درب التسامي الفصل 280 — أمر أخيرة قبل رحيله

اقرأ درب التسامي الفصل 280 — أمر أخيرة قبل رحيله باللغة العربية على مانجا تايم.

كانت ليلته الأخيرة حلوةً ومرةً معاً. جاء ريتشارد وريبيكا للاطمئنان عليه وشرح لهما ما جتري. رفضت ريبيكا التصديق وأنكرت الأمر برمّته فور سماعه. لكن ريتشارد لم يبدُ متفاجئاً البتّة لأسباب غامضة. كأنه كان ينتظر حدوث شيء كهذا. أخبرهما بعد حديث طويل أنه ورينيرا سيعودان إلى هيستون. وقررا ألا يخفيا شيئاً عنهما خصوصاً بعدما عرفا حقيقة هوية ريبيكا بالفعل. الأمر الذي بعث الراحة في نفس الفتاة بشكل مدهش.

شعر أن السبب يعود بمعظمه إلى معاملتهما لها كفتاة صغيرة عادية رغم علمهما بأنها أميرة. دلّ ذلك على أنهما لا يعبأن بمكانتها بقدر ما يهمهما معدنها الحقيقي. لم يفعلا شيئاً استثنائياً. لم تقم حفلة كبرى أو احتفال صاخب بل عشاء بسيط كالعادة. غير أنهما قضيا وقتاً أطول من المعتاد في السمر حتى وقت متأخر من الليل. حتى إن الأبوين سمحا لكوري بالسهر طويلاً متجاوزاً وقت نومه المعتاد في هذه المناسبة.

وهو أمر لم تسمح به ريبيكا قط. وعلى ذكر كوري فقد أصيب الصغير بصدمة بالغة فور سماعه الخبر. فقد اعتاد وجود جوليوس ورينيرا. لذا أطاح سماع خبر رحيلهما بقلب الصغير. كثيرة كانت الدموع والمخاط. لكن جوليوس كان مستعداً سلفاً. أخرج دراسيل استباقياً من فضاء روحه وقدم روح الحياة أضحيةً. لحسن الحظّ كان كوري مهووساً بدراسيل بشكل خاص وسرعان ما تلاشت دموعه ما إن استقر دراسيل في قبضته.

التفت دراسيل إلى جوليوس بعينين دامعتين وقد صدم الخذلان الروح اللطيفة. لكن جوليوس أدرك أن التضحيات ضرورية أحياناً.

* * *

في الصباح وجدوا أنفسهم جميعاً واقفين أمام العوارض الخشبية. أراد حقاً منح مسار التدريب هذا فرصة أخيرة قبل مغادرته. فما زال عاجزاً عن إتمام هذا الأمر. ورغم ذلك لم يخض التجربة قط منذ حصوله على مهارة التعزيز الجديدة ذات الرتبة الملحمية.

ذكّرته ريبيكا قائلة: "أتعلم يقيناً أن هذا المسار لم يُصمم ليُكتمل حقاً أليس كذلك؟".

أجابها بابتسامة وقحة: "مجرد تكرارك لهذا الكلام لا يعني أنني سأستسلم أنت تعلمين هذا أليس كذلك؟ بل يجعلني رغبةً في إثبات خطئك أكثر وأكثر".

هزت رأسها وابتعدت مفعلة التعاويذ على المسار.

"حسن إذن لا تقرّر أن تدعني أوقفك".

منحها نظرة خاطفة أخيرة قبل أن يكرّس كامل تركيزه للمسار. انزلق الابتسام عن وجهه كالماء وفعل كل مهارة يمتلكها. كان غريباً أن يشعر بالتوتر تجاه هذا الأمر أكثر بكثير مما شعره عند قتال أصحاب المرتبة الرابعة بل وحتى الخامسة. فحين حاربهم لم تكن هناك توقعات حقيقية بالفوز. وبالتالي غاب خوف الخسارة فعلياً. أما الآن وقد صار بهذه القوة فقد اعتقد جازماً أن هذا المسار قابل للإنجاز قطعيّاً.

إن استطاع هزيمة صاحب مرتبة رابعة فلمَ لا يقدر على اجتياز مسار مخصص لأصحاب المرتبة الثالثة؟ ضاعف هذا الضغط سرعة خفقان قلبه واضطر لاستخدام [حكيم الهمجية] لتهدئة مشاعره. لذا وبنفس هادئ ومطمئن شحن نفسه بالطاقة الحركية كاملة. وما إن شعر بالاستعداد حتى أطلق نفسه صاروخاً يخترق المسار. وكالمعتاد كانت المراحل الأولى يسيرة. فقد أتقن تلك الأجزاء مسبقاً وعبرها من دون أدنى مشكلة.

