افترق وماركوس كلٌّ في طريقه. كان على ماركوس قضاء بعض الشؤون. لكنّه حرص على تذكير جوليوس بموعد الرحيل غداً. وحين عاد إلى غرف السكن التي شاركها مع رينيرا أحسَّ بوجود الفتاة فوراً. كانت تروح وتجيء أمام المدخل وتفرك أصابعها كما اعتادت كلّما انتابها التوتر. أخذ نفساً عميقاً قبل أن يمسك بمقبض الباب ويفتحه. التفتت رينيرا نحوه مباشرةً واتجهت دونه بهطول متوهم. ظنّ للوهلة الأولى أنّها ستلكمه أو توجّه له صفعة قوية على الأقل.
أغمض عينيه مستلماً لمصيره. لكنّه فوجئ بسرور حين أحاطت به ذراعاها في عناق محكم. واصلت الإمساك به ملياً قبل أن تنطق أخيراً.
"ألا تفكر في مبادلتِي العناق؟"
سألت بامتعاض. ابتسم ولفَّ ذراعيه حولها.
"كيف كانت مهمّتكِ، ها؟"
سأل.
"لم تكن فظيعةً بشكل مفاجئ. الفتى الذي أرادوا منّي مراقبته لم يبدُ مهماً حقاً. حاول التقرّب منّي وانفرادِي مراراً، لكنّه لم يكن سيئاً إلى ذلك الحدّ. كان مغروراً ومتغطرسفاً بعض الشيء، ولكن أيّ فتى نبيل ليس كذلك؟ للأسف، لم أسمعه يتلفظ بأي شيء يخص عمليات أبيه أو ما إذا كانوا خونة. بدا الابن بعيداً عن الأمر ومجرّد مراهق مدلل،"
شرحت له.
"ماذا عنك؟ لم يخبرني أحد بشيء بعد. هل سار كل شيء حسب الخطة؟"
سألت.
"سار كما توقعت تقريباً. حصلنا على معلومات حيوية، بل وأسرنا عدداً من أعضائهم الأقوياء، فنأمل أن تكون بحوزتهم أشياء تفيد بيت إيستين،"
قال بصدق. بدت مشككةً على ما يبدو لأنّها ابتعدت عنه لتحدّق في وجهه مباشرة.
"إذن لم تكن في خطر أو ما شابه؟"
سألت ناظرةً في عينيه مباشرةً. ولمّا رأى أنّه خاضع للتدقيق أفشى لها معظم التفاصيل. حتى تلك المتعلقة بصاحب المرتبة الخامسة الذي تقاتل معه لفترة قصيرة. فضلاً عن ظهور ماركوس وستيلا لإنقاذه في اللحظة الأخيرة. وحين انتهى من سرد الأحداث وجد نفسه يتلقى صفعةً على رأسِهِ.
"ماذا قلتُ لك قبل أن تغادر؟"
أغمض عينيه وحاول بصدق تذكّر ما قالته له. الحق يُقال، كانت هناك أمور كثيرة للمراجعة ولم يستطع تذكر كل شيء. وحين عجز عن الرد تلقى صفعةً أخرى على رأسه.
"جعلتك تعدني بأنّه لو عرضك أي خطر لفضّلت حياتك على حياة الجميع! وهذا يشمل عدم مواجهة صاحب مرتبة خامسة! بمَ كنتَ تفكر؟"
رفع يديه مساحناً.
"أقسم لك، لم يكن الأمر كأنّي أملك خياراً. أقسم أني حاولت الهرب. لكنّه نصب لي كميناً قبل أن أتمكّن حتى من المحاولة. ثمّ لم يكن مفترضاً أن يذهب شخص بمثل تلك القوة. هذه مسألة سيتولى ماركيس إيستين والآخرون حلّها."
"الأفضل لهم أن يفعلوا! فقد كادوا يقتلونك."
"أعلم،"
قال بهزّة رأس رصينة. كان أدرى الناس بمدى قربه من الموت مرة أخرى. وفي حين فضّل التظاهر بأنّ الأمر لم يكن بالغ الخطورة، ظلَّ الواقع يؤكد أنّه حالفه الحظ مجدداً.
"هناك ما هو أهم أودّ إخبارك به،"
قال لها قبل أن تستمر في توبيخه.
"ماذا؟ ما الذي قد يكون أهم؟"
سألت بسخرية.
"هم يعلمون،"
قال ببساطة مدركاً أنها ستفهم مقصده. انقبضت عيناها.
"ماذا تعني بأنّهم يعلمون؟"
"لا أعلم كيف، لكنّهم بدوا وكأنّهم أدركوا ذلك منذ فترة،"
قال بخفوت. قبضت على شعرها وشدّته.
