لم يمنح جوليوس ذلك الرجل فرصة المبادرة. لقد خبر تلك التجربة من قبل ولم يرغب في تكرارها. لهذا السبب انطلق كالبرق نحو صاحب المرتبة الخامسة من دون أيّ تحفّظ. لم تكن هناك حاجة لإخفاء مهاراته أو اقتصاد طاقته السحرية. خاض المعركة بكل قوته منذ اللحظة الأولى. انطلقت نحوالرجل أشواك هائلة تشبه في حجمها جذوع الأشجار. لم يرف للمرتبة الخامسة جفن بينما كانت المقذوفات تصيبه. استخدم الرجل مهارة دفاعية خضراء اللون لصد الهجمات.
أحدث الانفجار الناجم عن ذلك حفرة هائلة أمام الرجل. مع تصاعد الدخان، قلص جوليوس المسافة شاحناً قبضته بأقصى ما يستطيع من طاقة سحرية وهالة. لم يكن مهمهًا أن هالتَهُ المدمرة تؤذي جسده، بل كان جلّ ما يشغله هو ما إذا كان ذلك سيكفي حتى لخدش الرجل. اكتشف سريعاً أنه كان ما زال متغطرسًا أكثر من اللازم. بدلًا من القلق بشأن إيذاء الرجل، كان جدرًا به أن يهتم بالاقتراب بالقدر الكافي لتوجيه ضربة إليه من الأساس.
ما إن أصبح جوليوس على بعد أقدام قليلة حتى شعر بنطاق الرجل يطبق عليه كموجة عارمة من القوة الخالصة. لقد اختبر نطاقات الآخرين من قبل. واجه نطاق ريتشارد في مناسبات عديدة، ولهذا ظن أنه مستعد لمواجهة نطاق هذا الرجل. كم كان مخطئاً. لماذا ظن يوماً أن تجاوز نطاق صاحب مرتبة خامسة سيكون أمراً سهلاً، أو حتى ممكناً لشخص في المرتبة الثالثة مثله؟ كان ذلك غروراً منقطع النظير. لم يكن مهمًا مدى قوة هالتة وعزيمته أو إصراره.
ولم يكن مهمًا إن كان شعاره مدعوماً بالفعل بأربعة مفاهيم قوية. في مواجهة نطاق بكامل قوته، لم يُسمح له حتى بتحريك إنش واحد إذ أُبقي مكتوفاً بطاقة سحرية خالصة. بطريقة ما، استطاع الرجل استخدام طاقة سحرية بسيطة لإحاطة جسده وشلّ حركة تماماً. لم تكن هناك حاجة لأي مهارات معقدة، بل كان مجرد استعراض لقدرة الرجل على توظيف كمية هائلة من طاقة السحر لخنقه. تلاشت طاقته السحرية بأسرع ما يكون وتم تفكيكها كما يُطاح بقلعة رملية لطفل.
كان الأمر مهيناً ومرعباً في آن واحد. اقتراب صاحب المرتبة الخامسة بهدوء واضعاً حداً للمسافة القصيرة بينهما وأخضع جسد جوليوس لفحص سريع. بل تمادى إلى حد إرسال نبضة سحرية اخترقت جسده وخرجت منه بنفس السرعة.
قال الرجل واضعاً إصبعين على ذقنه متفحصاً: "أمر مثير للاهتمام حقاً. ومثير للاهتمام للغاية بالفعل".
توقف صاحب المرتبة الخامسة عن فحص أمره أخيراً وأطال النظر في عينيه مباشرة وسأله: "لماذا؟".
حتى جوليوس تفاجأ بسؤال الرجل.
ماذا يقصد بكلمة "لماذا"
بحق الجحيم؟ عما يتحدث؟ حاول الكلام لكن نطاق الرجل كان لا يزال يخنقه.
قال الرجل: "معذرة".
بدا أن الرجل أدرك ذلك أيضاً لأنه خفف من ضغط نطاقه قليلاً مانحاً جوليوس بعض الحرية في حلقه، ما يكفي للكلام على الأقل.
