انقضى أسبوع على الحادثة. بدأ جوليوس أخيراً في ترتيب الفوضى العارمة داخل ذاكرته. أول ذكرى مهمّة استوقفته هي أنّه ابن غريغور فون هيبيريوس. وغريغور هذا واحد من عدة أشقاء أصغر لسيد آل هيبيريوس الحالي لوكاس فون هيبيريوس. نال آل هيبيريوس رتبة ماركيز قبل قرون بفضل إنجازاتهم خلال الحرب الكبرى من يد الإمبراطور. فرضوا سيطرتهم على إقليم فالوربري. وهي مساحة شاسعة تتبعها أسر أصغر عديدة.
جهل هويّة أُمّه. لم يرَ أَباه سوى بضع مرّات. بدا أنَّ أباه والعائلة عموماً لا يعيرونه أيّ اهتمام. عاد أبوه إلى القصر مرّات عدّة طوال السنين. غير أنّه لم يزره ولا مرّة واحدة خلال تلك المدّة. ولا حتّى بطاقة تهنئة بعيد ميلاده. لا شيء على الإطلاق. لم يضمّ آل هيبيريوس سوى أفراد قليلين مقارنةً ببقية العائلات العريقة. حصد طوفان الوحوش الأخير أرواح الكثير من نُخبهم. شكّلت هذه الضربة هزّة كبرى لقوة عائلة اشتهرت ببأسها القتالي.
آثر النفر القليل المتبقي من نُخبهم إمّا قبول عروض أفضل من فصائل أقوى وإمّا الاستقرار لتأسيس أسر خاصّة بهم. وضع هذا الوضع آل هيبيريوس تحت ضغط شديد من قِبل العائلات الكبرى المتبقية. فقد خسِروا الجزء الأكبر من نفوذهم وممتلكاتهم خلال العقد الماضي. ما حماهم من الابتلاع الكامل لم يكن سوى بأس سيدهم. بلغ لوكاس فون هيبيريوس المرتبة الخامسة قبل بلوغه الأربعين. ليُعدَّ من ألمع عقول جيله.
بفضل موهبته اختاره السيد السابق خليفةً له. لكنْ حين مات السيد السابق في طوفان الوحوش ذاك، لم يكن لوكاس قد تجاوز الخمسين بعد. ورغم ذلك عُرف على نطاق واسع بكونه أحد أقوى أصحاب المرتبة الخامسة في الإمبراطورية. حاصرت جوليوس أسئلة كثيرة. أسئلة عجز عن إيجاد أجوبة لها. حُدّت حرّيته في أجزاء قليلة من القصر. وُضعت ظروف فرضت إقامته الجبرية داخل أسوار العقار. مُنع من ارتياد مناطق أخرى.
وأمضى جلّ وجباته في المطبخ أو غرفته. إنْ أردنا الإنصاف، فالقصر شاسع. لَبَدا قصر بروس واين مجرد شقة ضيقة مقارنةً به وحده. يسعه استيعاب المئات براحة تامة. أمَّا الأرض التي تمدَّد عليها فكانت أبعد عن التصديق. لذا، وحتّى مع العيش في مكان واحد، يمكنك قضاء سنوات دون أن تلمح وجهاً آخر. لذا لا يمكنه وصف الأمر بالسيئ تماماً. إذ حظي بمساحة أكبر ممّا ملكه في حياته السابقة. ومع ذلك، فالوحدة داخل هذه الظروف الشبيهة بالسجون توحش النفس.
راجع ذكرياته فأخذته الشفقة على جوليوس القديم. لم تكن هناك أطفال كثر في سنّه بالأساس. ومن وُجدوا منهم كانت لهم مجموعاتهم المغلقة بالفعل. في السابعة من عمره، اقتصر تفاعله على غوين وإدوين وعدد محدود من الخدم. وحتّى هؤلاء ظلّوا مجرد عاملين لدى العائلة لا أصدقاءً له. وممّا يجدر ذكره أيضاً ألّا أحد من أقاربه بالدم قد تواصل معه طوال تلك السنوات السبع. مثّل هذا الوضع لعنةً بالنسبة لجوليوس القديم.
