ما زال جوليوس يشق طريقه نحو الساحة، تحسّباً لقدرته على اللحاق بمباراته، أو لوجود سبب جعل خصمه يتأخر هو الآخر. لكنه اصطدم بليلي وأوبري وإدغار، ليتأكد له استحالة فعل شيء.
صاحت أوبری: "انتظرناك طويلاً! لكن تخيل دهشتنا عندما لم تظهر قط!"
رفع يديه محاولاً استرضاءها: "أشغلني أمر مهم. حدثت مشكلة أخرى في أحد الصدوع وضاع الوقت"، هكذا شرح لها.
بدا أن هذا الكلام نجح في تهدئتها سريعاً.
سألت أوبري بقلق: "حادثة صدع أخرى؟"
سאلت ليلي بتوتر: "ماذا تعني؟ أحدث مكروه مجدداً؟"
تنهد وأمضى الدقيقة التالية شارحاً لهما ما جرى. ولحسن الحظّ، ملكهما ذلك عن حقيقة نسيانه لمباراته.
مالت أوبري برأسها وقالت: "ألا يبدو هذا مريباً بعض الشيء؟"
أضاف إدغار: "أوافقها الرأي. ما احتمالية وقوع أمر كهذا أثناء البطولة؟ يعلم الجميع أن هذا هو أشد أوقات السنة ازدحاما، حيث يكون الموظفون مثقلين بالعمل بالفعل".
سألت ليلي: "برأيك من يفعل شيئاً كفيل هذا؟ وما أسبابهم المحتملة؟"
لم يستطع جوليوس إلا أن يتمتم لنفسه: "المجمع".
سأل إدغار: "ماذا قلت يا جوليوس؟"
هز رأسه وأجاب: "لا شيء، أحدث نفسي فقط".
رمقه إدغار بنظرة غريبة لكنه لم يلحّ في السؤال.
قالت ليلي بابتسامة: "على أي حال، ما زال لدينا متسع من الوقت لمشاهدة مباراة كايل. إن تحركنا الآن، فقد نصل قبل أن تبدأ".
توجه الأربعة إلى الساحة الأخرى لمؤازرة كايل، وتلاشى مؤقتاً أمر تفويته لمباراته الخاصة.
* * *
كان اليوم يشهد المباراة الأخيرة من التصفيات التمهيدية قبل إجراء القرارات. جلس في تلك اللحظة رصيده ثلاثة انتصارات وهزيمة واحدة. هزيمة يتحمل وزرها كاملاً، كما أحبّت أوبري أن تذكر الجميع باستمرار. مع ذلك، راوده شعور بأن قتال اليوم سيكون مختلفاً قليلاً عن مبارياته السابقة. لم يكن خصمه هذه المرة شبيهاً بمن قاتلهم من قبل. كانت فتاة في السنة الرابعة، وتمكنت نظرة واحدة لهالتها من جعله يدرك فوراً أنها أقوى من كل من واجههم حتى الآن.
اسمها بيثاني، وحسب قول ليلي، فهي تتربع بلا شك في صدارة طلاب السنة الرابعة. يعني هذا أن جوليوس وجد نفسه في الساحة الأولى للمرة الأولى. ويعني أيضاً أنه سيقاتل أمام حشد غفير من البشر. اعتاد سابقاً القتال أمام بضع عشرات من الناس على أكثر تقدير. غير أن الساحة الأولى شهدت أغلب النزالات الأكثر إثارة. خُصصت لمن رأت المدرسة أنهم أكثر جلباً للمشاهدين، مما جعلها حتماً تعج بالحضور أكثر من أي ساحة أخرى.
عندما وطأ بقدميه أرض الميدان، فوجئ قليلاً بتلك الرجفة الخفيفة الناتجة عن التوتر. تطلعَت عيون كثيرة نحو الميدان. امتلأت تقريباً كل مقاعد الساحة، وبلغته أصوات الهتافات الصاخبة للجماهير وهي تشجع النزالات الأخرى الدائرة حوله. وترددت في أرجاء الساحة بأسرها صيحات الإعجاب المدوية والآهات الجماعية كلما تلقى أحدهم ضربة قوية بشكل خاص. وللمرة الأولى منذ انطلاق التصفيات، بدأ الأمر يتحول أخيراً إلى بطولة جدية.
