قضى ساعاتٍ يعبث بمهارته الجديدة حتّى أتاه اتصالٌ عبر جهاز التواصل. كان من ليلي، تسأله عن مكانه. لم يشأ حقّاً أن يخبرها أنّه سهر الليل بأكمله. كانت قد أصرّت بشدّة على أن ينال قسطاً وافراً من النوم، وكان معها حقّ. يكمن جزءٌ كبيرٌ من سبب تورّطه في تضرر روحه في أنّه لم يكن ينام أسابيعَ متواصلةً. لكنّه كان اليوم الأوّل أيضاً الذي يسهر فيه حقّاً طوال الليل، لذا لا المفترض أن يكون الأمر سيّئاً إلى هذا الحدّ.
مع ذلك، لم يرَ بأساً في أن يتجنّب إخبارها بما كان يفعله تحديداً. حين غادر الغرفة، تأكّد من ألا يكون شيءٌ قد تضرّر كثيراً. كانت هناك بعض آثار الانفجار على الحجر، لكنّ الغرفة بدت سليمةً في مجملها. وهو إنجازٌ كبيرٌ بمعاييرها، لذا شعورٌ بالفخر غمره. تفكّر في الإشعارات التي تلقّاها خلال ساعات التدريب القليلة الماضية.
[تصدُّع مكانيّ المستوى ١ -> المستوى ٩]
[هالة الخراب العاتية المستوى ٨ -> المستوى ٩]
[الخطوة الخاطفة المستوى ١٧ -> المستوى ١٨]
كان مدهشاً بحقّ قدرته على رفع مستوى [الخطوة الخاطفة] رغم أنّه لم يفعل الكثير لتنويع استخدامها. تساءل مرغماً إن كان للأمر صلةٌ بارتباط مهارته الجديدة بالتطور العامّ اللاحق للمهارة. أظهر [التصدُّع المكانيّ] تحسّناً لطيفاً هو الآخر. وفي حين لم يتعلم حقّاً كيف أو في ماذا يستخدم التصدُّع سوى صنع قنبلة فضائيّة، فقد بات أسرع وأكثر براعةً في صُنعها. انقصف الوقت المستغرق لصنعها إلى النصف، وبدأ يفهم العملية بشكل أفضل كلّما استخدم المهارة.
أراد حقّاً اكتشاف كيفية ربط النقطتين، مع ذلك. اعتقد أنّه متى فعل ذلك، سيخطو الخطوة الأولى نحو استخدام هذه التصدُّعات للاتانتقال الآنيّ. للأسف، لم يكن باستطاعته استخدامها حاليّاً إلا بوصفها سلاحاً. لأنّه إن أيقن شيئاً، فهو أنّ ما أُرسِل إلى هذه التصدُّعات لم يعد سليماً.1 حتى إنّه غامر بانهيار تصدُّعٍ عمداً ليرى ما حدث بتفاصيل أكثر دقةً. بالطبع، كان هذا كلُّه باسم العلم، وقد اتخذ الاحتياطات المناسبة.
رغم ذلك، كان التصدُّع المكانيّ المنهار قوياً للغاية. لم يكن الانفجار كقدراته الانفجاريّة الأخرى. بدا الأمر وكأنّ الفضاء نفسه يمزق الجسم القريب إرباً. وربما لهذا السبب تكبد هذا القدر الهائل من الضرر ووجد صعوبةً بالغةً في التعافي بعد ذلك. حتى إنّه ليذهب إلى القول إنّ هذه المهارة الجديدة مالت أكثر نحو الجانب الهجوميّ. وما منعها من أن تصبح هجوماً مجدياً حقّاً هو الوقت الذي استغرقه تفعيلها.
