قبل أن يدري، حلّ موعد مباراته الأولى. لكن عقله كان مشغُولاً بأمور أخرى، عوضاً عن الشعور بالتوتر كما يتوقع البعض. بينما كان يتدرّب في الليلة الماضية، صادف شيئاً مثيراً للاهتمام. كان الوقت متأخراً، لذا تعذّر التأكد أكان حلماً أم حقيقة، لكنّه يكاد يقسم بأنه شعر بروحه تتصل بشيء ما. بدا الأمر قريباً للغاية ممّا اختبره سابقاً عند اكتساب مفهوم. أثّرت فيه هذه التجربة الغريبة كثيراً لدرجة أنه انتهى به المطاف بلا نوم طوال ما تبقى من الليل، محاولاً عبثاً إعادة استحضار ذلك الإحساس.
وهكذا وجد نفسه مستلقياً على أحد المقاعد في الحديقة التي يرتادها هو وإدغار، بينما استقر دراسيل على صدره يعبث بياقة قميصه. وعلى صعيد مختلف تماماً، لاحظ أن دراسيل قد تغير قليلاً. لو لم يكن منتبهاً، لما لاحظ ذلك قط. تمثل الفارق الأكبر في مدى كثافة مانا دراسيل. بدا الأمر وكأنها تضنح مع مرور الوقت. ليس هذا فحسب، بل إن الأشواك على تاجه كانت تنمو أيضاً. بدا أن الكميات الهائلة من المانا التي استهلكها دراسيل تؤتي ثمارها أخيراً.
رغم أن الأوان قد آن لذلك، فبالنظر إلى مقدار المانا الذي منحه إياه، شكّ إيليوس في أن ذلك كان يكفي لتشغيل تعاويذ منزل بأكمله لعام كامل تقريباً. وفي غمرة طي دراسيل لياقته على نفسها، استشعر اقتراب أحدهم من خلفه.
نادتْه رينيرا: "لقد استيقظت مبكراً بشكل مخيف".
اعتدل في جلسته، فأطلق دراسيل الذي كان عالقاً بإحكام بياقته رنيناً من الدهشة إثر رفعه في الهواء بلا شيء يدعم ساقيه. بيد أنه تدارك أمره سريعاً وتمكن من التسلق داخل التجويف في رقبة إيليوس، صافعاً إياه بغضب بسبب إهماله.
قال لها: "لم أستطع النوم"، ثم التفت ليرى أميليا تقف خلفها مباشرة.
لم يخض إيليوس مواجهات كثيرة مع أميليا منذ عودته. وفي القليلات التي جمعتهما، لم تكفّ المرأة عن رمقه بنظرات حارقة، وظل اليوم على حاله. كانت الحارسة ترمقه كما لو أنه أساء إليها شخصياً.
سأل رينيرا بصوت خافت: "لمَ لا تزال تنظر إليَّ هكذا؟"
ولمزيد من البهجة للروح الصغيرة، كانت رينيرا قد اقتربت بالفعل وبدأت تخدش رأس دراسيل.
قالت وهي تهز كتفيها: "حاولت التحدث إليها".
هتفت أميليا فجأة: "لأنك تأثير سيّء عليها".
سأل بصوت تخالطه الصدمة: "كيف أكون تأثيرًا سيّئاً؟"
"منذ أن عرفتك، أصبحت أكثر تمردّاً وحبّاً للحرية".
ذكر قائلاً: "حب الحرية لا يبدو أسوأ شيء يمكن للمرء أن يتصف به".
"إنه كذلك عندما تكونين أميرة تُمثّل العائلة المالكة".
كانت هذه نقطة وجيهة نوعاً ما، وجب عليه الاعتراف بذلك، لكنها لم تكن ولية العهد أو ما شابه. لم يكن الأمر كأنها ستورث العرش قريباً، إذ كان لها شقيق من المفترض أن يتولى تلك المسؤولية. تنهّد في وجه أميليا.
جادل قائلاً: "تجعلين الأمر يبدو وكأنني المسؤول عن كل ذلك. أَتُحاولين حقاً القول إن رينيرا لم تكن هكذا طوال الوقت وكانت تخفي ذلك فحسب؟ لا يمكنك إلقاء اللوم عليَّ في كل شيء تعلمينه".
قالت أميليا بعبوس: "كما أنها لم تكن تجادل عائلتها بمثل هذا التكرار منذ عودتها".
أشار قائلاً: "لقد أرادت البقاء في غولدنكريست".
قالت له أميليا مكرهة: "أنا أدرك ذلك تماماً، لكنه أمر خطير بالنسبة لها هنا. ثمة ثغرات واضحة في هذه المدرسة ولا أستطيع الشعور بالأمان لبقائها هنا. علاوة على ذلك، السبب الرئيسي لرغبتها في البقاء هو وجودك أنت".
"الأمر خطير عليها أينما ذهبت. أليس هذا سبب وجودها هنا من الأساس؟"
قاطعتهم رينيرا أخيراً بعد أن تجاهلت مشاجرتهما وأغدقت على دراسيل الحنان.
