درب التسامي الفصل 289 — لقاء رفيق الغرفة

اقرأ درب التسامي الفصل 289 — لقاء رفيق الغرفة باللغة العربية على مانجا تايم.

ظلّ لوسيان يُحدّق في الباب. غادر الصبي وأصدقاؤه للتوّ. لم يكن يدري تحديداً ما يشعر به حيال هذا الموقف وكيف جرت الأمور برمّتها. أراد جزء منه أن يوبّخ الصبي لجرأته على التكلّم بمثل هذا الاستعلاء والاستخفاف بسمعتهم. لكنّه تذكّر كلمات غابرييل السابقة لحظات قبل دخول الصبي للاستجواب. التفت إلى المعنيّ الذي كان لا يزال مسترخياً في مقعده.

"أمتأكّد أنت أن هذه كانت الطريقة المثلى للتعامل مع الأمر؟"

سأل أستاذ القتال التطبيقيّ.

"حتماً، لقد قضيت وقتاً طويلاً مع الصبيّ وأنا أدرى الناس بمدى عناده"، قال غابرييل بضحكة خفيفة.

"سواء أكان عنيداً أم لا، لكنا استخلصنا منه معلومات أكثر بكثير لو أننا ضغطنا عليه فحسب. لا يعنيني إن أسأنا للصبي أو لعائلات الأطفال الآخرين. هذه قمة الذهَب، ولن تستطيع عائلاتهم التصرّف بفلج هنا. الأمر ليس كالعالم العاديّ"، احتجّت كيلسا بغضب.

"كانت هذه هي الطريقة الأفضل يا كيلسا، وعليك أن تكوني ممتنة لأنّ موقفك لم يجعل الأمور أسوأ. لا أظنّ أن أياً منا يرغب في خوض شجار مع ماركوس أفري أو ستيلا كوينسي"، ردّ عليها غابرييل وهو يهزّ رأسه بتهكّم.

"لكننا بالكاد علمنا شيئاً! ما زلنا عالقين تماماً كما كنا قبل يوم. لعلّ تلك كانت إحدى أفضل فرصنا خلال الأشهر القليلة الماضية للعثور على أي شيء ذي قيمة. ليس أمامنا سوى الأمل في أن تبيّن الأميرة معلوماتها، لكني أشكّ في ذلك بطريقة ما"، هتفت كيلسا.

تنهّد لوسيان لأنّ خبرته كانت تُنبئه بأنّه يتفق مع كيلسا. لم يكن مهمّاً حقاً إن داسوا على أطراف بيت البنفسج أو حتى بيت الذروة. ظلّ الواقع يفرض أنّ هذه قمة الذهب، مكانٌ تكاد السياسة لا تُقيم فيه وزناً. غير أنّه كان يثق أيضاً برأي غابرييل، ولهذا سمح للأمور أن تحدث هكذا.

"لا بد لي من القول يا غابرييل، أنا أوافق كيلسا الرأي هنا. لا يعجبني شحّ المعلومات التي تلقيناها حول الحادثة من شخص كان ضالعاً فيها. بالكاد أجاب الصبيّ عن أي أسئلة ذات مغزى لم نكن نعرفها مسبقاً"، قال له وهو يدعك رأسه بتوتر.

"أشكّ في أن الصبيّ يعرف من فعلها أيضاً. ولو كان يععرف، لراهنتُ على أنه كان سيخبر أصدقاءه، وكانوا ليخبروا عائلاتهم لو كان في الأمر أي خطر على قمة الذهب. لا تنسي أنهما يرتادان المكان أيضاً"، أشار غابرييل.

كانت تلك نقطة وجيهة. بغضّ النظر عن مدى عدم إعجابه بمدى قسوة الصبيّة من بيت البنفسج أثناء الاستجواب، لم يكن يعتقد أنها من النوع الذي يعلم بتهديد فيتجاهله، لاسيما إن كان قائماً تحت أنفها في المدرسة التي تتعلم فيها. كان بيتها أحد البيوت الطيبة بحقّ.

"ما زلت أؤمن بأن هذا كان خطأ"، قالت كيلسا بحزم.

أرجح غابرييل مقعده إلى الوراء ونهض بعنف قبل أن يشرع في جولات داخل الغرفة وهو يحكّ رأسه الأملس.