استغرق الأمر منه بضع ثوانٍ لصنع التشوه، ثم بضع ثوانٍ أخرى لطيّ التصدُّع المكانيّ عمداً. في القتال، لكان خصمه قد ألقى عشرات الهجمات خلال تلك المدة. علاوةً على ذلك، سيعتمد على حقيقة أنّهما لن يتحركا أيضاً. وبما أنّه تعذر تحريك النقطة منتصف التفعيل، فالطريقة الوحيدة لنجاح الأمر هي أن يكون خصمه عاجزاً عملياً أو أكسل من أن يتحرك. في الوقت الحالي، لم يكن لينظر إلى مهارته الجديدة بوصفها مهارة حركة أو هجوم.
بل ستكون ببساطة مهارةً يمكنه استخدامها لاكتساب فهم أفضل للسحر المكانيّ وكيفية عمله — مستخدماً إيّاها طريقةً لاكتساب مفهوم الفضاء، ولعلّه يطور مهاراته الأخرى ذات الصلة.
* * *
التقى ليلي والآخرين في الكافتيريا، حيث رصد هم يكادون ينتهون من الإفطار.
"أين كنت؟ لا يفوتك الإفطار أبداً"، قالت أوبرا وبفمها طعام.
"عذراً، انشغلت"، قال لها.
"لا تقلق، هذا يعني طعاماً أقلّ لي"، قالت بعبوس.
نظر إليها إدجار بنظرة حائرة.
"ماذا تقصدين؟ كيف يؤثر حضور جوليوس في كمية الطعام التي تحصلين عليها؟"
"ألم تلاحظ بعد؟"، سألته أوبرا بحيرة.
"لا، ماذا فاتني؟ هل حدث شيء؟"
"نعم، لا أصدّق أنك لم تلاحظ أنّه كلّما ذهبنا لإحضار الطعام مع جوليوس، يمنحنا العاملون حصصاً أكبر دائماً"، قالت أوبرا وهي تهزّ رأسها بخيبة أمل وكأنّها لا تصدق أنّ إدجار لم يلاحظ بعد.
"لا يمكن أن يكون هذا حقيقياً حقّاً. إنه مجرد وهم في رأسك"، قال لها دريك بثقة.
"لست مخطئةً"، جادلت أوبرا بحماس.
"لقد دوّنت ملاحظات وأجريت مقارنات مستفيضة بين ما أُقدم لي عندما أكون مع جوليوس أو دونه. كل ما حقّقته يُظهر أنّه كلّما حصلت على الطعام معه، أحصل على طعام أكثر من المعتاد".
"لماذا يفعلون ذلك؟ ليس الأمر كأنّنا لا نستطيع النهوض لتناول حصة ثانية، أوبرا"، أشار دريك ملوحاً نحو الطابور.
"الدليل ماثل أمامكم"، هتفت أوبرا وهي توجّه إصبعها نحو طبق طعام جوليوس.
"انظر كمية الطعام الإضافية التي حصل عليها مقارنةً بنا".
مال إدجار ليحدّق في طبق جوليوس.
"ممم، في الحقيقة، الآن بعد أن ذكرت الأمر، يبدو وكأنّه أكثر ممّا قُدّم لي. أعتقد أنّه منحوه قطعة الحافة المقرمشة أيضاً"، قال بعبوس ممزق، وبدا منزعجاً للغاية لهذا الاكتشاف المذهل.
"لا أصدّق أنكم لم تلاحظوا ذلك أبداً. إنه سبب رئيسيّ لافتقادي له عندما غاب طوال تلك الأشهر العديدة، وهو سبب محاولتي المستمرة للحصول على الطعام برفقته"، صرّحت أوبرا وهي ترفع ذراعيها في الهواء.
"هيا يا رفاق!"
هتف جوليوس بوجهها.
"لهذا السبب تصرّين دائماً على الوقوف في الطابور معي؟"
نظرت إليه وكأنّه غبيّ.
"بالطبع هو كذلك. لماذا قد أفلعل ذلك غيره؟ بحق الجحيم، كانت ليلي تفعل ذلك منذ البداية"، قالت مشيرةً إلى حيث كانت ليلي تتجاهل نظراتهم بأمانة.
"حقّاً؟"، سأل حين استمرّت في عدم رفع رأسها.
"أقصد، تلك ليست السبب الوحيد"، تمتمت ليلي أخيراً حين وُضعت تحت وطأة نظراتهم جميعاً.