"أميليا، لقد طلبت منك التوقف عن إلقاء اللوم على إيليوس في مجريات الأمور. ليس خطؤه وحده تماماً".
تمتم بوجه تبدو عليه ملامح الخيانة: "وحده تماماً؟"
تجاهلته.
"اخترت البقاء هنا لأنني أردت ذلك، لا لأنه طلب مني. أود أيضاً تذكيرك بأنني اختبرت عمليات اغتيال أقل خلال هذه الفترة مقارنة بأي وقت مضى. لذا فحتى إن لم تكن غولدنكريست المكان الأنسب لأمني، فأنا لا أزال هنا بأمان أكبر مما لو كنت في العاصمة".
فتحت أميليا فمها لتجادل، لكن رينيرا لوحت بيدها قاطعةً كلامها.
قالت بنظرات هادئة لكنها غاضبة: "حسبك! لقد اكتفيت من محاولاتك إثارة الشجار مع إيليوس. سمحت لك بتفريغ إحباطاتك، لكنه في نهاية المطاف صديقي ولن أقف هنا صامتة while بينما تبكتينه. هذا قرار نهائي. إن واصلت هذا السلوك، فسأضطر لمطالبة عائلتي بإرسال شخص آخر لحمايتي. شخص لا يحمل العداء لأحد أصدقائي القلائل".
بدت أميليا وكأنها أدركت أنها تمادت فأطرقت ببصرها نحو الأرض.
تنهّدت رينيرا: "امضي وتناولي طعام الإفطار دوني، سأراك لاحقاً، حسناً؟"
رفعت أميليا نظرها وهمّت بالجدال لكنها عدلت عن رأيها في اللحظة الأخيرة وابتعدت. وعندما تجاوزت الزاوية، التفت إيليوس نحو رينيرا مؤوماً بفخر.
أثنى عليها: "أحسنتِ".
قالت بعبوس: "لقد حان الأوان لذلك. لم تتجاوز كرهها لك تماماً بعد. والأحداث الأخيرة لم تزد الأمر إلا سوءاً".
سأل بينما تحرك ليفسح لها مكاناً لتجلس: "وماذا عن عائلتك؟ أأبدوا رأيهم فيّ؟"
ابتسمت له امتناناً وهي تحشر نفسها على المقعد بجانبه.
"في الواقع، لا مشكلة لديهم معك على الإطلاق. أستطيع القول إن معظمهم ممتنون لك للغاية. لم أخبرهم بكل شيء، لكني أخبرتهم عن إنقاذك لي مرتين وبدا أن ذلك رفع من مكانتك في أعينهم. أعتقد أنها تشعر بالمرارة من جراء ذلك أيضاً".
"ماذا؟ أيعني هذا أنها غاضبة لأن عائلتك تحبني بينما تظن أنني سيء لك؟"
هزت كتفيها.
"نوعاً ما. ثمة أمور كثيرة أخرى أيضاً، لكن عائلتي توافق في الوقت الحالي على صداقتي معك. أظن أن مردَّ جزء كبير من ذلك ظنهم بأنك طبقة حماية إضافية، لكن لا مانع لديّ من ذلك. رغم أن البعض أبدى تردداً حين علم أنك من العامة، مشيرين إلى ضرورة مصادقتي لأشخاص ذوي نسب أرقى، لكن هذا العدد ضئيل".
سأل بفضول: "أهكذا أنا؟"
بدت مرتبكة.
"أأنت ماذا؟"
"طبقة حماية إضافية؟"
قالت وكأن الأمر أبين من الشمس: "بالطبع أنت كذلك".
تمتم متذمراً: "حسناً، على الأقل أنت صادقة بشأن ذلك"، مما جعلها تطلق ضحكة مدوية.
سأل قبل أن ينسى: "أهلاً، ما الذي يعنيه ما قلته قبل قليل؟"
"ماذا تقصد؟"
سأل مع عقد جبينه: "قلتِ إنه ليس خطئي تماماً. ماذا كنتِ تعنين بـ (تماماً)؟"
أدارت وجهها عنه وشرعت في الاهتمام بالزهور المنتشرة من حولهم.
قال وهو يوخزها بيده: "مهلاً، أنا أكلمك".
واصلت تجاهله.
* * *
إن كان يظن أن التصفيات التمهيدية كانت مهزلة، فهذه كانت فوضى عارمة بحق. كان المكان ممتلئاً حتى السقف. بالكاد تستطيع السعي خطوتين دون الاصطدام بأحدهم. لم يكن الأمر مقصوراً على أعداد البشر فحسب. بل التغيير الشامل في الحرم الجامعي هو ما أثار دهشته. كانت الساحة دائماً منعزلة بعض الشيء عن بقية المدرسة، وأدرك الآن سبب ذلك. عمد الطاقم عملياً إلى عزل المنطقة بأكملها من أجل البطولات، مما سمح للمتفرجين بالتجول في الأرجاء تماماً كما يرى المرء في المهرجانات.