"لا أظنك تفهمين تعليلي تماماً يا كيلسا. لست قلقاً بشأن بيت البنفسج أو بيت الذروة، أو صراحةً، شأن عائلات أصدقائه التي قد تنقضّ علينا. ما يهمّني أكثر بكثير هو ما سيفعله الصبي نفسه في المستقبل إذا أغضبناه الآن. له شخصية محدّدة، ومن يعاملونه باخت احترام ينالونه بالمقابل. أما من لا يفعلون… حسناً، دعونا نقول فقط إننا لا نريد سلوك هذا الدرب. وخير مثال على ذلك سونيا".

تهكّمت كيلسا.

"عمه تتحدث يا غابرييل؟ إنه مجرد طفل. ورغم أنه طفل في المستوى الثالث حقاً، فمن المرجح أنه تقدم في السريع جداً. بحسب سجلاته، لم يتقدم إلا مؤخراً قبل وقوع الحادثة. أجرؤ على القول إن الصبيّ قد أحدث صدعاً كبيراً في أساساته، صدعاً سيعاني لترميمه إن أراد الترقي إلى المستوى الرابع".

وافقها لوسيان داخلياً على تقييمها. ورغم أنه لم يكن مستحيلاً التقدم في غضون عدة أشهر، إلا أنه كان نادراً جداً. كان الصبي سيحتاج إلى رفع مستوى العديد من مهاراته إلى النادر على الأقل إن أراد أساساً متكيناً. كما تحقّق لوسيان من هالة الصبي أثناء الاجتماع. ورغم أنها كانت منضبطة جيداً، إلا أنه كان هناك نقص في الثقل الذي يمتلكه أغلب العباقرة أو ذوي النفوذ. توقف غابرييل عن الدوران وضّحك بصوت عالٍ كأن ما سمعه كان مضحكاً للغاية، مما جعل الاثنين يتوقفان في حيرة.

وجّه غابرييل نظرة صارمة للغاية إليها.

"لا يُخدعنّك، يا كيلسا. ذلك الصبي هو أقوى شخص في سنته بفارق شاسع، بل أجرؤ على القول إنه حين كان في المستوى الثاني، لكان قادراً على هزيمة عدد غير قليل من طلاب السنوات العليا".

تهكّمت كيلسا بصوت عالٍ.

"هيا يا غابرييل! أعلم أنك تحب الصبي، لكن هذا سخيف. ليس لديه سوى القليل من التوافقات العالية في أفضل الأحوال، ومهما بلغت مهارته، فإن اجتياز الفجوة بين المستويات أمر بالغ الصعوبة مهما كان المستوى".

رفضت كلام الرجل بسهولة. هزّ غابرييل رأسه للمرأة، وبدا وكأنه استسلم عن محاولة إقناعها. بيد أنه بخلاف كيلسا، لم يأخذ لوسيان كلام غابرييل بشكّ.

"أتريد القول إنك تؤمن بأن ذلك الصبي سيكون في المستوى الخامس أو السادس في المستقبل؟ لقد شعرت هالته، وهناك احتمال كبير بأنه خرّب أساساته بتقدمه".

"أشكّ في ذلك"، قال غابرييل بثقة.

"أخبرتك، هو أفضل من الكثير من طلاب السنوات العليا. كما أنه يتضوّر شوقاً للقوة. لذا لا أظنه سيتقدم من دون أن يكون متأكداً".

"يقترف البشر أموراً حمقاء من أجل النجاة يا غابرييل"، ذكّر لوسيان الرجل.

"بعض الناس يقترفون أموراً حمقاء من أجل القوة أيضاً"، ردّ غابرييل بحدة، مما جعله يتوقف متردداً.

أليس هذا هو الصدق بعينه، حدّث نفسه، مستذكراً حماقات شبابه.

"أتُراك تقول إنه ألقى بنفسه في أتون الخطر، من دون اكتراث بسلامته؟"

"هذا بالضبط ما أقوله. الصبي ليس أكثر البشر عقلانية، لكنه يمتلك موهبة فذة في قهر المواقف الخطيرة".

تنهّد لوسيان بصوت عالٍ.

"أظنّ الأمر لا يهمّ كثيراً في الوقت الراهن، فلدينا أمور أخرى مهمة لنعالجها. ما حدث قد حدث، وعلينا التركيز على كيفية المضي قدماً".

"أوافقك الرأي، ولكن ماذا نفعل الآن؟"

سأل كيلسا بإحباط.