وما إن دخلا الاثنان الميدان، حتى استشعر تركز جانب كبير من انتباه الحشود لمتابعة نزالهما. وعلى الرغم من علمه بأن معظم تلك الأعين كانت معلقة بالفتاة الجميلة أمامه، إلا أنه ما زال يشعر بقليل من التوتر، مع اعترافه بوجود شرارة من الحماس بداخله أيضا. رمقته الفتاة بيثاني بنظرة حادة من الطرف المقابل للميدان. ولسبب ما، وخلافاً للطلاب الآخرين الذين واجههم، لم تبدُ كمن ينظر إليه باستخفاف لمجرد أنه طالب في السنة الأولى.
جهل سبب ذلك، أهو سماعها بمبارياته السابقة أم أنها طبيعة شخصيتها فحسب، لكن إحساسها به كخصم حقيقي كان أمراً محبباً. تقدم الحكم إلى وسط الميدان الفاصل بينهما.
أعلن بصوت مرتفع، وإن شك جوليوس في قدرة الكثيرين على سماعه وسط ضجيج الحشد: "هذه مباراة رسمية بين بيثاني جاكوبز من السنة الرابعة وجوليوس سنو من السنة الأولى".
لكن سرعان ما تبطل ظنه عندما خيم صمت مطبق على قطاع عريض من الساحة للحظات وجيزة. وعقب هذا الصمت المطبق، شاهد الكثير من المتفرجين يلتفتون لبعضهم ويشرعون في التمتمة.
بلغت مسامعَه كلمات الحشد من قبيل "طالب في السنة الأولى"
و"يالها من خسارة".
ولم يلمهم على رد فعلهم. فمشاركته في البطولة لم تكن معلنة على نطاق واسع بعد، وبدا أن كثيرين قد أصابتهم الصدمة عند سماع النبأ. رغم ذلك، واجهته أمور ملحة أكثر في تلك اللحظة. فأزاح تلك الأفكار إلى مؤخرة عقله وركز على النزال. تجاهل الحكم تمتمات الحشد، ورمقهما بنظرة ذات مغزى.
"تعرفان القواعد جيداً، لذا أتوقع قتالاً نظيفاً وعادلاً. إن خرق أحدكما أيا من هذه القواعد، فسيخسر المباراة ويعاقب تبعا لذلك. أفهُمتما؟"
أومأ جوليوس للحكم، وفعلت بيثاني المثل من جانبها، لكنه لاحظ أن عينيها لم تحيدا عنه ولو لثانية واحدة.
* * *
وجهة نظر بيثاني ما إن أطلق الحكم إشارة بدء النزال، حتى لم تضيّع بيثاني أي وقت وأرسلت وابلاً من رماح المانا مباشرة نحو الصبي الواقف أمامها. كانت أدرى من أن تستهين بطالب السنة الأولى. رغم اعتقاد الأغلبية بوجود حماقة في تقدم أحدهم للمستوى الثالث في سن مبكرة، إلا أنها لم تشاركهم هذا الرأي. فقد شاهدت مصادفة إحدى مبارياته السابقة وأدركت فوراً أنه ليس مجرد فتى عجول يود التفاخر بكونه في المستوى الثالث أمام أقرانه.
إنه مقاتل حقيقي أظهر مستوى من المهارة والاتزان لم ترَ مثله حتى بين زملائها في السنة الرابعة. ومؤسف حقاً أن خصومه السابقين لم يدركوا الحقيقة نفسها ليلاقوا جزاء غرورهم. قيل أيضاً إن جوليوس تربطه صداقة وطيدة بديريك وإدغار، أو هكذا أخبرتها صديقاتها. ودفعها هذا للتساؤل عن طبيعة المساعدة التي قدمنها لتهيئته لخوض البطولة. هزت رأسها وألقت بكل تركيزها على القتال الدائر أمامها.