القسم الأخير وحده ظل يوقعه في المأزق دائماً. لم يكن مهمّاً أكان سريعاً أم لاحظ الخيوط قبل اصطدامها به. الحقيقة أن الخيوط كانت متقاربة أكثر من اللازم بحيث تعذر تفاديها. تكمن المشكلة ببساطة في كونه أضخم من أن ينسلَّ بينها. فعل كل شيء بإتقان فأدرك مكان الخيوط وفهم الموضع الذي يجب أن يتموضع فيه جسده وعدّل وضعيته فوراً. لكنه وكالعادة أصيب بخيط واحد دون مفاجأة. أضاء الضوء الأحمر المسار بأكمله معلناً إخفاقه مجدداً.

رفع نظره نحو السماء وأطلق زفرة مشحونة بالإحباط. لم تكمن المشكلة في سرعته بل في حقيقة عجزه جسدياً عن التنحي في الوقت المناسب. انعدمت الفجوات تماماً للمرور من خلالها. السبيل الوحيد ليجتاز المسار بلا مساس يتمثل إما في الانتقال الآني متجاوزاً الخيوط أو التحول إلى كائن غير ماديّ شبيه بهذين الشخصين اللذين قاتلهما أو تصغير حجمه للنصف بأية طريقة. ولا شيء من هذا حلّ واقعي.

لودّه بشدة أن ينتقل آنياً غير أنه لم يبلغ تلك المرحلة مع [خطوة الوميض] بعد. وما زالت في المستوى السادس عشر رغم كونها إحدى مهاراته الأكثر استخداماً. والمشكلة الأخرى تتمثل في أنه حتى لو بلغت المستوى العشرين وغدت مستعدة للتطور فسيحتاج حينها إلى استيعاب مفهوم مكانيّ ليقترن بها. وبما أنه يعاني صعوبة استثنائية في تعلم مفهوم مكانيّ –كما يتضح من مهارة [الإدراك المكانيّ]

التي ما زالت راسخة في المستوى التاسع عشر– فقد استحال عليه الانتقال الآني أو استخدام أي تقنية حركة مكانية. وانعدام الماديّة انتفى كخيار بدلاً عنه. فلم يكن يعتقد أن أمراً كهذا ممكن أساساً مع مجموعة مهاراته الحالية وتقاربابه. ومع أنه كان سيغدو أمراً رائعاً لا سيما بعد مشاهدة مدى عمليّة مهارة كهذه حيز التنفيذ إلا أنه لن يفلح في بلوغها أبداً للأسف. أما الخيار الأخير فبدا أشد استحالة.

أدرك وجود أشخاص يملكون سحراً خاصاً قادراً على تحويل أشكالهم الجسدية. ولعل أنواع التحولات وسحر اللحوم قد تساعد في معضلة مماثلة لكنها لم تكن متاحة له واقعياً مرة أخرى. لذا وبزفرة يملؤها العزم عاود الكرة على المسار. رغب حقاً في قضائه. ففي نهاية المطاف كان هذا أول ما بدأه لدى وصوله إلى قصر إيستين. وسترسي قدرته على إنهائه قبيل رحيله إنجازاً شخصياً طيباً للغاية. دعك من سحق صاحب مرتبة رابعة فهذا المسار عنى له الكثير.

ولهذا عزم على مواصلة المحاولة حتى يظفر به. وسيتوجب على ماركوس اختطافه قسراً إن أراد إبعاد جوليوس عن هذا المسار. وهو أمر لم يشكّ في إقدام الرجل عليه. وهكذا فشل. كرر المحاولة على المسار عشرات المرات طوال الساعة. لكنه أخفق في كل مرة عند العقبة النهائية حيث شطره خيط وحيد أو أتعسه ليتردى في الأعمدة بالأسفل. بلغ إحباطه ذروته غير المسبوقة. حاول كل من ريبيكا وريتشارد تهدئته وإقناعه بأنه لا يستحق العناء لكنه لم يصغِ إليهما.

لم يكن بصدد الاستسلام أمام مجموعة من العوارض الخشبية والأضواء غير الضارة والخيوط السخيفة. اصطف عند خط البداية مرة أخرى. هذه المرة خلا ذهنه تماماً من أي تفكير وانغلق عقله بالكامل. لم يوجد سوى هو والمسار. ومن الطريف أنه لم يعد بحاجة لاستخدام [حكيم الهمجية] بعد الآن. فقد فاقت مشاعر الإحباط ورغبته الجامحة في النجاح أية مساعدة قد تقدمها المهارة. وجّه كل مشاعره نحو قوة إرادته مستخدماً إياها لتعزيز مهاراته.

وبزئير أطلق العنان لنفسه فانطلق من نقطة البداية غير منتبه حتى لأن دفعة سرعته مزقت العوارض الخشبية خلفها.