"إذن يعلمون أنني لست غرايس بل رينيرا؟"
أومأ لها بتردّد جاهلاً كيف ستكون ردّة فعلها. راحت تطوف الغرفة بغضب وتتمم لنفسها، لكنّها هدأت بعد دقائق قليلة.
"راودني شعور بأنّهم يعلمون،"
اعترفت أخيراً بعبوس.
"حقاً؟ ولماذا؟"
سأل مائلاً برأسه.
"لأنهم منعوني من الذهاب معك في تلك المهمّة. والتي أُسندت إليّ لم تبدُ كحتى مهمّة حقيقية. بدا الأمر وكأنّه مجرد تكليف لي لأرتدي الثياب وأختلط بالأطفال النبلاء الآخرين. وبالتفكير في الأمر، ربّما كان مجرد عذرة لتجنّب تعريض حياتي للخطر في تلك المهمّة،"
قالت هازّةً رأسها.
"هاه، لم أفكر في الأمر هكذا من قبل."
"نعم، وهذا أيضاً ما يجعلني أظنّ أنهم أدركوا مدى خطورتها المحتملة، وهو ما يثير غضبي لأنهم قرروا إرسالك مع ذلك،"
تمتمت بغضب.
"هذا ليس السبب بأكمله،"
حاول تهدئتها.
"أنا من أصرّ على الذهاب. أردت إيجاد بعض الأجوبة لنفسي وقد فعلت."
"نعم، ولكن هل تفاجأ حقاً؟ يبدو بيت غرايس مفعماً بالنبلاء الجشعين. وإن كان بيت نبيل مثل بيت تاونسن جزءاً منهم، فلن يكون ضرباً من الخيال القول إنّ بيوتاً نافذة أخرى متورطة أيضاً."
"لا، لم يكن الأمر مفاجئاً تماماً، لكنّه كان لطيفاً لتأكيد بعض مشاعري فضلاً عن جلب المزيد من المعلومات لبيت إيستين،"
أشار.
"نعم، ولهذا يجدر بهم مكافأتك بالشكل الملائم. سأحرص على متابعة الأمر أيضاً، وبما أن هويتي باتت معروفةً فهذا يسهل عليّ فعله."
"لا أظنّكِ بحاجة للقلق حيال ذلك، فقد وعدني ماركوس بالتأكد من إيفائهم بوعدهم. فضلاً عن أن بيت إيستين لا يبدو من ذلك النوع حتى الآن،"
قال لها.
"بالحديث عن ذلك. أنا مندهشة لأن ليلي وديريك أرسلا ماركوس أيفري وستيلا كوينسي خلفك،"
قالت هازّةً رأسها.
"لماذا؟ لست الوحيدة التي تبدو حاملة لتقدير كبير لهما."
"لأنهما يحظيان بشهرة واسعة في أرجاء الإمبراطورية. حتى عائلتي لا تضم الكثير ممن يملكون مهاراتهما. أعتقد أن أبي قدم عروضاً عديدة لكليهما للعمل لدى العائلة المالكة. لكنّهما وفيّان لبيوتهما. وهو أمر نادر بين النبلاء. حقيقة أن ليلي وديريك أرسلاهما خصيصاً للبحث عنك تعني بلا شك تقديرهما البالغ لك، وبما يتجاوز بكثير حدود الأصدقاء البسيطين."
"أهما بهذه الروعة حقاً؟"
راود جوليوس شعور بأنّ الاثنين أقوياء. لكنّهما بصراحة تصرفا بطبيعية شديدة ودون أي شبه بما توقعه من الشخصين اللذين تصفهما. أومأت برأسها بحزم.
"للغاية! ستيلا ساحرة موهوبة بشكل مثير للسخرية وبارعة في سحر الزمن والمكان معا. مجالان مختلفان ومعقدان للغاية، مما يجعلها إحدى أكثر الشخصيات طلباً في القارة. بينما ماركوس شيطان مطلق في ساحة المعركة. تواردت تقارير عن إطاحة الرجل بأصحاب المرتبة السادسة، بل وتطهيره تصدعات المرتبة السادسة بمفرده. يمكنني الجزم بثقة أن الاثنين من أصحاب المرتبة الخامسة الأكثر استثنائية في الإمبراطورية."
"أه."
"نعم، لذا اطرد تلك الأفكار التي تراودك الآن."
"أي أفكار؟"
"تلك التي أعلم أنك تفكر فيها،"
قالت بنظرة صارمة.
"لا أعرف عما تتحدثين،"
أصرّ لكنّه فشل في إقناعها بصدقه.