"أولاً علينا الاتصال بالعائلة المالكة فوراً، ولكن ليس قريباً جداً، فلن يتسنى لنا استجواب الأميرة إذا جاؤوا وأخذوها. أظنّ حارسها قد تواصل معهم بالفعل، لكن حاولي إبطاءهم".

"أمتأكّد أننا نريد المجازفة بإغضابهم؟ إن لم نكن مستعدين لإغضاب العائلات الأخرى، فلمَ سنخاطر بإغضاب العائلة المالكة؟"

"لن نفعل، لا تقلقي، سنكون أكثر تهذيباً مع الأميرة. لا أُريد أي نوبة غضب كالتي افتعلتها للتو. أريد طرح بعض الأسئلة العامة على الأميرة لنرى كيف تتطابق روايتها مع الصبي. ليست لدينا فكرة عن مدى تقارب الاثنيْن خلال فترة غيابهما، ولا ندري ما فعلاه طوال هذه الأشهر القليلة الماضية. فعلى ما ندريه ربما يكره كل منهما الآخر"، قال للمرأة التي ما زالت منزعجة وهو يُعدّل نظاراته.

بدت كيلسا وكأنها تقبلت هذا التعليل وأومأت برأسها. وحين رأى ذلك، أبلغ شخصاً ليذهب ويحضن الأميرة ويأتي بها. لم يكن يتوقع أن يحصل على أي جديد من الفتاة إن كان الصبي مؤشراً، لكن الفحص لن يضر.

* * *

جوليوس بعد قضاء الوقت في مكانهما السريّ، حان وقت العودة إلى مقجعه. مكان لم يطأه منذ زمن بعيد. لم يستطع منع نفسه من التساؤل عمّا قد يفكّر فيه رفيقه في الغرفة حين يراه ثانية. تباً، لم يكن يعلم حتى إن كان لديه رفيق غرفة بعد الآن. هل أزالت المدرسة كل أغراضه حين رحل؟ لم تكن لديه فكرة. حين بلغ باب غرفته، تفقد الداخل عبر [الإدراك المكانيّ] واستشعر هنري في الداخل فوراً. غير أن ما لفت انتباهه أنه لم يكن وحده.

كان عدّة طلاب يتسكعون في الداخل، وبدوا كأنهم يلهون. تردد لحظة وتفكر فيما إذا كان الأمر يستحق حقاً أن ينام في مكان آخر الليلة. كانت غرف التدريب تضم دائماً بساطاً مريحاً لطيفاً إن صحت مخيلته. ومع قوله هذا، لعلّه كان الأفضل نزع اللاصقة الجرح دفعة واحدة. كان يفضل الانتهاء من الأمر وفقط. إضافة إلى ذلك، كان يودّ بشدة النوم في سرير حقيقيّ ليلة اليوم. لذا ومن دون مزيد من اللغط، فتح الباب ودخل.

التفت الجميع في الغرفة ليروا من دخل. تعرّف على شخصين من الآخرين فوراً. كريس وغاريت، أعتقد أن تلك كانت أسماءهما إن استطاع التذكّر صواباً. الفتيات الثلاث الأخريات لم يتعرّف عليهن على الإطلاق.

"من أنت؟"

سألته فتاة شقراء تضع أساور كثيرة على معصميها.

"كيف دخلت؟ ألم يكن الباب مغلقاً؟"

سألت فتاة أخرى ذات شعر أسود. تجاهلهنّ، وهو ما بدا أنه يثير حفيظتهن، واكتفى بالنظر إلى هنري ليرى ردّ فعله. كان فم هنري مفتوحاً على مصراعيه، وكان يُحدّق في جوليوس كمن يرى شبحاً. وخز صديقه غاريت الصبي الآخر في جنبه.

"انتظر، أليس هذا هو أنت تعلم…؟"

"متى عدت؟"

سأل هنري أخيراً بعد هنيهة. هزّ جوليوس كتفيه.

"عدت اليوم فحسب".

"انتظر، أيعني ذلك أن الأميرة عادت أيضاً؟"

سأل هنري بصوت ملؤه الدهشة. إذ لم يجد سبباً لإخفاء ما سيصبح معرفة عامة غداً، أومأ برأس.

"قف مكانك يا هنري. أهذا شريك غرفتك القديم؟ ذلك الذي اختفى برفقة الأميرة رينيرا قبل أشهر عديدة؟"

سألت الفتاة الشقراء بصوت عالٍ. التفت إليها هنري وأومأ برأس.