لكنَّه بدا نعمةً خفيّة لجوليوس الجديد. فلركونه مقيداً في هذا الجزء من القصر تمتع بحرية فعل ما يشاء طالما ظلّ داخل المجمع. ونتيجةً لذلك، لم يضطر إلى القلق بشأن تمثيل دور طفل في السابعة طوال الوقت. لكنّه ظلّ أمراً غريباً أن تعامله عائلته طوال كلّ تلك السنين كأنّه غير موجود. سؤال آخر بلا جواب. غير أنَّ شيئاً واحداً أثار حماسته بحقّ. السحر. بدا السحر ممكناً في هذا العالم.
وامتلك الجميع القدرة على استخدامه بدرجات متفاوته. وتعلّق الأمر بالمهارات أيضاً. افتقرت الذكريات التي اكتسبها إلى تفاصيل كثيرة. لكنَّه أدرك أهميتها. وفقاً لأقوال غوين، سيتعلَّم المزيد بعد تعميده حين يبلغ الثانية عشرة. ويا للأسف، حتّى بعد إلحاحه عليها للمزيد من الأجوبة، أكدت له أنَّ قواعد القصر تقيدها عمّا يمكنها الإفصاح عنه. ظلت المهارات والسحر هما السبب على ما يبدو في تعافيه السريع إلى هذا الحد.
عثرت عليه غوين، مُعتنيته وهي معالجة بارعة، فاقداً للوعي خارجاً. ومن هناك داواته. ليصحوَ في غرفته بعد يوم واحد بشعور أفضل من أيّ وقت مضى. إنجاز مذهل حقاً. لولا صدور أوامر صارمة بحظر حركته طوال الأسبوع المنصرم لشعر بحماسة أكبر. لهذا السبب، قضى الأسبوع الماضي جَوَاراً في السرير يأكل ويُنام ويُقلّب ذكريات سبع سنوات. بدا أنّه لم يستحوذ على جسد جوليوس فحسب. بل الأصحّ القول إنّ روحيهما امتزجتا بطريقة ما.
غاب أيّ انفصال بين الهويّتين. ومع ذلك، وبحسبان جوليوس في السابعة من عمره فقط، بدت ذكريات روحه ووزنها أقلّ قليلاً من ذكريات جوليان. ولهذا اشتبه في عدم تغيّر شخصيته كثيراً مقارنةً بحياته السابقة. راودته أسئلة كثيرة أيضاً تخصّ الأحداث التي جلبته إلى هنا. مثل معرفة ما إذا كان ذلك العرض الضوئي هو سبب قدومه إلى هذا العالم. أو ما الذي حلَّ بعالمه خلال ذلك الشذوذ. استبعد تماماً أن يكون ما حدث قد استهدفه وحده.
لكنَّه افتقر إلى المعلومات الكافية للإجابة عن أسئلته. وربما كان تعلّم السحر وفهمه بدايةً جيدة. غير أنَّ عقبة ما ظهرت على ما يبدو. لم يكن السحر شيئاً يُستصاغ تعلّمه بسهولة. عاد إلى نقطة الصفر بعد أسبوع كامل من استنفاد كلّ فكرة جادت بها قرائح عقله. بدءاً من التخيل وصولاً إلى الترديد، لم يحقق أيّ تقدير يُذكر. لكنّه لن يغفر لنفسه إن استسلم وتوقف عن المحاولة. فهو سحرٌ يا لَلعجب.
طالما حلم هو وكلّ طفل باليوم الذي يملكون فيه السحر. أمسي حقيقةً واقعة بالنسبة له الآن. وسيكون أحمق إن لم يبذل قصارى جهده لتعلّمه. لن يدع هذه الفرصة تفوته دون أن يستفرغ فيها وسعه. عقد عهداً مع نفسه بالالتزام بتعلّم السحر. ولن يتراجع ولو بلغ من الصعوبة مبلغه. هكذا شرع بالمحاولة. لسنوات، واظب على الروتين ذاته كلّ يوم: الاستيقاظ، محاولة استخدام المانا المحيطة به، الفشل، الأكل، المحاولة مجدداً، الفشل، والنوم، ليُعيد الكرّة في الصباح.