"أياً كانت الأفكار التي تتضمن محاولتك الهرب والفرار منهم، فألقِ بها في سلة المهملات. لن تفعل سوى إثارة غضبهم. ولست أنوي إغضابهم بأي حال، والآن بعد أن عرفوا هويتي باتت الأمور أشد صعوبة،"
قالت ناظرةً إليه نظرة ذات مغزى. حسناً، كيف علمت بمَ كان يفكر؟ ألهذه الدرجة كان متوقعاً؟ كان يفكر في سبل لتجنب العودة الفورية إلى هيستون. فما زال لديه المزيد من الأشياء الراغب في استكشافها، وبصراحة لم يكن متلهفاً للتوبيخ الذي سيناله لا محالة من الجميع. وخصوصاً ليلي. ومع قوله هذا أدرك أنه لم يكن سوى جبان. لن يستطيع تفادي إياهم للأبد. سيلتقي بهم يوماً ما، وربما كان من الأفضل نزع الضمادة دفعة واحدة قبل تفاقم الأمر.
"حسناً، حسناً. لن أحاول الهرب،"
وعدها، ممّا جعل كتفي رينيرا ترتخيان بارتياح.
"لكن هل أنت راضٍ عن العودة إلى هيستون أيضاً؟ ظننت أنك أردت بعض الحرية؟"
"نلت من الحرية في الشهرين الماضيين أكثر مما خبرته قط. استطعت ارتياد أجزاء دون أن يحوم أحد حولي وتذوق طعام جديد دون أن يتذوقه أحدهم تحسباً للسم. لكنّي أدركت أيضاً افتقادي لبعض الأمور. أشخاص كأميليا وأشياء كنت أعدّها من المسلمات فيما مضى،"
قالت بعبوس حزين. لم يردّ جوليوس فوراً بل اكتفى بالتأمل فيها مائلاً برأسه برفق إقراراً بنقطتها.
"إذن العودة إلى هيستون؟"
سألت أخيرً. ابتسمت له.
"نعم، أظنّها العودة إلى هيستون."
ضحك.
"يبدو أن عطلتنا قد انتهت الآن. كنت قد اعتدت الحرية."
"وأنا أيضاً، لكنّي أظن أن الأمر قد يكون مفيداً لنا. من يدري، ربما نعود في الوقت المناسب لبطولة نهاية العام،"
قالت بابتسامة خبيثة.
"لن أنضمّ لأي بطولة،"
قال بسخرية.
"لماذا لا؟ ربما تفوز وتحصل على مجموعة من الأشياء الجميلة مقابل ذلك،"
قالت ناظرةً إليه بارتباك.
"أولاً، أنا مجرد طالب في السنة الأولى وهذا يعني تعذر انضمامي لبطولة الطلاب الأكبر سنّاً. وثانياً، أشك في سماح المدرسة لي بالمشاركة في بطولة الطلاب الأصغر سناً نظراً لكوني في المرتبة الثالثة الآن،"
شرح. رمقته بنظرة ضجر.
"أتعلم حقاً أن سبب تسميتها ببطولة الطلاب الأكبر سناً يرجع لكون معظم المشاركين منهم، أليس كذلك؟"
"حسنًا، نعم. لقد استنتجت ذلك من الاسم بطريقة ما."
"إنهم الأكبر سناً لأنهم الوحيدون في المرتبة الثالثة. الشرط الحقيقي يتعلق بالمرتبة التي يبلغها المرء لا السنة الدراسية أو العمر. وهذا يشمل بطولة ما بين المدارس مع سائر مدارس الإمبراطورية. ما دمت في المرتبة الثالثة فيمكنك الانضمام."
"انتظري، أهكذا تعمل الأمور؟"
لم يكن يعلم ذلك. بل اعتقد أن طلاب السنة الثالثة والرابعة وحدهم قادرون على المشاركة.
"نعم، أكاد أُصجن لعدم معرفتك بذلك."
"أعتقد أنني لم أكن منتبهاً فقط."
لم يكن ينوي المشاركة على أية حال لذا لم يكن الأمر يعنيه. رمقته رينيرا بنظرة خاطفة والتفتت لتبتعد.
"أعلم أنك لا تكترث، لكنّي سمعت أن إحدى الجوائز قد تكون شيئاً يساعد المرء على تحويل شجاره إلى سلطة،"
قالت بعفوية. كان يعلم ما تفعله، لكنّها كانت أذكى من أن تدرك حتى وإن عرف مرماها أنها ستجعل الأمر يثير اهتمامه على أي حال. وقد صدق ظنّها إذ رمق ظهرها المبتعد بابتسامة متوقدة على شفتيه.