لا تزال هناك حدود لكيلا يتعرض الطلاب للمضايقات في الحرم الجامعي، لكن طوال الأسبوع القادم أو نحو ذلك، سيبدو الحرم الجامعي هكذا. علاوة على ذلك، كان هناك عرض ساحر ومذهل للسحر في كل مكان. زهرت أعمال مذهلة من إنشاءات المانا عبر الحرم الجامعي كقوس قزح من الفن المتلألئ. راحت حيوانات نابضة بالحياة مصنوعة بالكامل من المانا تقفز في الهواء بينما يتابع المتفرجون ذاهلين بهذا الاستعراض.
قفز أطفال الآباء الذين حضروا لمشاهدة المباريات في الهواء محاولين الإمساك بهذه الإنشاءات، وكانت ضحكات الحشد البهيجة معدية. لم يستطع منع نفسه من الابتسام وهو يشهد مثل هذا الجمال. لمح صفاً من الخيام والعربات حيث استنشق رائحة الطعام تفوح في الهواء. لم يكن يود سوى الركض وتجربة كل ما بمرأى العين، لكن ذراعه جذبت.
قالت ليلي وهي تجره معها: "تعال، يمكننا تفقد الأكشاك لاحقاً".
تبعها بيئس دون مقاومة، ويرجع ذلك في الغالب إلى شعوره بأنها لا تريد سوى فعل الشيء ذاته واحترامه لضبط نفسها. كان البقية في الملعب يستعدون بالفعل لمبارياتهم. وبالحديث عن الملعب، لم تكن المباريات تُقام فقط في الساحات الأصغر التي استخدِموها في التصفيات التمهيدية. عُقد قسم جيد من المباريات في الملعب الرئيسي، وهو الذي لاحظه خلال أسبوعه الأول لكنه لم يره مستخدَماً. لا تزال الساحات الأخرى تُستخدم أيضاً، لكنها خُصّصت لبطولة الطلاب الأصغر سناً وبعض المباريات (الأقل أهمية) لبطولة الفئة الثالثة.
عندما وصولا إلى القسم الذي يتوجب على الطلاب تسجيل أسمائهم فيه لخوض مبارياتهم، لاحظ أن من حوله لم يكونوا يتعاملون مع الأمر بهدوء مثله. كان الكثير من الطلاب متوترين بشكل واضح، حتى إنه رأى زوجين منهم يتقيؤان في سلة مهملات قريبة. لم يقم بلومهم. كان هذا مختلفاً تماماً عن التصفيات التمهيدية، وسيكون عدد المشاهدين ضخماً، بغض النظر عن مكان القتال. ظن أن أغلب هؤلاء تقاتلوا أمام العشرات فقط من الطلاب والمتفرجين في الجولة الأخيرة.
على هذا النحو، لا بد أن رؤية الآلاف من المتفرجين يضجون في الملعب أمر يبعث على توتر الأعصاب. بعد أن أكمل كافة تجهيزاته، أُخذ إلى غرفة منفصلة كان عليه الاستعداد فيها والانتظار حتى يُنادى اسمه. وبما أنه حقق سجلاً لا بأس به، فسوف يقاتل اليوم في الملعب الرئيسي على ما يبدو. ولن يكون وحده فحسب، بل سيكون هناك عدد قليل من المعارك الأخرى التي تدور في الوقت ذاته أيضاً. ولكن مع المساحة الواسعة، يمكنه استيعاب عشرات المباريات في وقت واحد بسهولة إن أرادوا ذلك.
وأثناء انتظاره، استغل الوقت لممارسة التحكم بهالته مع ليلي، التي بقيت معه. ساعد ذلك في إبعاد عقله عن المعركة القادمة، وكان فخوراً بالقول إنه مع تحكمه الجديد، مثّل تحدياً حقيقياً لليلي. لم تكن قادرة على اكتساحه بهالتها بل كان عليها بذل جهد حقيقي لتنتغلب عليه. مع قوله هذا، لا تزال تتمتع بتحكم دقيق أفضل منه، بينما امتلك هو القوة الغاشمة التي ساعدته على مواكبتها. وما إن أُعطي تحذير العشر دقائق حتى نهضت وغادرت لتحجز مقعداً للمشاهدة.
كان للطلاب قسمهم الخاص، لذا لم تقلق بشأن عدم العثور على مقعد، لكن إن أرادت المشاهدة، توجب عليها المغادرة قريباً. لذا وبوداع سريع وتمنيات بالتوفيق له، انطلقت تاركة إياه وحيداً. وعندما حان الوقت أخيراً، دخل مسؤول إلى الغرفة وفحصه تماماً مثلما جرت عليه الأمور في الجولة السابقة. تأكدت المرأة من خلوه من أي أشياء ممنوعة وتأكدت من عمل جهازه بالشكل الصحيح قبل شرح القواعد مرة أخرى.
وما إن تيقنت من جاهزيته حتى أرسلته إلى الميدان لأول مبارة إقصائية حقيقية له في البطولة، ولم يستطع إلا الابتسام كطفل صغير من فرط الحماس.