والتجربة. أما بالنسبة لأمثالها ممن يبحثون عن المواهب الشابة، فالمراكز الستة عشر الأولى تعني صفوة الصفوة حرفياً. للأسف، ينتمي أغلب هؤلاء الطلاب لعائلات نبيلة دربت أبناءها منذ الطفولة. غولدنكريست مدرسة نبيلة عريقة لسبب وجيه. نادراً ما يخرج من أسوارها مقاتلون أقوياء من عامة الشعب. فهناك مدارس وطوائف أخرى تتولى رعاية تلك المواهب.
لذا، فإن رصد شخص مثل جوليوس يُعد صيداً مذهلاً. إنه من عامة الشعب وشق طريقه حتى المراكز الستة عشر الأولى. ورغم أن هذا إنجاز مبهر بحد ذاته، فقد حققه في سنته الأولى. أمر لا يحدث كثيراً على نطاق الإمبراطورية الأوسع. ولا سيما في غولدنكريست. صحيح أن هناك مواهب شابة تحصد مراكز متقدمة في بطولة بين المدارس تستضيفها العاصمة، لكنها تعجز عن تذكر موعد آخر طالب تخرج من غولدنكريست وحقق ذلك.
سألت: "إذن، هل نحاول ضمه إلينا؟".
ضحك نائب رئيس النقابة لسبب غامض ولم يرد بشيء.
سألت بحيرة: "ماذا؟ أقلت حماقة ما؟".
قال رونان بثقة تامة: "لا أظنه سينضم إلينا".
"لم لا؟ نحن إحدى أقوى النقابات في هيستون. كم نقابة أو منظمة تستطيع التباهي بأن يقودها رتبة سادسة؟".
"أحققتِ في أمر الفتى بعد لقائك به؟".
"نعم، حصلت على سجله من المدرسة. لديه توافق عالٍ مع عنصري النار والحركة. واكتشفت أيضاً أنه يحظى برعاية ديكلان غريفين، أحد نواب قادة حراس المدينة".
"إذن لم تبحثي في هوية أصدقائه؟".
عبست وهزت رأسها.
أومأ لها كأنه توقع ذلك: "حسناً، لو فعلتِ لعرفتِ أنه مقرب من ديريك زينيث وليلي فيوليت. كما تورط في حادثة الأميرة المختفية وهو صديق لها أيضاَ".
فتحت فمها للرد فلم تخرج كلمة. تداعت عزيمتها علانية وعجزت عن الكلام. أدركت سر ثقة رونان. أيختارهم جوليوس وفي جعبته تلك الخيارات؟ حقيقة ارتباطه بكل تلك العائلات الثرية تصدم العقول، خصوصاً بالنظر إلى أصله كفرد من عامة الشعب. يستحيل أن يجد مجموعة أقوى لتدعمه.
قالت أخيرة بتنهيدة: "كنت تعلم".
ثم أردفت: "لماذا تظاهرت بجهلك بأمر الفتى حين طلبت منك الحضور والمشاهدة؟".
"أترينني أهمل توصياتك حقاً؟ أنا أعرف قدر رأيك وأثق به، لكنني أردت التحري عن الفتى عن قُرب. ولهذا توصلت إلى تلك المعلومة".
أبرزت شفتيها بضيق: "حسن اً، يبدو أن هذا الخيار استُبعد".
التفت إليها متبايناً: "ومن قال إن تعذر انضمامه إلينا يمنعنا من نسج علاقة معه؟".
"ما الذي تقصده؟".
هز كتفيه: "لا أعلم بعد، لكنني بعد مشاهدة هذا النزال شعرت بأنني كوّنت نظرة واضحة عما يحركه. أظن أن لدينا ما نقدمه وقد يجده بالغ الجاذبية".
* * *
منظور جوليوس شعر بالحرج. ما كان له أن يسمح لنفسه بالاستغراق في تلك المهارة الاستفزازية. لقد كانت أشد فاعلية مما ظن في البداية. وبما أنها لم تكن بالغة القوة أمام حماياته، فقد اعتقد قدرته على التعامل مع آثارها بسهولة. للأسف، كان مخطئاً تماماً. اللحظة التي استسلم فيها لتلك المهارة، غمرته بالكامل وأدرك فوراً تغيّر سلوكه. عجز عن فعل شيء، إذ دفعته المهارة للتصرف بتلك الطريقة المتقلبة.