"لكن لماذا يعاملونه أفضل منّا؟ أنا أعرف بعضهم منذ سنوات"، صرّح إدجار، وبدتا عليه الإهانة لإدراكه أن جوليوس يحظى بمعاملة تفضيلية.
"لا أعلم، لكنهم يحبونه لسبب ما. دائماً ما تشرق مشاعرهم حين يرونه"، ذكرت ليلي وهي تهز كتفيها.
ابتسم جوليوس باتساع عند هذا.
"ليس ذنبي. أنا فقط أصادف زيارة بعضهم في المطبخ وأساعدهم في الطهي أو التنظيف أحياناً".
اهتم إدجار بشكل غريب للغاية حين ذكر ذلك وحدّق في طبق طعام جوليوس بحدة أكبر من ذي قبل. استطاع جوليوس أن يرى تروس رأس الفتي تدور بالفعل.
* * *
بعد الإفطار وقليل من الوقت للاسترخاء، وجد نفسه واقفاً في الملعب المزدحم، محاطاً بمتفرجين صاخبين كانوا يصرخون تشجيعاً للمعاران الدائرة حولهم. كانت مباراته الرابعة في المرحلة الثانية، وكان يواجه شخصاً أبلى بلاءً حسناً لنفسه حتى الآن. كان طالباً في السنة الثالثة يُدعى ديفين بولتن، وقيل إنّ لديه فرصة للفوز بمقعد. وهو إنجاز مبهر للغاية لم تكن الفرصة سانحة سواه لأناس مثل إدجار ودريك العام الماضي.
ربما كانت مباراته الأولى، بخلاف بيثاني، التي كان خصمه فيها شخصاً يحتاج إلى أخذه على محمل الجدّ إلى حدّ ما. ظهر ذلك فوراً أيضاً. استخدم الفتى الآخر سيفاً ضخماً لكنّه أرجحه وكأنّه سيف مبارزة. كان يتمتع بتقارب مائيّ ووظفه بطريقة ذكرته بتلك المرأة المجنونة التي قاتلها في السهول. حافظ على الرشاقة والنعومة اللتين ترافقان مستخدمي الماء غالباً، لكن كان يمتلك هذا الوزن القوي خلف كلّ ضرباته.
لم يكن ذلك فحسب. كان على جوليوس الحذر من الضربات المرتدة اللاحقة التي أتت بعدها. ستحاول هذه الصدى اختلال توازنه بوزن خالص، فذّكرته القتال ضدّ أمواج المحيط. تراجع جوليوس بينما حاول السيف الضخم شقّه نصفين مرة أخرى وسدد ركلة قوية على اليد التي كانت تقبض على المقبض. لسوء الحظ، أحاطت حاجز رقيق لكن قوي من مانا الماء يد خصمه، فحميته. مع ذلك، سمح هذا لجوليوس بأخذ بعض المبادرة، وانقضّ إلى الأمام للهجوم.
أظهر طالب السنة الثالثة مهارةً مذهلةً إذ استخدم سيفه الضخم درعاً لدرء ضرباته. مع ذلك، كان جوليوس أسرع من أن يجاريه الفتى، وتسلل بضربة عبر الفجوة أخيراً. لُهث خصمه حين اصطدمت الضربة قفصه الصدري، واضطر لاستخدام إحدى مهاراته للتراجع. حاول جوليوس اللحاق به، لكنّ طوفان الماء أبعده فترة كافية ليلتقط خصمه أنفاسه ويعيد بناء حراسته. ومع ذلك، تغير تعبير خصمه كثيراً عن اللحظات الأولى من القتال.
في البداية، كان واضحاً أنّه لم يكن يأخذ جوليوس بالجدّ الواجب. لم يبدو الأمر مهماً له حقيقة أنّ جوليوس لم يخسر أمام أيّ شخص آخر. ومثل العديد من الطلاب، ربما اعطتقد أن الأمر كان مجرد ضربة حظ، أساساً لأنه كان يقاتل خصوماً أضعف أو حظي بمواجهات جيدة. لذا كان مرضياً جداً رؤية الاعتراف الصامت على وجه خصمه حين دفعه جوليوس للوراء ببطء لكن بثبات. لم يستطع ديفين نيل اليد العليا ولو لمرة واحدة خلال المباراة، وعلم اثاناهما بذلك.