عاود الرجل النظر إليه وسأله: "لماذا؟".
رمقه جوليوس بنظرة حيرة ورد: "هاه؟".
رأى حاجبي الرجل يعتصران في تفكير.
قال لجوليوس وكأن الأمر لا يحتمل خياراً آخر: "أظن أنه لا يهم كثيراً. على أي حال، لقد بدلت رأسي. لا يهم إن استسلمت برضاك، فأنت آت معي".
ارتفع مستوى قلق جوليوس قليلاً إذ لم يسترعه نبرة حديث الرجل. بدا وكأنه ينظر إلى جوليوس بوصفه لعبة ممتعة لا بشراً. حاول أن ينطق برد ما لكنه وجد نفسه عاجزاً عن الكلام مرة أخرى. أعاد الرجل تفعيل نطاقه لتقييد صوته. حدث نفسه بغضب: ألا تبا لتلك اللحظة، لن أسمح لنفسي بأن أُختطف بهذه السهولة. ولهذا، وحتى مع كونه عالقاً في نطاق الرجل، فقد ركز بكل ما أوتي من قوة. إن أراد الحصول على أي فرصة للهروب من نطاق الرجل، فعليه استخدام شعاره لتحقيق ذلك.
كانت لديه بالفعل فكرة واضحة عما تعنيه السُّلطة. وعلى الرغم من أن ريتشارد أو ريبيكا لم يخبراه بذلك مباشرة، إلا أنه استنتج أن سلطة المرء ما هي إلا امتداد لإرادته فحسب. وأدرك أيضاً أنه لكي ينال تلك السُّلطة، فإنه يحتاج إلى استخدام شعاره سبيلاً لذلك. هكذا، فعل أبسط ما خطر بباله. جمع كل ما يستطيع وبدأ بضغطها داخل شعاره. لم يقاوم الرجل حتى عندما سُحل من قدميه كشوال بطاطا.
بل ظل مستغرقاً ومركزاً في مهمته. تجمعت كل طاقته الإرادية والهالة وحتى مفاهيمه لتدور في دوامة وتبدأ بالاندماج. ولم يستطع إلا أن يلاحظ أن العملية تمت بسلاسة أكبر مما توقع. ولم يدرك سبب ذلك إلا حين دقق النظر. كان السبب نطاق الرجل. فلم يكن أي شيء قادراً على مغادرة حدوده. لا ذرة سحر واحدة ولا خيط هالة هارب. غير أن هذا يعني أيضاً أن إرادة جوليوس وهالته ومفاهيمه لم تجد مكاناً تذهب إليه سوى الاتجاه الذي رسمه لها.
لم يضطر للقلق بشأن الحفاظ على سيطرة محكمة عليها. فقد تولى نطاق الرجل تلك المهمة نيابة عنه. كانت مفارقة عجيبة حقاً. لقد حاول فعل ذلك لأن النطاق كان يقمعهه، لكن السبب الكامن وراء قدرته المحتملة على تحطيمه كان وجود ذلك النطاق بالذات. ومع قيل هذا، لم يكن الأمر سهلاً قط. كانت إرادته وهالته شاقين بعض الشيء عند دفعهما إلى الشعار، لكنه كان أمراً قابلاً للتنفيذ. لقد فعل أموراً مشابهة في الماضي، فلم يكن الأمر مغايراً تماماً.
كانت المشكلة الحقيقية تكمن في محاولة حشر مفاهيمه داخل الشعار. كانت تلك مهمة أصعب بكثير.
وشك في إمكانية تحقيقها لولا "مساعدة"
النطاق. لقد سبق له إنجاز دمج مفهوم واحد في شعاره. لكن دمج المزيد كان قصة أخرى تماماً. مع ذلك، لن يتراجع أمام التحدي. سيواجهه وجهاً لوجه، وإلا فقد يتم سحبه إلى مكان لا يعلمه إلا الملوك، وحينها سيفعل الرجل به ما يحلو له. قد يكون الموت نعمة مقارنة بالسجن والخضوع لتجارب أو أياً كان ما يخططونه له. بدأ بدمج مفهوم الإرادة في شعاره. اختار هذا لأسباب واضحة مطلقاً تنفس الصهد ارتياحاً حين خف ضغط النطاق قليلاً.