اعتاد كذلك زيارة إدوين مرة في الأسبوع. وإدوين رجل مُسنّ مخيف وُكِل بمهمّة تعليمه. عجز عن الوصول إلى أيّ معرفة حقيقية في المكتبة. سُمح له بقراءة القصص أو التاريخ وحدَهما. بينما مُنيت كلّ التقنيات والأدلة بحظر مشدد. امتنَّ جوليوس لاحتفاظه بذكرياته. فلولا ذلك لكان تعلّم لغة أخرى أمراً مزعجاً ويصعب تفسيره للآخرين. عقب دروسه، يقضي بقية وقته في قراءة أيّ قطّعة أدبية تقع عليها يداه.
أو يبتكر طريقة أُخرى لاستخدام المانا. جرّب خلال ثلاث سنوات تقنيات عدّة فكّر فيها أو طالعها في القصص. لكن شيئاً لم يؤتِ أُكُله معه. أصاب هذا الإحباط إن وصفناه بأقلّ القليل. بيد أنّه لم يستسلم قط. تمثّلت محاولته الأخيرة في عصب عينيه أثناء تجواله في أرجاء القصر. راودته هذه الفكرة إيماناً منه بأنّ حرمان نفسه من حواسه الأخرى سيمكنه من التركيز على حاسة استشعار المانا. صار يهيم على وجهه بلا هدف لساعات مصطدماً بالأشياء عشوائياً.
حتّى اعتاد الأمر. وعلى الرغم من التزامه بهذه الطريقة لقرابة عام كامل، لم يبلغ جوليوس غايته. غير أنّه أصرَّ بعناد على صحة طريقه. فالقدرة على إدراك المانا شرط بديهي لاستخدامها. وحسن الحظ، وبحسبانه ما زال طفلاً لم يُعمَّد بعد، ظنّ أغلب البالغين سلوكه الغريب مجرد أطوار طفل شاذّ. لم يعتقد جوليوس بوجود من يدرك السبب حقاً. ومن عرفوه لم يصدقوه حين شرح لهم. مردُّ ذلك رؤيتهم له كطفل صغير لا غير.
هكذا تسير الأمور في العالمين معاً. نادراً ما يأخذ الكبار الأطفال على محمل الجدّ. وفّق هذا الأمر خطاه في هذه الحالة بالتأكيد. صار بمكانه التمرّن بحرية مطلقة ومن غير مشغلات. لذا، تبنى قناع الطفل الذكي قليلاً وشاذ الأطوار دون أدنى تفكير. داوم على ذلك وقتاً طويلًا. ورغم فشله في القبض على المانا، نجح في شحذ حواسه الطبيعية الأخرى. أقسم بارتفاع حدّة سمعه بدرجة ملحوظة. وأصبح أكثر حساسية تجاه الأطعمة والروائح.
تمثّل تطور مثير آخر في بدأ تشكّل نوع من الحاسة السادسة لديه. صار بإمكانه تبيّن أماكن وقوف الناس. أو تفادي الاصطدام بهم في اللحظة الأخيرة. وصعب على الآخرين التسلل إليه مباغتةً. والأعجب من ذلك ازدياد حساسيته كلّما كرر الفعل. متخذاً قراره، علّق سعيه المحموم لإيجاد طريقة لاستخدام المانا لفترة. وعقد العزم على استكشاف هذه القدرة المحتملة بعمق أكبر، مسخراً كلّ ما يملكه لتطويرها.
نتيجةً لذلك، بدأ يدفع حدود هذه القدرة إلى أقصاها. إلى أيّ مدى تبلغ دقة إدراكه للأشياء؟ ما هو مداها الأقصى؟ هل تقتصر على البشر وحدهم، أم بوسعه استشعار الجمادات أيضاً؟ تلك هي الأسئلة التي سعى للإجابة عنها. لذا أمضى ساعات يومياً في اختبار هذه القوة المستجدة. مستخدماً عناده مطرقةً لعلّه يخرق بها الجدار غير المرئي الذي أحسّ بقربه الشديد منه. إذن، رفع وتيرة الحدّة. بدلاً من الاكتفاء بحرمان بصره، حشُا قطعاَ من الطين في أذنيه ومنخريه.