كانت عائلة بولتن عائلة شهيرةً بحقّ بحد ذاتها. ووفقاً لليلي، كان لها سجل حافل في تنشئة محاربين أقوياء حَمُوا الإمبراطورية خلال طوفان الوحوش. ولهذا السبب راقب الكثير من الناس هذه القتال بحماس أكبر ممّا اعتادوا. رغم قتال جوليوس في الملعب المكتظ طوال المباريات القليلة الماضية، لم يحمل أفكاراً ساذجة بأنّ قتالاته كانت تلك التي شاهدها معظم الناس. كانت هناك أسماء مثل دريك، إدجار، أوبرا، والكثير غيرهم ممّن جاء الناس لمشاهدتهم.
للمرة الأولى، كان قتاله أحد أكثر القتالات مشاهدةً، واستطاع سماع التمتمات الحائرة من الحشد وهو يتعامل مع ديفين بسهولة عابرة، لا سيما من أولئك الذين لم يشاهدوا أيّاً من قتالاته السابقة. بدا أن ديفين سمع ذلك أيضاً، إذ بدا خصمه أكثر إحباطاً كلّما استمع إلى الهمس. لسوء الحظ، دع ديفين غضبه يغلب عليه، وللمرة الأولى، ألقى بنفسه على جوليوس دون السيطرة الحذرة التي أبداها حتى الآن.
تنحى جوليوس بهدوء جانباً أو أزاح ضربات السيف الضخم الغاشمة. استسلم ديفين تماماً لأيّ علامات دفاع أو الحفاظ على التوضع المناسب. كانت الهجمات قوية، صحيح، لكنّها بالتأكيد لم تكن بخطورة ما كانت عليه بداية القتال. ترك الغضب يُنهك طالب السنة الثالثة وراقب هجمات الفتى تغدو أكثر فوضوية مع بدء التعب في التسلل. لم تعد الهجمات المرتدة مخيفة كما كانت، وبعد تفادي تأرجح أخير مرهق، صفع جوليوس عقبه في صدر خصمه، مرسلاً إياه طائراً عبر الميدان.
تمكنت مهارة دفاعية من صدّ معظم الضرر، لكنّه لابد استنزف الكثير من المانا. ماناً كاد خصمه ينفد منها. يلهث طلباً للهواء وبوجه أحمر مفعم بالإحباط، جرّ طالب السنة الثالثة سيفه بيديه كلتيهما، غير ممتنع عن الاستسلام بعد. للأسف، كانت المباراة منتهية بالفعل لحظة سماح خصمه لغضبه بالتحكم به. هذه المرة، تقدّم جوليوس إلى الأمام بدل تفادي النصل ولفَّ يده حول معصم خصمه، مجمداً إيّاه في منتصف الهواء.
ثم، قبل أن يفعل ديفين شيئاً، دفن جوليوس جبينه في وجه الفتي. مزق السيف الضخم بعيداً عن قبضة خصمه الضعيفة باندفاع قوي من المانا. ثم، قبل أن يستطيع الفتى الآخر فعل شيء، استدار مستغلاً زخم الدوران ليحطم الفتى بسلاحه الخاصّ في ضربة وحشية ربما قتلته لو لم يكن يرتدي السوار الفضيّ. حين تيقن من انتهاء القتال، أسقط السيف على الأرض بلا مبالاة وابتعد، غير عابئ بالاستماع إلى الحشد الهادر.
كان أكثر تركيزاً على جلسة التدريب القادمة التي كان يخطط لها بالفعل لمهارته الجديدة. بالنسبة له، بدا ذلك أكثر إثارةً للاهتمام من إبرام شخص علم قدرته على الفوز عليه.