لا يهم ما علموه إياها، فهي تعلم شيئاً واحداً يقيناً: لن تتلقى هزيمتها الأولى على يد صبي أصغر منها بثلاث سنوات. وهكذا، وسط زئير المانا، أغرقت موضعه بوابل من الرماح، حارمة الفتى من فرصة التقاط أنفاسه. وفي غضون ذلك، شرعت في نسج حاجز قوي من المانا حول نفسها تحسّباً لأي طارئ. كانت تعلم أنه مقاتل اشتباك قريب، لكن من يدري أي حيل يخفيها جعبته. سمعت الحشود تلهث دهشة من هجومها الاستهلالي العنيف، لكنها لم تعرهم اهتماماً.
فغالباً ما اعتقدوا مبالغتها في التعامل مع طالب سنة أولى. بيد أنهم لم يشاهدوا نزالات الفتى السابقة وهو يفكك خصوماً آخرين من المستوى الثالث بلا عناء يذكر. راقبت جوليوس وهو يرقص بين انفجارات المانا مستخدماً نوعاً من مهارات الحركة لتفادي الهجمات الأكثر خطورة برشاقة. رغم ذلك، ابتسمت في سرها لأن الصبي أظهر سرعة تفوق بكثير ما أظهره في مباراته السابقة التي شاهدتها.
أكدت لنفسها: "كنت أعلم أنه يكبح طاقته خلال ذلك النزال".
وبينما فوجئت الحشود برؤية الفتى يتفادى سرب الرماح القادر على إقصاء غيره من مقاتلي المستوى الثالث في البطولة، كانت هي قد أطلقت عنان مجموعة أخرى من الرماح. غير أن هذه المجموعات اختلفت عن سابقتها. فلم تُصمم لمجرد الانفجار، بل حملت في جوفها سرا دفينا. شحنت تلك الرماح بمهارتها [المانا المتجاوبة] لزعزعة استقرار المانا داخل جسد الفتى. لذا، وحين حاول تفادي الرماح كعادته، ابتسمت متأملة مفاجأته بحيلتها الصغيرة وتعثر مهارة حركته كلما اقترب الرماح.
مع ذلك، أثار إعجابها سرعة تعافيه. فقد محا تقنيتها واستعاد السيطرة على مانا الخاصة به شبه فوري. يالها من خسارة، فقد فات الأوان. تعرض لقصف برماح عدة قذفته إلى الوراء وسط سحابة من الدخان. سمعت الحشود تهدر ظناً منها أن النزال قد انتهى. لكنها كانت أدرى من تصديق ذلك. فقد أحست في اللحظة الأخيرة بنوع من المقاومة، يُضاف إلى ذلك أن تعويذات حماية جوليوس لم تتفعل بعد. مما يعني صموده أمام الهجوم.
لذا، وبلا تردد، أرسلت رماحاً أخرى تشق عباب الهواء نحو سحابة الدخان. تمتم الحشد بحيرة من تصرفاتها، لكنهم صمتوا فور لمحهم جوليوس واقفاً في قلب الميدان، سليماً إلى حد بعيد. بدا عليه بعض الإرهاق والغبار، لكنه كان مستعداً تماماً لمواصلة القتال. أطلقت المزيد من الرماح محاولة زعزعة مانا خاصته مجدداً، لكنها قطبت حاجب عابسة هذه المرة عندما عجزت مانا خاصتها عن زعزعة استقراره.
بطريقة ما، جرى تجاهل محاولاتها لقطع مانا خاصته تماماً وإزاحتها جانباً. وكأن مهاراتها عجزت عن إيجاد ثغرة واحدة تؤثر في مانا خاصته.
أدركت بملامح مذهولة: "لا بد أن إرادته استثنائية".
استغل مفاجأتها ليقلص المسافة، وقبل أن تعي ما يدور، وجدته ماثلاً أمامها مسدداً لكمة نحو رأسها. لو لم تكن خبيرة بالوضع، لزعمت أنه بات أسرع حتى من دقيقة مضت. اصطدمت ضربته بحاججها لتتسع عيناها مذهولة بصمود الحاجج بصعوبة بالغة أمام اللكمة. قبل توجيهه ضربة أخرى، أطلقت دفقة من المانا وقذفت نفسها بقوة نحو السماء. لم تكن قادرة على الطيران، لكن المانا أتاحت لها الطفو لفترات وجيزة.