عزز هذا نظريته القائلة بأنه بحاجة لاستغلال شعاره إن أراد مقارعة تأثير النطاق. ثم شرع في تغذية شعاره بمفهوم طائر الفينيق. هنا بدأ الصعوبة الفورية. لم تكن هناك مساحة كتساع مفهوم طائر الفينيق ليجاور مفهوم الإرادة. لكن ذلك لم يثنه. بدأ يعصر كلا المفهومين ضاغظاً إياهما بقدر ما تستطيع إرادته. حاول تخيل الأمر أشبه بأحد مقذوفاته وكيف استطاع حشر طاقة النار والطاقة الحركية معاً في كرة واحدة.
ويا للأسف، لم تكن المفاهيم تعمل بالطريقة ذاتها التي تعمل بها الطاقة السحرية أو الحركية. بدلًا من عصر المفهوم وضغطه، انزلق من بين أصابعه وخارج نطاق سيطرته. لكنه لم يستسلم. كيف أسلوبه وحاول ضغطه مرة أخرى، لكنه حرص هذه المرة على خلق كرة محيطة بالمفاهيم مستخدماً الإرادة الخالصة والهالة المتواجدتين داخل شعاره. ثم استخدمها لضغطهما معاً كما تفعل المكبس الهيدروليكي. الخبر السار هو أن مفاهيمه لم تعد تنزلق بين أصابعه.
الخبر السيء هو أن الأمر آلم أشد الألم. بدأ شعاره يشعر كبالون ينفخ بالكثير من الهواء. لكنه لم يعر الألم أي انتباة. لقد خبر آلاماً أسوأ بكثير، ولذلك تجاوز احتجاجات روحه. شعر بلا وعي بسائل رطب يقطر على وجهه من عينيه وأنفه. لكنه حافظ على تركيزه بإرادة لا تلين. مع ذلك، وما إن شعر بالمفهومين ينضغطان معاً ليملا شعاره بالكامل تقريباً، حدث ما لم يكن بالحسبان. لا بد أن الضغط الذي كان يمارسه كان هائلاً لدرجة أن كل شيء انفجر.
انطلقت كل إرادته وهالته ومفاهيمه في دوي هادر، وانبعثت موجة الصدمة من جسده مباشرة. تمنى لو يستطيع القول إنه تفاجأ من هذا التحول في الأحداث، لكنه بصراحة تعلم أن الانفجارات ذاتية التسبب ليست سوى جزء بسيط من مساره. مع قيل هذا، لم يستطع إلا أن يشعر بقلق شديد حين تفقد نفسه. تضررت روحه مرة أخرى جراء أفعاله المتهورة وبدا شعاره أشبه بخرقة بالية فوق ذلك. الجانب المشرق تمثل في أن الانفجار سمح له بالتحرر من نطاق صاحب المرتبة الخامسة.
بطريقة ما، كان إطلاق الضغط قوياً بما يكفي لكسر أي قبضة كان يمسكها به. دون تفويت هذه الفرصة، شكل فوراً أقوى شوكة طاقة سحرية استطاع توليدها وأطلقها نحو ظهر الرجل. لاحظ الرجل الضخم وجود خطل وبدأ بالالتفاف لتفقد ما يجري ليفاجأ بشوكة خارقة في وجهه مباشرة. تمنى جوليوس من أعماق قلبه أن يحدث هجومه ضرراً يُعتد به، لكنه سرعان ما اصطدم بواقع ظروفه. فبينما كانت شوكته قوية، بدا أن دفاعات صاحب المرتبة الخامسة كانت أقوى.
