⟦1ʌصوت هتافات الحشود يرتفع حوله بينما يمضي في الممر نحو الماحة، والمعارك تدور في كل مكان. الجو مختلف كليّاً عن جولة التصفية. طاقة كهربائية تسري في الهواء. يشعر بها حتى من داخل النفق. للمرة الأولى، يتسرب إليه قليل من القلق. ليس خوفاً من الخسارة، بل توجساً من أن يرمقه هذا العدد الهائل من العيون. أمر طريف حقاً؛ فقد واجه الموت مرات عديدة وقاتل خصماً من الطبقة الخامسة، لكن فكرة الإحراج أمام الحشد تظل احتمالاً مخيفاً.
ماذا لو فجر نفسه خطأً أمام الجميع؟ يشتهر بحدوث أمور كهذه من حين لآخر، لذا لا يمكنه استبعاد هذا الاحتمال كليّاً. يأخذ نفساً عميقاً ومهدئاً قبل الخروج من النفق، ويصعقه ما يراه. يشبه الأمر مغادرة نفق ملعب كرة قدم ضخم والانغماس في كل ضوء وصوت تخيله العقل. حشود غفيرة تحتشد في المقاعد حتى تبدو الوجوه كتلة ضبابية واحدة، وهتافاتها تصم الآذن فجأة. مثلما جرى التخطيط له في التصفيات، تفصل حواجز ضخمة شبه شفافة بين النزالات.
لكن ما يخططف بصره حقاً هو تلك الصور الهائلة الطافية فوق كل مواجهة. أوضحت له ليلي مسبقاً وجود عارضات سراب منصوبة في أنحاء الملعب، لكنه لم يدرك كنه حديثها حتى عاينها بنفسه. كان يتوقع شيئاً شبيهاً بالتلفاز أو صورة ضبابية رديئة، غير أن ما يشهده منظر خياليّ. كل نزاع فردي يُعرض تماماً فوق المباراة بوضوح شديد. بل وأكثر من ذلك، لا بد أن أحداً يتحكم في الصورة أو أعد تعويذة ما، إذ صُممت بحيث لا يقتصر نظر الجمهور على زاوية ثابتة.
يبدو الأمر أشبه بالمتابعة من منظور شخص يتحرك ويسجل النزال بنفسه. لا فكرة لديه عن كيفية صنع عمل مركب كهذا، لكن لديه إحساساً قوياً بأن الرونقات الضخمة والقوية التي يشسعر بها في الأعلى هي السبب الرئيس. لو امتلك عالمه القديم شيئاً مشابهاً لتغيرت الفعاليات الرياضية إلى الأبد. يقوم العارض أيضاً بعمل جبار في إبراز النزال لأولئك الذين قد يكونون بعيدين جداً بحيث تعجز أعيُنهم عن رؤية المقاتلين عن قرب.
بابتسامة متحمسة، يتجه نحو موضعه المخصص سلفاً ويرى خصمه يشق طريقه هو الآخر نحو المكان ذاته. يتلفت حوله فيقع بصره أخيراً على نزال إدغار الذي لا يزال جارياً. حسب ما يتبين له، يتابع شطر كبير من الجمهور نزال إدغار، وقد سُمّرت أعينهم على العرض العلوي. يبدو إدغار في كامل راحته، ويلاحظ جوليوس أنه لا يستعمل هجماته الأكثر تفجيراً. كأن الطالب الأكبر سناً يتعمد تجنب استخدامها.
ومع ذلك، يجد إدغار نفسه في وضع ممتاز أمام طالب السنة الرابعة الآخر الذي يعد مقاتلاً بدوره. الفتى الآخر نحيل للغاية وله شعر أشقر شديد السطوع يتألق في ضوء النهار. يمسك بسيفين قصيرين محاولاً تقطيع إدغار، لكن جوليوس يلحظ أيضاً أن وجه الفتى الأشقر قد احمرّ تماماً. لا دراية لجوليوس بمدى طول هذا النزال، لكن الفتى الأشقر يبدو مُنهَكاً بوضوح. يرى الارتفاعات الهائلة لصدره مع كل ضربة، ما يدل على أنه يجري على أبخرة وقوده الأخيرة.
ورغم ذلك، يقاتل بكل ما أوتي من قوة. حتى وهو يقاتل على وشك الفراغ تامّ، يظل عدوانياً دون أن يسمح لإدغار بالتحكم في إقاع المعركة. لكن بالنظر إلى حالته الحالية، لعل كان من الأفضل ألا يفعل ذلك. في المقابل، يظل إدغار صبوراً ويترك الفتى الآخر يأتي إليه. يحسب للأشقر أنه سريع، لكن هذا كل ما في الأمر. لا يمتلك مستوى التمكن الذي رآه جوليوس لدى مقاتلين آخرين مهتمين بالسرعة.
