"كيف سنخرجه من هناك؟"
سألت رينيرا أستاذها وهي تحدّق في البحيرة الكبيرة أمامها. اقترب الثلاثة منها بعد المعركة وتبينوا ما أصابها. أيقنوا جميعاً أن شيئاً أو كنزاً ما يقبع في منتصفها. لكن تحديد مكانه بالضبط بدا عسيراً للغاية. فقد يكون في نقطة المنتصف بالعمق الأشد أو ربما استقر في إحدى القنوات الضحلة. نجحت البحيرة في توزيع طاقة المانا بالتساوي في مياهها ببراعة. وصار الأمر برمته مجرد تخمين.
ربما استطاع جوليوس رصده بمهارة [الإدراك المكاني] لو اقترب كفاية. لكن البحيرة بدت فسيحة والمنتصف يتجاوز نطاق قدرته حتى لو عبر إلى الضفة الأخرى. ليته يستطيع الطيران فحسب...
"في الحقيقة، لدي فكرة على ما أظن"، قال فجأة.
التفت إليه الأستاذ روو باهتمام.
"ما هي؟"
"إن تمكنت من مسح المياه، فقد أعرف مكان هذا الشيء. بغض النظر عن هذا، يعتمد الأمر أساساً على وجود شيء في الأسعفل بالفعل"، أوضح مسرعاً.
"أتقدر على فعل هذا؟ وماذا عن المياه المشبعة بالمانا؟ ألن يعيق ذلك قدرتك على استشعار الأعماق؟"
سأل الأستاذ وبدت على وجهه حيرة بالغة لكن صحبها فضول حقيقي. ولم يمحضه اللوم على ارتيابه. إن عجز الأستاذ نفسه عن الاستشعار فكيف يزعم جوليوس قدرته؟ ألم يكن الأستاذ روو في النهاية صاحب رتبة رابعة معتمدة؟
"مهارتي في الإدراك لا تعتمد على المانا وحدها"، قال ببساطة ودون نية للخوض طويلاً في [الإدراك المكاني].
بطبيعة الحال، عرفت رينيرا مسبقاً بإدراكه الخارق فلم يكن الأمر جديداً عليها. رمقه الأستاذ روو بملامح حائرة.
"حسناً إذن، أظنني قادراً على صنع حاجز تحت قدميك إن أردت استخدامه للتحليق فوق الماء"، عرض عليه.
بدا هذا الحل ممتازاً. سيخفي بهذه الطريقة قدراته في تشكيل المانا. فبينما لم يخفِ قوته، أراد لعامة الناس أن يحسبوه مقاتلاً لا ساحراً. والأهم من ذلك، عدّ ريتشارد وربيكا التحليق بالاعتماد المحض على المانا وقوة الإرادة إنجازاً مهيباً. لم يطق كل ساحر فعله. وشغل هذا الأمر تفكيره بدرجة أكبر. ودون إبطاء، صنع الأستاذ روو حاجز مانا سميكاً ومتكيناً تماماً أسفل قدميه. أشبه بقارب صغير ومتين.
وآمن أن ضربه بقوة سيتطلب وقتاً ليصدع. ومنحه ذلك شعوراً أكبر بالأمان بينما يحلق فوق البحيرة. فلم يشأ السقوط فيها. وجهل الجميع أثر التعرض المطول لهذه المانا في البشر. لم يبدو سيئاً للغاية، لكن تحديد نتائجه استلزم غطسة أحدهم فيها، ولم ينوِ التطوع قريباً. استغرق الأمر وقتاً بسبب اتساع البحيرة، لكنه أحس بشيء ما لحظة مسح مركزها. لوح بيده للأستاذ روو ليشير إليه بإيقاف القارب الارتجالي.
توقف مسبقاً ليتفحص أمراً ما، لكنه تيقن هذه المرة من استشعار شيء حقاً. وصعّب الماء المكثف بمانا دخيلة الأمر بشدة. فقد أثرت على مهارة [الإدراك المكاني] حتى كادت تعرقلها. وبدا الأمر كالتطلع عبر زجاجة ضبابية، واقتضى تركيزاً جباراً للتأكد من عدم تفويت أي تفصيل. وبالفعل، وجد شيئاً. لم يكن جسماً ضخماً، ربما بحجم كف يده، ولكنه جزم بأنه بغيتهم. لذا، وبتحكم بارع في هالته، لَفَّ هذا الغرض وأحضره إلى السطح ليتسنى له تأمله للمرة الأولى.