لم يعد يرى أو يسمع أو يشم الآن. أراد حصر تركيزه كلّه في هذه القدرة الخارقة. ورأى ضرورة إضافة تعقيدات إلى أفعاله أيضاً. بدلاً من التأمل على مقعد أو عشب، رغب في إضافة ضغط لتدريبه آملاً في اتخاذه محفزاً للتحسّن. وعليه، راح يتمرّن حول أرجاء القصر ويلوح بعصا خشبيّة صنعها بنفسه مستهدفاً تجمّعات الأشجار وأهدافاً أُخرى متخذاً إياها أعداءً وهميين. استغرقت النتائج وقتاً لتظهر.
لكنّها تدفقت ببطء. بات جوليوس قادراً الآن على الجري دون الارتطام بالأشجار أو الجدران. وأصاب غالبية أهدافه دون تخطٍّ. أمور لا تصدق بالنسبة لمن قدم من عالم يخلو من السحر. تخلل الوقت لحظات جرب فيها جوليوس أشياء عشوائية. مثل تخمين عدد بتلات زهرة ما. أو معرفة عدد القطع النقدية داخل كيس من غير نظر. راقت لجوليوس لعبة أخرى تقضي بالتقاط صخرة عشوائية وقذفها مع تتبع مسارها. تحدٍّ أصعب بكثير.
إدراك جماد صغير أثناء حركته شكّل عقبة حقيقية. لكن جوليوس لحظ كيف أسهم تحدي نفسه بهذه الألعاب في تحسين قدرته. علاوة على كونه متعة محضة له. لم يشعر بكونه تدريباً قط لاستمتعه الشديد به. ومن ثمّ، أدمن عادة اختلاق ألعاب عشوائية تجبره على استخدام قدرة الإدراك هذه بطرق أثرى وأكثر تحدياً. شهد جوليوس نمواً انفجارياً خلال هذه الفترة. أثبت إخلاص جوليوس جدارته. فقد نمت قدرته الإدراكية حتّى انتفى احتياجه للعصابة والوسائل المساعدة.
صحا ذات صباح ليدرك تفعيله إياها بشكل غريزي. بدت كأنّها حضرت بغتةً. كحاسة أخرى. غمره شعور غامر بصحة كلّ جهوده. غير أنَّ تفعيلها بالتزامن مع حواسه الأخرى لفترة طويلة ظلّ متعذراً. اعتقد أنَّ حجم المعلومات التي يعالجها عقله فاق قدرته على التحمل على الأرجح. لكنّه لحظ تمدّد مدّة إبقائها مفعّلة بفضل الممارسة جنباً إلى جنب مع حواسه الأخرى. وفي الأثناء، نزع سدادات أذنيه وأنفه لإدخال المزيد من المثيرات تدريجيّاً ليتعود عقله عليها.
ويا للأسف، وبقرب بلوغ جوليوس الثانية عشرة، تحولت حماقاته من أطوار ساحرة إلى مجرد غرابة أطوار. لاحظ نظرات الاستغراب التي رشقته بها العمالة الأخرى في جناحه بين الحين والآخر. لم يحسن تنصت المحادثات بقدرته الإدراكية بعد. فظلّت أذناه حادتين على نحو غير طبيعي. ممّا أنهاه بسماع ثرثرة عديد العمال عنه من وراء ظهره. ومع ذلك، تجرّع جوليوس الأمر وتجاهلهم مواصلاً تدريبه. لم تفلح أقوالهم في ثنيه.
ليس بعد كلّ هذا التحسن الهائل. بالنهاية، لم يعبأ بما قاله أو ظنه الآخرون نظراً لمتعته البالغة. قد لا يكون قد أتقن التحكم بالمانا بعد. لكنَّ هذه القدرة على الإدراك الشامل تبدو في نظرها أشدّ سحراً من إلقاء كرة نار.