تظهر حركات افتقاراً تامّاً للسيطرة. افتقار يعاقب عليه إدغار ببطء تبادلاً إثر تبادل. وبينما يتحدث، يلاحظ أن الفتى قد أساء تقدير المسافة الفاصلة بينه وبين إدغار. يحطم إدغار قبضة واحدة في كتف الفتى مرسلاً إياه ليتمدد على الأرض مجدداً. وقبل أن يتمكن إدغار من المتابعة، يستعمل الفتى مهارة ما ليقذف نفسه بعيداً عن متناول إدغار. لا بد أن هذا استنزف الكثير من الموارد لأن الفتى يبدو أكثر تعباً بعد ذلك.
وإذ يرى أن النزال قد انتهى عملياً، يذكر نفسه بالكف عن التشتت ويتجه صوب ساحته. بعد اجتياز الحاجز، يتفاجأ بسماع أصوات الحشود وقد خفتت. لا يحجب الحاجز كل الضوضاء، لكنه يقلل إلى حد كبير من الأصوات الصاخبة بالخارج. يتساءل أيضاً كيف يتسنى للناس سماع النزالات الفردية. إنه واثق من أنه لو استمعوا لكل النزالات لكان الأمر حملاً حسياً زائداً للمتفرجين. ماذا لو أرادوا الاستماع لنزال واحد فقط وتجاهل الآخرين؟
يهز كتفيه بينما يحاول عبثاً التوصل إلى إجابة. أمر يسجله ليسأله ليلي والآخرين لاحقاً. في الواقع، سيكون كايل الخيار الأنسب غالباً. فالطالب الأكبر سناً شغوف بالتعاويذ بعد كل شيء. وحين يمشي إلى الساحة، يلتقي نظره بخصمه. يعتقد جوليوس أن اسمه كيلدون أو ما شابه. لا يشبه كيلدون ما كان يتوقعه. الطالب الأكبر سناً صغير ونحيل للغاية. لكان جوليوس ظنّه نوعاً من السحرة لولا غياب التركيز السحري والدرع الخفيف الذي يكسو الفتى.
بكل مظاهره، يبدو كيلدون مقاتلاً. ومع ذلك، المظاهر خدّاعة، فبقدر ما يعلم قد يظل الفتى الأصغر ساحراً. بالكاد يعير انتباهه بينما يُعرّف المسؤول بينهما. إنه مشجول جداً بالتحديق في النزال المجاور لخصمهما، حيث تستخدم فتاة سحراً غريباً لتغطية فتاة أخرى بسائل مائل للاخضرار. للوهلة الأولى، يبدو الأمر وكأن الفتاة ترمي بالوحل على الفتاة المسكينة الأخرى. سائل سميك ولزج يغرق الفتاة المقابلة التي تبدأ تفعل كل ما بوسعها للبقاء نظيفة.
ينكمش ملامح وجهه وهو يراقب الفتاة تحاول بيأس تجنب السائل. لا يعتقد أن الفتاة المقابلة تشغل بملكا بالخسارة بعد الآن؛ بل يبدو أن جل همها هو تفادي المزيد من هذه المادة البغيضة. يبلغ من تشتته أنه يكاد لا يسمع المسؤول حين يبدأ النزال ويقصد خصمه نحوه. إذن فهو مقاتل اشتباك قريب، أليس كذلك؟ يحدث نفسه بابتسامة بينما يستعد. يصد بركبته ركلة الساق المفاجئة والسابقة التي تستهدف ساقيه.
غير أنه حين يتلامس مع ساق الفتى الأصغر، يشبه الأمر امتصاص ساقه داخل دوامة. يفقد توازنه ويتلقى لكمة مقابل عنائه. ومع ذلك، يرمق الفتى بنظرة حائرة. القوة الفعلية خلف الضربات ضعيفة نسبياً، خصوصاً لطبقة ثالثة. لكان ظن أن صاحب الطبقة الثالثة يمتلك طاقة أكبر. اللكمة لا تفعل شيئاً سوى رجّ رأسه إلى الوراء بالكاد. مقطباً حاجبيه، يستمر جوليوس في تفحص كيلدون وهما يتبادلان سلسلة أخرى من الضربات.