ما فعله كان يعادل رمي كومة براز منتن في وجه الرجل. لم يؤذ الرجل بقدر ما فاجأه وأغضبه. لم يبق جوليوس هناك ليرى ردة فعل الرجل، بل ضخ فوراً طاقة حركية عبر ساقيه تفوق الحد الآمن ليقذف نفسه إلى أبعد مسافة ممكنة. لم يكن يفضل الهرب، لكنه أظهر له أنه متفوق عليه كلياً. لذا، قام بانسحاب متسرع مطلقاً المزيد من أشواك الطاقة السحرية وهو يفعل ذلك. وبينما كان يعدو من أجل حياته، شعر بنطاق الرجل يبدأ بالانغلاق حوله مرة أخرى.
لا بد أن صاحب المرتبة الخامسة كان واثقاً جداً من نطاقه لدرجة أنه لم يكلف نفسه حتى عناء مطاردة جوليوس، بل اكتفى بالاعتماد عليه لشلّ حركة من جديد. ومع ذلك، كان أكثر استعداداً هذه المرة. فقد شرع في تكرار ما فعله قبل لحظات فقط، لكن بهدف أوضح وقليل من... العنف الأقل هذه المرة. ضغط مفاهيمه معاً مرة أخرى حتى أطلقت موجة صدمة أخرى زعزعت استقرار النطاق الذي كان يحاول قمعه.
لقد أحدث فجوة واسعة بالفعل بينه وبين الرجل، جاداً في الاتجاه المععکس لاتجاه الآخرين الذين كانوا يهربون بالفعل. وصدق حقاً لدقيقة واحدة أنه سينجو. وما شعر باضطراب في [الإدراك المكاني] حتى تلاشى هذا الشعور وبسرعة فائقة. ولحسن الحظ، وعلى عكس المرة السابقة، نجح في تفادي قبضة الرجل من اختراق صدره. ومن جهة أخرى، كان ذلك يعني ببساطة أن ركلة الرجل اللاحقة حطمت ظهره ووجد نفسه يطلق في الهواء لأكثر من مئة قدم وأحشاؤه مسحوقة كالعجين.
كان [تجدد الفينيق] يعمل بالفعل على علاج ذلك الضرر لكنه كان أكثر قلقاً من حقيقة أن صاحب المرتبة الخامسة كان يطارده بالفعل. وقبل أن يصطدم بالأرض، انتقل صاحب المرتبة الخامسة آنياً فوقه وأسقط عليه ضربة أخرى وحشية. أطلق جوليوس بسرعة دفقة من الطاقة الحركية لتخفيف الهجوم وامتصاص أكبر قدر ممكن من الطاقة الحركية. ويا للأسف، تبين أن ذلك أصعب بكثير مما أمل. بدلاً من ذلك، وجد نفسه مسحوقاً لأقدام عدة داخل الأرض في وسط حفرة.
وحين ظهر الرجل فوقه، سدد ركلة حملت كل القوة التي استطاع جمعها، لتصيب صاحب المرتبة الخامسة بالفعل. لكن ذلك لم يبد مهمًا للرجل الذي تلقاها دون أن يرف له جفن، ثم أقدم على الإمساك بساقه ورفعه خارج الحفرة ليحطمه بالأرض مراراً وتكراراً محطماً كل عظم في جسده تقريبًا. وبشكل معجزي، كان جوليوس لا يزال على قيد الحياة حين توقف الرجل عن ضربه بالأرض. توقف صاحب المرتبة الخامسة عن الضرب المبرح ودلى جوليوس أمامه كسمكة ميتة.
قال صاحب المرتبة الخامسة بنبرة فضول مزعجة: "أنت مليء بالمفاجآت أليس كذلك؟".
ومن جهة أخرى، رفع جوليوس بصره إلى الرجل، وقد فُقد نصف وجهه ولا يزال غالباً في مكان ما بالتراب، ورشق الرجل بأشد النظرات ترهيباً التي يمكن لشخص تعرض لضرب مبرح مثله أن يرمقها بها. ثم قذف بشوكة طاقة سحرية نحو وجه الرجل نكايةً به. ولم يكلف ذلك الرجل المتجبر عناء تفاديها أيضاً. بل تلقاها في جبهته مباشرة، ومع انقشاع الدخان، علت وجهه نفس الابتسامة غير المبالية وهو ينظر إلى جوليوس كما ينظر المرء إلى قطة مشاكسة.