أخيراً حلّ نزاله الخامس. هذا النزال سيحسم أمر تأهّله إلى النهائيات أم لا. من الآن فصاعداً، كلّ خصومه حقّقوا الفوز في نزالاتهم الأربعة، ما يعني أن أياً منهم لم يكن سهلاً. مع ذلك، لم يكن قلقاً. في الواقع، وجد صعوبة في الاكتراث لأمر النزال من أساسه. سيفعلها لأنه سيضمن مقعداً بين الأفضل ستّة عشر، إضافة إلى بطاقة ترشيح لبطولة المدارس المشتركة من الفئة الثالثة. لكن في هذه المرحلة، لم يكن يعتقد أن أحداً قادراً على مجاراته حقاً.
استمتع ببعض النزالات، وواجه خصوماً تعلّم منهم، لكن ما عدا ذلك، لم يكن هناك أي حماس حقيقي. لم يكن الأمر راجعاً لكون الخصوم أضعف، بل لغياب أي خطر يذكر. فبوجود الأساور، لم يكن هناك خطر حقيقي للإصابة أو الموت. وهو ما أفقده كل متعة. لذا، حتى وهو يمشي في الممر نحو الميدان، لم يستطع منع نفسه من العبوس بضجر. راودته رغبة عارمة في اجتياح خصمه وإنهاء الأمر سريعاً. كانت لديه أفكار أخرى تخص مهارته الجديدة ليختبرها لاحقاً اليوم.
[تصدع مكاني]
لم تكن مهارة عادية قط. أولاً، كانت شديدة التقلب، لذا فإن أي تعديلات يجريها على التشوه المكاني كانت بالغة الخطورة. وبسبب تجاربه، فجر بالفعل بعض التصدعات وبعضاً من أطرافه في تلك العملية. لحسن الحظ، كان أكثر حذراً بعض الشيء وتجنب أي ضرر بالغ حقاً. ظل يحاول ربط تصدعين واستخدامهما نقطتي انتقال. كان يؤمن راشداً بأنه أمر ممكن، ولم يكن يحتاج سوى القليل من الوقت لاستكشافه.
ثم كانت هناك قضية تريستان برمّتها الآن. لم يكن يدري إن كان بإمكانه الوثوق بطالب السنة الأولى الآخر، لكن لم يكن لديه خيار آخر حقاً. إن اختار تريستان إخبار والده بأمر جوليوس، فقد يجد نفسه في ورطة. لقد ثبت بالفعل أن ليس الجميع في مأمن في جولدنكريست. ولن ينسى أن رينيرا كادت تموت لأن أحدهم عبث بالصدع. فضلاً عن ذلك، لم يكونوا يعلمون حتى اللحظة من عبث بصدع الفئة الثانية الذي دخلوه رفقة البروفيسور رو.
كان التحقيق لا يجارى في استمراره، ولم يسفر حتى الآن عن أي خيوط تدل على المسؤول. أمور كثيرة كانت تحدث دفعة واحدة، وبات التعامل معها برمّتها أمراً فوضوياً. كان بحاجة إلى استراحة، و,حين تنتهي البطولة، كان يأمل أن يحين ذلك الوقت. من الناحية الإيجابية، كان أصدقاؤه يؤدون بلا توقف. إدجار وأوبري حسما نزاليهما في وقت سابق اليوم، مؤكدين مقعديهما بين الستة عشر الأوائل. للأسف، خسر كايل في اليوم الأيام الماضية وخرج من المنافسة.
للإنصاف، لقد أبلى بلاءً أحسن بكثير مما كان متوقعاً، بالنظر إلى أن مجموع مهاراته لا يميل البتة نحو القتال. أما في بطولة الفئة الثانية، فقد حجز بولوكس مقعده في الجولة النهائية أيضاً. بينما لم تستطع تيا للأسف العبور. فقد خسرت بالأمس في نزال متقارب أمام ساحر في السنة الثانية نجح في تفادي الوقوع في شرك جذوع تيا. كان لجوشوا نزاله الأخير من الجولة الثانية اليوم. ويا لسخرية الأقدار، كان يواجه آدم.
كان العالم يتمتع بحس فكاهي خبيث. لكن جوليوس لم يكن بصدد الشكوى من ذلك. كان يتطلع بشغف لذلك النزال وخطط بالفعل للتوجه إلى هناك فور انتهائه من نزاله. ابتسم عندما خرج ورأى الإنشاءات السحرية المزهرة تزين السماء. لم يستطع منع نفسه. كان عرضاً ساحراً للمركبات السحرية. أدرك تماماً لم كانت البطولة حدثاً ضخماً للمدينة بأسرها. حتى لو لم تكن تحب مشاهدة الناس يتصارعون، فالأجواء وحدها كانت تستحق العناء.