لم يشغل تفكيره سوى الاشتباك عراكاً مع المقاتل أمامه. انعدمت السيطرة على أفعاله وهو يترك نفسه يهوي عميقاً في شباك الاستفزاز. آمن تماماً بأن فاعلية المهارة تعود إلى استمتاعه الخفي بذلك النوع من القتال. ومع ذلك، ندم على شعوره بالحاجة لتجربة تلك المهارة تحديداً أمام حشد بهذا الحجم. لم يستطع تخيل ما يدور في أذهان بعض المتفرجين نحوه. لابد أنهم... هاه، كبح نفسه قبل الاسترسال.
متى بدأ يكتري بما يظنه الآخرون؟ هو ذاته الشخص الذي تظاهر بالبلادة الذهنية طوال فترة طويلة من طفولته. ذكر نفسه بأنه لا يحمل وزر نيل إعجاب الآخرين. عليه فعل ما يريده. ومهما بلغ شعوره بالحرج، فقد استمتع في النهاية بكثير من المرح. ولعلها المتعة الأكبر منذ انطلاق البطولة. فعّل خصمه مهارة هائجة قوية، منحته القدرة على مجاراة جوليوس بعض الشيء. وبالنظر إلى عدم تساهل جوليوس، يُعد هذا إنجازاً مذهلاً.
مع ذلك، غمرته مسحة من الأسف على خصمه. رمق بعين زائغة المكان الذي قذف فيه الرجل مسافة نحو الحاجز. لم يتساهل أب لضربة أخيرة. ولولا التعاويذ الواقية، لكان الفتى الآخر في عداد الموتى. لم يشعر بأي غيظ من كلمات الخصم السابقة. ومع إدراكه العميق للمهارة الاستفزازية، بدأ يميل إلى تصديق أن تلك الكلمات لم تكن سوى مفاتيح سمحت للمهارة بالتسرب إلى هالته بسلاسة أكبر. وحين ابتعد مطأطئ الرأس، لمح الحشد ساكناً فرفع بصيره إلى الأعلى.
كانوا يرمقون الملعب بملامح ذاهلة. حتى الأطفال المتدلون من المدرجات التزموا الصمت للمرة الأولى. لكن، وما إن ظن أن الصمت سيدوم حتى مغادرته الميدان، حتى تصاعد دوي خافت من بين الحشود. تحول ذلك الدوي ببطء إلى هدير، وقبل أن يدرك ما يحدث، هب الحشد بأسره على قدميه، يصفق ويهتف باسمه في الأجواء. حين ضربته الهتافات المدوية، لم يملك جوليوس إلا خفض رأسه مجدداً خجلاً، وإن اختلفت الأسباب هذه المرة قليلاً.
في الجانب المشرق، شعر بأنه تعلم شيئاً رائعاً بشأن هالة الرجل الآخر ومهارته الاستفزازية. طريقة انتقائه لأهداف مهارته بعناية هي أمر أيقن جوليوس بقدرته على محاكاته بقليل من التدريب. تلك أنباء ضخمة لرغبته الجامحة في تعلم استخدام هالته بلا محاولة قتل كل من حوله. لقد تحسن، لكنه ظل غير واثق من تحكمه في بيئة فوضوية. ولم يكن يملك رفاهية ارتكاب الأخطاء. هالتة بالغة التقلب لتحمل تلك المخاطرة.
ولو أخطأ، لربما أردى شخصاً غير مستعد أو عاجز عن مواجهة طاقته. مع ذلك، بدا خصمه مستخدماً لطريقة تصفية تفصل بين الهالات. وحسب ملاحظته، أوجدت هالة الخصم نوعاً من الوسم أو الرابط بالشيء أو الشخص المراد استهدافه. طبعاً، بدا الأمر أعقد بكثير، لكنه الانطباع العام الذي استخلصه من المهارة. مشكلته الأساسية الآن تكمن في إيجاد سيلة لتطبيق تلك الطريقة وتجربة الأمور متى سنحت الفرصة.
ساوره شعور بأن ليلي ستشكل عوناً كبيراً في هذا الصدد، وستكون غالباً بالغة السعادة بذلك. فهي تهوى أي شيء يرتبط بالهالات. ولن يحتاج سوى لعرض بعض أطياف الحلوى مقابل خدماتها. لكن الأمر محسوم سلفاً. فقد تعلم من الأفضل، ويأمل احتفاظه بمخزون سليم من أطيب أشكال الحلوى في أرجاء هيستون. وسيكون أفضل بكثير لو كانت بعضها مفضلة لديها. إذن، وبخطة وأمور جاهزة للتجربة في ذهنه، غادر الملعب بخطى متحمسة بينما يسحب القلنسوة فوق وجهه، ليخفي ابتسامة عريضة ترتسم على محياه.