"هو ذا، وسأشرح الأمور لاحقاً، لكن أيمكنكم منحنا بعض الخصوصية؟"

"هيا! هذا هو الصبي الذي ظن الجميع أنه ميت إلى جانب الأميرة، والآن تريد منا أن نغادر قبل أن نتمكن من سؤاله عمّا حدث؟"

هتفت الشقراء. ضحك جوليوس بخفة على الموقف برمّته. لم يكن متفاجئاً كثيراً لأنهم لم يكونوا يعرفون حتى اسمه وعرفوه فحسب بالصبي الذي اختفى مع الأميرة. هزّ كتفيه لهنري.

"لقد تحدثت إلى المدرسة مسبقاً وطلبوا مني عدم مشاركة أي شيء مع الطلاب الآخرين بعد. لذا إن أردت سؤالي عمّا جرى، فعليك الانتظار حتى تُصدر المدرسة تلك المعلومات".

لم تكن الحقيقة تماماً، لكنها ستتيح له على الأرجح الإفلات من أي أسئلة إضافية بلا عناء يذكر. نظر إلى هنري.

"لا يمانعني بقاء أصدقائك، لكني ذاهب لأسترخي. لقد قضيت يوماً طويلاً والنوم في سرير سيكون أمراً رائعاً حقاً".

عقد هنري حاجبيه وفكر قليلاً.

"لا، لا بأس. كنا على وشك التوجه إلى الفراش أيضاً"، قال بنظرة ذات مغزى إلى أصدقائه.

لحسن الحظ، بدا أنهم تلقوا الرسالة. ورغم تذمرهم طوال الوقت، إلا أنهم جمعوا أغراضهم جميعا وغادروا الغرفة في النهاية. مع ذلك، لم يفت جوليوس ملاحظة النظرات الفضولية الحارقة التي نالها طوال الوقت. وما إن غادروا وأغلقوا الباب، حتى تبدل ملابسه بسرعة إلى أخرى مريحة وارتمى على سريره، متنهداً بلذة لأنه كان قد نسي مدى نعومة السرير. أغمض عينيه واستعدّ للخلود إلى النوم، لكنه قُطِع.

"أتعلم، لم تأتني قطّ فرصة الاعتذار عن تصرفي نحوك حين التقينا للمرة الأولى"، قال هنري فجأة.

فتح عينيه ونظر إلى شريك غرفته الذي كان يتململ بعنف.

"مِمَّ يأتي هذا؟"

"لقد فكرت كثيراً حين كنت غائباً وأدركت أيغصم متغطرس كنت معك. لا أعرف، لكني شعرت بذنب حقيقي حيال ذلك منذ ذلك الحين"، قال هنري بخجل.

كان جوليوس على وشك القول إنه لا ينبغي له القلق ونفض الاعتذار، لكنه استشعر نبض هالة الصبي بتوتر. من المرجح أن الأمر تطلب الكثير من الشجاعة للخروج والاعتذار بهذه الطريقة.

"شكراً لك. يتطلب الأمر شخصاً شجاعاً للاعتذار هكذا"، قال بإخلاص.

"هذا كل شيء؟ بلا توبيخ أو إهانة لي؟ تقبل الأمر هكذا وحسب؟"

سأل هنري بحيرة.

"وما عساني أقول غير ذلك؟ أُقدر اعتذارك، ولا أحمل أي ضغينة حيال ما حدث في الماضي".

"لا أعلم، كنت أنتظر منك نوعاً ما أن تصيح في وجهي أو تأمرني بأكل الغائط"، اعترف هنري.

لوّح جوليوس بيده له.

"ثق بي، اضطررت للتعامل مع الكثير من الغائط الآخر في الأشهر القليلة الماضية مقارنة بكونك ‘غصماً’ نبيلاً متغرسرا"، قال مازحاً.

أطلق هنري ضحكة حادة.

"أجل… أظن ذلك".

مبتسماً برقة لنفسه، أغمض عينيه مرة أخرى.

"أيعني هذا إذن أن الأمور بيننا على ما يرام؟"

سأل هنري بعد لحظات. ضحك جوليوس وهو يهز رأسه.

"أجل، كل شيء على ما يرام".

سمع هنري يُطلق تنهيدة ارتياح عند ذلك. لعلّ الصبي المتغطرس لم يكن سيئاً إلى هذا الحد بعد كل شيء، فكّرت نفسه بتهكّم وهو يغرق في النوم.