كان هناك الكثير من البهجة والضحك لدرجة أنهما كانا معديين. التفت حوله فلم يجد أي نزال آخر يجري. لم يكن هناك سوى ميدان كبير مفرد تحيط به حاجز بنفس الحجم. نظراً لقلة النزالات الآن، تركز الانتباه بأسره على نزاله. عندما رآه الحشد يخرج من الممر، ضجوا بحماس عارم. لم يكونوا بحاجة حتى لمعرفة هويته. كانوا يهتفون فحسب لأنهم تشوقوا لرؤية نزال آخر. رأى خصمه يتقدم هو الآخر. سارع جوليوس إلى تفحصه.
كل ما أبلغ به هو أن اسمه دارين سيلوم. لم يكن يعلم إن كان سيواجه ساحراً آخر أم محارباً، فلم يتسق له الوقت للحديث مع ليلي بشأنه. لكن بناءً على مظهره الصرف، سيجازف جوليوس بتخمين أن خصمه محارباً. بالطبع، ربما كان ساحراً بكل سهولة، لكن العضلات المفتولة، والوجه المتحجر، والفأس الكبيرة كانت تنطق بغير ذلك. بدا مألوفاً نوعاً ما، مع ذلك. كان متأكداً تماماً من أنه رآه من قبل.
لكنه عجز عن تذكر أين بحق الجحيم. عصر ذهنه لكنه فشل في الوصول إلى إجابة تثير حفيظته. هز جوليوس كتفيه، غير معرٍ إياه مزيداً من الاهتمام، ثم دفع هتافات الحشد إلى قاع عقله وولج الميدان.
قال خصمه بابتسامة ساخرة فوراً: "آه، انظروا من هنا. إنه مدلل المجموعة".
نظر جوليوس إلى خصمه بأنف مجعد. لم يكن لديه أدنى فكرة عما جعل وقحاً هكذا فجأة.
سأل وهو يتلفت حوله ليرى إن كان الرجل يقصد شخصاً آخر: "أأنا؟"
قال خصمه بلا تووي: "نعم، أنت. ومن غيرك أكون أقصد، أيها الأحمق؟"
سأل بفضول حقيقي عما أثار عداوة هذا الرجل المفاجئة: "ما سر هذه العدائية؟ أأعرفك أم ماذا؟"
ربما كان يعرفه حقاً من مكان ما، ولدى الرجل سبب ليكون بهذه الفظاظة. لكن بدا أن هذا لم يكن الكلام المناسب، فبدلاً من أن يههدأ، شعر جوليوس بتصاعد الغضب في هالة الرجل. و لاحظ أيضاً أن الهالة كانت محتقنة بالغضب لكن بطريقة مقصودة. لم تبد غضباً مجرداً، بل كان هناك شيء آخر لم يدركه جوليوس تماماً. لقد كان مهتماً بالمهارة إلى حد ما، رغم أنه لم يشعر بأن ذكر ذلك للرجل سيجلب له أي نقاط إضافية.
هتف الرجل بابتسامة ساخرة أخرى: "أنت وغد مغرور، أليس كذلك؟ لا تظن لمجرد أنك بلغت هذا المبلغ أنك قوي حقاً. لقد كنت محظوظاً حتى الآن، وسأثبت ذلك أمام كل هؤلاء البشر".
قال جوليوس ببطء، مشاعره مترددة بين الحيرة والغضب: "حسناً".
بدا أن رد فعله البارد استفز الرجل أكثر.
هتف جوليوس فجأة مشيراً إليه: "أوه، انتظر".
"أنا أتذكرك حقاً! أنت أحد أتباع ليام، أليس كذلك؟"
كان عليه التنقيب عبر ذكريات شتى حتى عثر على وجه يطابق ذاك الماثل أمامه. كان إنجازاً مذهلاً إن كان صادقاً، وربما بفضل عقله من الفئة الثالثة.
قال دارين بغضب: "واصل المزاح. انتظر فقط ريثما تقع يدي عليك. سأقتلع لسانك وأطعمه للكلاب".
سأل متعجباً: "تمتلك جولدنكريست كلاباً؟"
كان ذلك خبراً بالنسبة إليه. كان يعشق الكلاب، ولو علم بوجودها لحظت لالتصق بها وقتاً أطول. عبس دارين.
"ماذا؟ لا، المدرسة لا تمتلك... لا مبالاة"، وامتنع عن مواصلة السير في ألعاب جوليوس.
وما إن توقف دارين عن الكلام حتى ابتسم جوليوس لنفسه. أمثال هذا الرجل كان استثارة غضبهم أسهل من اللازم. ومع ذلك، لاحظ أن خصمه كان يستعمل مهارة ما بالفعل. خمن أنها لا تخالف القواعد نظراً لكونها امتداداً لهالته الطبيعية، لكن جوليوس استشعر أن الهالة تمتلك خصائص غريبة. بدا الأمر شبه محاولة لتعديه بخصائص غضبه. وبينما كان يفحص الهالة وكيفية عملها، خرج المسؤول وقدم الاثنين.
ورغم أن الحشد بدا مكتوماً خلف الحاجز، إلا أنه استمر في سماع الهدير وإن صدقت أذناه، فقد كان هناك عدد مذهل من البشر يشجعونه في مواجهة خصمه. ظن أن الحشد يهتف له لكونه طالب سنة أولى ويرونه المستضعف أو ما شكل ذلك. لكنه لم يكترث حقاً، فكل ما أراد فعله هو إنهاء الأمر ليستأنف تدريبه مجدداً. لحسن الحظ، بدا خصمه في عجلة من أمره هو الآخر، فما إن بدأ النزال حتى انقض برأس ممثلاً نحو جوليوس.