* * *

وجهة نظر ريبيكا لم تملك سوى هز رأسها بين الاستخفاف والغيظ. اتسم جوليوس بعناد شديد. واستطاعت إدراك دوافعه وسبب استماتته لإتمام هذا المسار أكثر من أي شخص آخر. لقد أمضت وقتاً أطول مما تشتهي الاعتراف به في محاولة إتمام المسار حين كانت أصغر سناً.

ومما أثار إحباطها الشديد أنها لم تنجز ذلك إلا بعد اكتساب مهارة مكانية أتاحت لها "الغش".

لا يزال الأمر يزعجها حتى يومنا هذا. وعندما راقبت ذلك الصبيّ العنيد وهو يلقي بنفسه نحو المسار لم تستطع كتم قهقهة. ولم تستطع منع نفسها من العبوس وهي تفحص الصبيّ مؤدياً مستوى من السرعة والقوة لا ينتمي لمرتبة ثالثة قط. وبالتأكيد ليس لصبيّ في المرتبة الثالثة شاهدت هي شخصياً ترقيه مؤخراً.

سألتها بعبوس قلق: "أمتأكدة من أننا يجب ألا نتدخل؟"

وتقصد غريس أو ريبيكا بالأحرى. ألقت ريبيكا نظرة على الفتاة الصغيرة. ورغم تفاجئها حين أخبرها والدها بأمر الفتاة إلا أنها لم تكترث كثيراً. فقد أمضت في تلك النقطة وقتاً يكفي لترى معدن رينيرا الحقيقي. ومجرد تغير اسمها لا يعني أن الفتاة قد تغيرت أيضاً. أميرة كانت أم لا فقد ظلت رينيرا الشخص ذاته الذي ساعدت في تدريبه طوال الأشهر القليلة الماضية.

"لا، دعيه يواصل المحاولة. فذلك الأرجح للأفضل".

"لكنه يضغط على نفسه بüقسوة مفرطة".

أجابت الفتاة بابتسامة مطمئنة: "هو أصلب مما تعتقدين".

ورغم ذلك تملكها القلق ذاته من الداخل. استخدم الصبيّ قدراً هائلاً من المانا والطاقة الحركية يفوق ما يتحمله جسد معتاد في المرتبة الثالثة. وأدركت إعجاب مهارة جسده الجديدة غير أن لكل حدٍّ نهاية. انصب تركيز الصبيّ على إتمام المسار حتى غدت هالته تشع خارج نطاق سيطرته. فتسرّب الجانب المدمر من هالته عبر جلده ممزقاً كل ما اعترض طريقه. لكنها لاحظت أيضاً تحكمه الأفضل مقارنة بما كان عليه قبل مغادرته.

لا بد أن التحسينات التي أدخلها خلال المهمة قد أتت أكلها؛ فرغم نزف هالته مقادير تفوق الحدود الآمنة اعتدالاً، بدت الحالة أفضل بكثير عما كانت عليه قبل رحيله. ومضت آثار الهالة بصورة حميدة نسبياً ولن تلحق الضرر بأي شخص من المرتبة الثالثة فما فوق. إلى جانب ذلك غدت أقوى أيضاً. فأي شيء فعله ليمنحه قدراً من السيطرة ضاعف في الوقت ذاته ثقل هالته مما جعلها أخطر جدّاً إن جاز التعبير.

لذا بسطت مجالها كإجراء احترازيّ لحماية رينيرا. ولو تواجد كوري معهما لما سمحت بتصعيد الأمور أكثر. اكتفت بمتابعة مجرى الأحداث فحسب. على الأقل فعلت ذلك حتى رأت ما ارتكبه تالياً. في ومضة من المانا الساطعة اختفى ذراع جوليوس بأكمله في سحاب من الدماء. هبت واقفة وهمّت بالتقدم حين لاحظت عدم تفاجؤ الصبيّ بالأمر. وبدا حقيقةً كأنه خطط له إذ عبره الخيط الذي همّ بلمسه متجاوزاً إياه بلا مساس.

ثم وقبل أن تدرك ما يدور حولها ألقى الصبيّ بنفسه إلى الأمام فأصاب الهدف وفجر ساقه. واختفى العضو هو الآخر فمنحه الانفجار القوة اللازمة للاندفاع خلال تلك الفجوة الضيقة التي لاحظتها. عجز عقلها حتى عن استيعاب تجاوزه للخط المعلم لنهاية المسار. لم تملك سوى الاندفاع نحو الصبيّ مجرد الأطراف بملامح ذعر مرتسمة على وجهها مخرجة عبوة جرعة شفاء من خاتم تخزينها فوراً. غير أنها حين جثت إلى جواره رغبت بشدة في تحطيم رأسه أرضاً؛

فبدل أن يبدو متألماً أو مصدوماً امتلك الجرأة لكي يقهقه بصوت عالٍ ويرفع ذراعه المتبقية في الهواء احتفالاً.