استطاع استخدام قدرته الناشئة في التحكم بالمانا المحيطة، لكنه رفض المجازفة بتضرر الغرض أو تفجير شيء ما في هذه الحالة بالذات. ولهذا شعر براحة أكبر في استخدام تحكمه بالهالة لالتقاطه. قطّب جبينه حين ظهر شيء شبيه بخام فضي، وما إن زال الماء المشبع بالمانا من حوله حتى استشعار مصدراً قوياً للمانا يشع من الخام. جهل كُنه هذا الشيء تماماً، لكنه استبعد صُنعه بفعل هذا الصدع، مما عزز نظريتهم حول وضعه هنا اصطناعياً.
فما كان لصدع من الرتبة الثانية خلق غرض بهذه القوة. وبدا كأنه من مخلفات صدع رفيع المستوى من الرتبة الثالثة أو ربما الرتبة الرابعة. وحين عاد إلى الشاطئ حيث انتظرته رينيرا والأستاذ روو، أراهما ما وجده.
"أتعلم ما هذا؟"
سأل الأستاذ روو. حدّق الرجل المعني في الشيء بعبوس شديد. وراقب جوليوس الأستاذ وهو يخرج بضع أدوات من خاتم تخزينه ويبدأ بمسح الخام بها. وبعد لحظات، تنهد الرجل أخيراً وهز رأسه بعدم تصديق.
"ما هو؟"
سألته رينيرا. نظر إليهما أستاذهم بملامح متجهمة.
"هذه قطعة من خام الأدريميت من الرتبة الرابعة، خام بالغ الخطورة يلوث محيطه بماناته. عادةً لا يتمكن من التأثير في بيئة متنوعة كهذه لتموضعه العميق في الجبال وتأثيره الحصري على الخامات الشائعة الأخرى، لكن أحداً عبث به ليتمكن من تلويث هذه المسطح المائي."
"ماذا تعني أنه عبث به؟ وكيف لخام، حتى لو كان من الرتبة الرابعة، إحداث هذا القدر من التغيير؟"
هز الأستاذ كتفيه والتفت إلى البحيرة التي حافظت على لونها الفضي رغم انتزاع الشيء منها.
"كأنه سُحِر أو ربما عُدّل بطرق كيميائية. وبصرف النظر عن ماهيته الآن، لم يعد خاماً عادياً. إنه أقرب إلى أسطوانة أو سلاح مسحور منه إلى قطعة معدنية."
*** فور إدراكهم أصل المشكلة، غادروا الصدع واحرصوا على اصطحاب الخام معهم. أّمن الأستاذ روو المكان وتكفل بإخضاعه لتحقيق دقيق. كما أغلق الصدع برمته مؤقتاً، ملمحاً لاحتمالية تطهيره إن تعذر إصلاحه. وما أرق جوليوس حقاً هو تكرار هذه العلامات لتدخل أشخاص غير الطاقم بصقور المدرسة. أو ربما كان الفاعل أحد أعضاء الطاقم نفسه. ولفسّر ذلك تماماً كيفية حصولهم على التصريح. ويصعب تخيل حجم المشكلة لولا تحري أمر الصدع.
فلو ولج طلاب الرتبة الثانية وواجهوا وحوش الرتبة الثالثة لانتهى الأمر بمصرعهم. هز رأسه لطرد الأفكار السوداوية ومشى بجانب رينيرا.
"أترى أنه نفس الأشخاص الذين عبثوا بصدعنا سابقاً؟"
سألته فجأة. التفت إليها ملاحظاً ملامحها المنزعجة.
"ماذا؟ أتظنين أنهم استهدفوك مجدداً؟"
سأل شفتيه مطبقتين. هزت رأسها نفياً.
"لا، لو قصدوا استهدافي لما اختاروا صدعاً من الرتبة الثانية. ما كانوا ليتوقعوا ارتيادي له أصلاً. لكنني أجزم بوجود رابط بين هذه الأحداث."