بالنسبة لرجل بحجمه، فقد تحرك بسرعة فائقة، وتعامل مع الفأس بيد واحدة بلا عناء. اضطر جوليوس إلى التراجع للوراء تفادياً لضربة خاطفة كالصاعقة حاولت فصل رأسه. ورغم أنها أخطأته تماماً، إلا أنه استمر في الإحساس بوخز خفيف على طول وجنته. أراد قضاء بعض الوقت لفهم الإحساس قليلاً، لكن التأرجح اللاحق الذي استهدف ساقيه قاطعه بوقاحة. بدا أن خصمه كان مقاتلاً عدوانياً للغاية، ولم يسمح لجوليوس بفرض الإيقاع أبداً.
رغم ذلك، لم يكن جوليوس منزعجاً البطل. في الواقع، كانت نعمة مقنعة. كان تفادي الهجمات بالغ السهولة. ورغم سرعتها وما تتسم به من مكر أحياناً، فقد تمكن من تفاديها بسهولة بخطوة جانبية بسيطة. منحه ذلك فرصة أفضل لتكوين فكرة عن كيفية عمل مهارة هالة خصمه، إذ كانت أفضل مهارة يمتلكها خصمه بتواضع جوليوس. بعد لحظات، تمكن جوليوس من تحديد الوظيفة الأساسية للمهارة. كان خصمه يراكم مشاعر مثل السخط أو الغضب لإنعاش هالته، والتي يستغلها بعد ذلك لتعزيز جسده.
مثل مهارة تعزيز الجسد الخاصة بجوليوس، كانت مبنية على إنفاذ الهالة. مع ذلك، بدا أن هناك تأثيراً آخر ممتعاً للغاية عند تجربته. شبيه بتأثير استفزازي أو مغير للعقل. هذا هو الشعور الغريب الذي كان يلتقطه قبل انطلاق النزال. كان للهالة تأثير كامن يعزز مشاعر الخصم ويحاول زعزعة توازنه. وارجح أن هذا سبب وقاحة الرجل في البداية. افترض جوليوس أن جعل أحدهم مضطرباً عاطفياً لن يخدم سوى المهارة.
كما امتلك مفهوماً مثيراً للاهتمام يرافقه. لم يدر إن كان استشعر شعاراً، لكن ثمة شيئاً مشابهاً يذكره به. ربما كان شعاراً مزهراً حديثاً؟ لم يكن متأكداً تماماً. ومع كل ذلك، كان فاتناً لقدرة المهارة على استهداف أفراد معينين. استطاع جوليوس إدراك وفوراً أن مهارة الهالة لم تكن كخاصته. فقد استطاعت اختيار من تؤثر فيه، لا مجرد أي شيء في محيطها العام مثلما أرادت [هالة الخراب القاسية]
طوال الوقت. في الوقت الحالي، قامت [حكيم الهمجية] وقدرات هالته الخاصة بعمل جيد في صد المهارة الاستفزازية. لكنه كان فضولياً للغاية بشأن كيفية عمل المهارة ورغب في إختبار شعور تقنية الاستهداف بحواسه الخاصة. أدرك أنها ربما كانت فكرة سيئة وأن الوقت لم يكن مناسباً للعبث، لكنه شعر ببعض الضجر ورغب في إضفاء بعض الإثارة. وإن ساءت الأمور، فلن يحتاج سوى لإعادة تفعيل دفاعاته. لذا، ودون أي تردد إضافي، أخفض [حكيم الهمجية]
وسمح لهالة خصمه بالتسرب إلى هالته. كان الأمر طريفاً لأنه رغم إتاحة مساحة لهالتهما المعارضة للتجول بحرية، أقسم جوليوس أن الهالة بدت حذرة حيال قبول الممر الحر، كأنها خائفة من كونها فخاً ما. لكنها انتهت باغتنام الفرصة وبدأت تحيك سحرها. طوال حدوث ذلك، ظل يتفادى الضربات بلا توقف من فأس الرجل. لكنه لم يكترث حقاً. كان منشغلاً جداً بتعلم كيفية عمل مهارة هالة الرجل وكيفية اختيارها لأهداف معينة، آملاً في دمج التقنية ذاتها في مهارة هالته.
ورغم أنه طور قدرته على التلاعب بهالته بشكل هائل، كانت هناك أشياء أراد ترقيتها. على سبيل المثال، إن كان هناك ما أزعجه في مهارة هالته، فهو أنها لم تستطع التمييز بين الحلفاء والأعداء. لم يحب عدم تحكمه في مهارته الخاصة، وآمن بأنه إن استطاع تعلم كيفية فعل خصمه لذلك، فربما استاب تكرار الأمر لهالته. لذا ومع وميض متزايد من الإثارة في صدره، سمح لنفسه بافتتان تام.