لا يستطيع منع ابتسامته حين يظهر الفتى مهارة وتمكناً لامعين. لا توجد ثغرة ليرد عليها ويشعر كأنه يُدفع نحو حيثما يريد الفتى الآخر أن يأخذه. وإذ يدرك أن هذا هو تحديداً ما كان يأمل اختباره خلال هذه البطولة، ينسى تماماً أنه يقاتل أمام حشد ويستمتع بوقته للدقائق القليلة القادمة. يرقصان حول بعضهما، محاولين جميعاً نيل اليد العليا. غير أنه لا يستطيع منع شعوره بالأسف تجاه الطالب الأصغر.
خصمه يمتلك مهارة واضحة، وقدراته في القتال بالأيدي مصقولة جيداً. وقد اتضح هذا منذ التبادل الأول. ومع ذلك، من المؤسف حقاً ألا تكون قدراته البدنية في المستوى ذاته. ولا حتى قريبة. وهذا يعني أن جوليوس لا يتكبد أي ضرر، حتى لو وجه خصمه ضربة. لا حاجة لتفعيل مهارة تعزيزه لمستويات أعلى لحماية نفسه. بدأ الأمر يكتسب معنى؛ كيف انحدر شخص بمثل هذه المهارة إلى هذا الحد في الترتيب.
ومع ذلك، هنالك الكثير مما يمكن لجوليوس تعلمه من أسلوب قتال الفتى. يهمه بشكل خاص كيف ينجح خصمه في استخدام كميات ضئيلة من القوة لزعزعة توازنه وخلق ثغرة. تقنية ابتكارية لا بد أنها تطلبت مهارة هائلة لتنفيذها. ولهذا يستغرق وقته في مراقبة صبورة لكيفية استخدام الفتى لمهارته بالتزامن مع قدرات القتال القريب. يتخيل نفسه إسفنجة، تحاول بيأس امتصاص أكبر قدر ممكن من المعلومات من النزال.
وكما في نزاله مع بيثاني، يتعلم أن مجرد تفوقه بقوة على هؤلاء الطلاب الآخرين لا يعني أنهم لا يملكون شيئاً ليعلموه إياه أو جانباً ليتحسن فيه. خصمه أمامه يبرهن على ذلك شخصياً. يلقي جوليوس ركلة أخرى تعبر فوق رأس كيلدون ويراقب الطالب الآخر يستعمل مهارته لجذب طرفه قليلاً، مما يزيح مركز توازنه. ثم بينما يعيد توازن نفسه، يطلق خصمه لكمة نادرة مغطاة بمانا الماء، وهو أمر لم يفعله إلا حين يشعر بوجود ثغرة مثالية.
مثل أسلوب قتاله، تحكمه بالمانا مصقول. يخلق دوامة من مانا الماء الدوامة فوق مفاصل أصابعه ويدفعها نحو صدر جوليوس. لحسن الحظ، لا يزال جوليوس أسرع فيصد الضربة بيده اليسرى، لكنه يستطيع الشعور بالدوامة حول القبضة وهي تحاول تمزيق جلده. يستمران على هذا المنوال لعدة دقائق، ومع أنه لم يشغل مهارة تعزيزه بكامل طاقته الممكنة، إلا أنه لا يزال مجبراً على الحفاظ على تركيز مطلق.
لا يريد إهدار ثانية واحدة من هذا النزال، وخصوصاً حين يتعلق الأمر بشيء يستطيع تطبيقه في استخداماته الخاصة للطاقة الحركية. يشعر بقدرته على دمج تقنية خصمه وأسلوب قتاله في أسلوبه الخاص. كما يحمل فائدة إضافية تتمثل في عدم تكلفتها الباهظة من المانا. على عكس تقنية التثبيت الخاصة به، والتي تستهلك الكثير من الطاقة الحركية وقوة الإرادة في كل مرة يفعلها فيها. للأسف، يعجز خصمه عن مواكبة مجاراته على المدى الطويل.
فقد نفذت طاقته ومماناه، وبات يلوح بلكمات أبطأ فأبطأ باتجاه جوليوس. يدرك أنه لن يجني المزيد من الفتى الآخر في هذا النزال ويقرر إنهاءه. إذن، بدفق من المانا، يزيد سرعته ويحطم دفاعات خصمه متجاهلاً أثر السحب من مهارته. بعد أن يُقذف خصمه إلى الوراء، يخطو جوليوس إلى الأمام ويوجه ضربة ساحقة أخرى تفعل التعاويذ، حامية الفتى الآخر من أي ضرر إضافي. ولاحظاً أنه أكثر تعباً مما كان يظن، يأخذ نفساً عميقاً ويسترخي وهو يستمع إلى الهتافات التي تصم الآذان من الحشود التي شاهدت خاتمة نزاله.