أومأ موافقاً.
"على ذكر ارتياد الصدوع، تفاجأت بالسماح لك بدخول صدع الرتبة الثانية. ظننت قيوداً أشد ستُفرض عليك لتجنب تعريض نفسك للخطر"، قال.
التفتت إليه وابتسمت باستهزاء.
"ما كان مفترضاً بي ذلك. أعطتني أميليا توجيهات صارمة بعدم اقتحام الصدوع بمعزل عنها، لكنها انشغلت اليوم فتسللت. وللدفاع عن نفسي، لم أرد الاستكشاف؛ بل جئت للاستفسار عن كيفية نيل حق دخول صدوع الرتبة الثالثة."
"وهي راضية عن ذلك؟"
"لا، لكن عائلتي تدرك عبث ارتيادي لجولدنكريست إن لم أستغل مواردها. وسمحت المدرسة لي باصطحاب أميليا إلى كافة الصدوع تحسباً لأي طارئ"، شرحت.
"في الحقيقة أُدهش لعدم إرسال عائلتك كتيبة حراس كاملة لحمايتك"، قال ضاحكاً بمزاح.
"أوه، لقد حاولوا"، قالت مقلبة عينيها.
"أصروا على تعرض سلامتي للخطر وأرادوا جلب بعض حراس العائلة من الرتبة الخامسة إلى المدرسة."
"حاولوا؟"
"نعم، ورفضت المدرسة طلبهم رفضاً قاطعاً. ما كانوا ليسمحوا لثلة من أتباع العائلة المالكة الأقوياء بالتجول بحرية وبلوغ الحرم الجامعي"، قالت بابتسامة امتنان.
"أراهن أن الأمر لم يعجبهم. توقعت أن يعيدوك إلى العاصمة حينها"، علق.
"نعم، لم تكن مشاعرهم سارة، وهددوا بإعادتي. لكنني نجحت في إقناعهم حين ذكرت أن عودتي للعاصمة ستعرضني لخطر أكبر، نظراً لأن أساس رحيلي كان محاولات الاغتيال المتكررة ضدي. في الواقع، هذه أقل محاولات اغتيال عانيت منها في عام واحد"، قالت بنبرة فخورة بشكل غريب.
رمقها بابتسامة ماكرة، وقبل أن يرد، تذكر أمراً هاماً فجأة.
"مباراتي!"
هتف. التفتت رينيرا برأسها نحوه بسرعة.
"ماذا؟ أفتقدتها؟"
سألته بهلع. رمق الساعة الكبيرة على جانب المبنى المجاور ولطم جبينه مدركاً تفويته للمباراة حقاً. فقد كان مفترضاً انطلاقها قبل عشر دقائق.
"أنا غبي حقاً، لا أصدق نسياني التام لها"، قال وهو يلطم جانب رأسه.
وجنى ذلك على نفسه بسبب لا مبالاته العامة تجاه البطولة. فلم يعدّها مهمة وأنساها فور ظهور أمر أكثر إثارة. اقتربت منه وربتت على ظهره مواسية.
"انظر للجانب المشرق، إنها التصفيات التمهيدية فحسب وليست المرحلة الثانية، مما يعني تسجيل خسارة واحدة فقط في سجلك."
تنهد بصوت مرتفع.
"يشغلني التوبيخ الذي سينتظرني بسبب نسياني أكثر"، اعترف.
تجهمت ملامحها إزاء ذلك.
"نعم، لكن لديك عذر جيد على الأقل"، قالت بتفاؤل.
أومأ لنفسه. صدقت القول، فلم يكن نائماً أو ما شابه. بل كانا يتحريان أمراً مهماً. فضلاً عن عدم تطلعه لمباراته أصلاً. فلم يمثل خصومه الثلاثة الأخيرون تحدياً يذكر. ولم تكن قوتهم بالباسلة ولم يملكوا مهارات مثيرة. ستبدأ المعارك الحقيقية بعد انقضاء التصفيات. وسجل خسارة واحدة في سجله الآن لا يُعد أسوأ كارثة في الوجود بكل المقاييس.