وَبَدَا الأمر مثالياً أثناء قتالها لمقاتلي الاشتباك القريب، تماماً كالوضع الراهن. لكلّ من الاثنين التحديق ببعضهما لبضع لحظات عابرة. ارتسمت على وجه الفتى ابتسامة بلهاء وهو يرمقها بنظراته معلقاً إلى أعلى. هز رأسه وكأنه يكذب استقرارها المعلق في الهواء. لم تحبذ تلك الاستراتيجية كثيراً لكونها تبدو رخيصة بعض الشيء، لكنها ظلت استراتيجية فعلية في مواجهة أمثال جوليوس، وتلك خطة نوت تطبيقها ضد مقاتلي الاشتباك القريب الأقوياء مثل إدغار.
رغم شعورها بالذنب، لم يمنعها ذلك من خلق عدة رماح من المانا وتمطارها نزولاً باتجاه الفتى. تفاداها بجنون جائلاً في دوائر. ومثّلت ميزة التواجد على علوّ مرتفع جانباً إيجابياً آخر تمثل في جعله هدفاً أسهل لها. مجبرة إياه على المراوغة من زوايا غير معتادة.
عقب تفاديه هجماتها، رمقته بنظرة اعتذار ووجهت كلامها إليه: "لا عار في الاعتراف بالهزيمة. صدقني، بمقدوري الاستمرار هكذا طوال اليوم".
رمقت الفتى وهو يرجع رأسه إلى الوراء ليقهقه طربا. وقبل أن يتسنى لها سؤاله عن سر ضحكه، قذفت إلى الوراء حين تصدى حاجزها لبناء قوي من المانا. أتلفت نحو الفتى بأسفل وعيناها مطروحتان ذهولاً. لقد خلق تكوين نيرانيا مفرداً وقذفه نحوها بسرعة مذهلة. جهلت قدرته على فعل أمر كهذا. ورغم امتلاك الكثير من المحترفين المتخصصين طرقاً للقتال عن بعد، استبعدت امتلاك الفتى لمهارات مماثلة لصغر سنه الذي يمنعه من التركيز على جوانب قتالية متعددة.
من الواضح أنها كانت مخطئة، إذ تفاجأت بسرعة تعرض حاجزها للارتطام بسنّ من المانا تلو الآخر. ولم تكن قوة هذه التكوينات ضعيفة، بل فاقت قدرة صبي ترقى حديثاً للمستوى الثالث، لدرجة إحساسها بمفهوم مدمج داخلها. أدركت كونها صيداً سهلاً تطفو في الهواء، فاتخذت قراراً بالهبوط مجدداً نحو الأرض. وقبل استعادتها لتوازنها، باغتها هجوم مباغت. قلص جوليوس الفجوة مجدداً مسدداً هذه المرة لكمة مشحونة لترتجم حاجزها وتصدعه فعلياً في هذه المرة.
أطلقت بيأس دفقة أخرى من المانا لكسب بعض المسافة، لتباغَت مجدداً بعدم ارتداده إلى الخلف كما حدث سابقاً. بل كاد يثبت مكانه ليطلق ضربة أخرى وحشية شقّت حاجزها أكثر تلتها بسرعة بركلة أخيرة هشّمته بالكامل. رغم مساعيها المحمومة لزعزعة مانا خاصته ومهارة تعزيز جسده، ذهبت جهودها أدراج الرياح. أدركت متأخرة للغاية عدم اقتصار مهارة جسده على المانا، بل اعتمادها أساساً على الهالة.
مما جعل مهاراتها عديمة الفائدة تقريباً ضده، حتى مع قدرتها على تجاوز إرادته. وعليه، ورغم صراعها بكل قواها، لم تستطع منع نفسها من اللعن حين اخترق الفتى دفاعاتها أخيرًا مسدداً ضربة ساحقة لصدرها، لتتفعيل تعويذاتها معلنة نهاية النزال.