لم يملك جوليوس إلّا أن يتقدّر محاولة الرجل. لو كان غيره لما لاحظ اقتراب رتبة الرابعة. أخفت المرأة حضورها ببراعة بالغة وأنقذ الإدراك المكاني حياته مرة أخرى. ما إن اصطدم نصل مانا الخاص به بالمرأة حتى تحكم به فوراً ليفيض فوق جسده ويدخل في طقم درع. تمتعت المرأة بردود فعل استثنائية ونجحت في اعتراض الهجمة بواقي سيفها في اللحظة المناسبة لتندفع مبتعدة وهي تتدحرج إلى الجانب.
لم يلحق بها. أدرك تماماً أن هذه المرأة تختلف عن الرجل مقطوع الساقين الذي هزمه للتو. حيث ركز الرجل على السرعة والتهرب كانت هذه المرأة مقاتلة نموذجية. بقيت سريعة لكنها امتلكت القوة والصلابة لتدعم ذلك أيضاً. أظهر كمينها أنها كانت أسرع وأقوى منه حتى مع مهارته الجديدة وهو ما يعد إنجازاً كبيراً. أخذ وقته في تفحص المرأة بعمق. لا سبيل للجزم لكن حدسه أخبره أن هذه المرأة أقوى من صاحب رتبة الرابعة الذي تقاتل معه للتو.
لم تتأثر هالتها بهالته حتى. بقيت ثابتة راسخة في مواجهة آثارها المدمرة. حملت سلطتها وزناً أثقل بكثير أيضاً. ورغم أنها لم تكن دقيقة بالقدر نفسه إلا أنها اصطدمت به وتطلبت قدراً كبيراً من قوة الإرادة لإبقائها تحت السيطرة. وبينما كان يقيّم المرأة فعلت المثل معه. لكنها نظرت أيضاً إلى زميلها بازدراء. —أسمحت لصاحب رتبة ثالثة بأن يمرغك في التراب هكذا؟ ما أنت؟ أأنت مجرد مبتدئ من رتبة الرابعة لا يُميّز مؤخرته عن نصل سيفه؟
—أخرسي يا لين. لا تستخفي به. إنه خطير، أنين الرجل وهو ما يزال على الأرض بينما كان يتجرع جرعة شفاء بيأس. قطب جوليوس جبينه فهو لم يعلم مدى النفع الذي ستجده ساقا الرجل من الجرعة. لكن المرأة التي تُدعى لين امتنعت عن الهجوم وأمالت رأسها نحو جوليوس بفضول. —كيف لك أن تصد سلطتي بهذه السهولة؟ سألت بصوت يكبح هالتها المتعطشة للدماء بالكاد. —لا أستطيع القول إن الأمر سهل، أجاب وهو يراقب المرأة باهتمام شديد.
لم يكن لديه أي مانع في حديثها فقد سمح له ذلك بتقدير إمكانياتها بدقة أكبر. —يبدو كذلك حقاً، قالت وهي تكثف سلطتها ضاغطة بها عليه بطريقة أكثر استبداداً. تلقى جوليوس الهجمة مباشرة وجزّ على أسنانه مقاوماً إياها ملاحظاً ابتسامة المرأة المتسعة وهي تراه يصدهما. —احذر مهارة هالته، صاح الرجل فجأة. إلا أنه وفور أن تحدث توقفت المرأة عن استخدام سلطتها للضغط عليه واستدارت لتسدد ركلة إلى وجه الرجل.
ارتد رأس الرجل إلى الخلف وبدأ الدماء يسيل من جبينه. المثير للاستغراب أن الرجل لم يبدُ متفاجئاً كثيراً لتلقيه الركلة. —أخرس. لقد خسرت لذا استطع هناك والتزم الصمت. لست بحاجة لأي مساعدة من شخص تقطع ساقاه على يد صاحب رتبة ثالثة. ثم التفتت مجدداً لتنظر إلى جوليوس الذي بدت على وجهه علامات الدهشة. —عذراً لما حدث. إنه قاتل جيد ولكنه سيء حقاً في قتال حقيقي. كل ما يحسن صنعه هو طعن الناس في الظهر والفرار، قالت باحتقار.
ثم حولت كامل انتباهها إليه موجهة سيفها الطويل نحوه بذراع ثابتة. —لنأمل أن تكون مختلفاً. أمال جوليوس رأسه ناظراً إليها ورفع ذراعيه باررخاء إلى جانبيه. —أظننا سنرى.
* * *
وجهة نظر رولوس أرجح سيفه إلى الجانب مزيلاً الدماء المتبقية عن سطحه. صاحبا رتبة الرابعة هذان ورغم قوتهما المقبولة لم يكونا قريبين أبداً من مستواه. كان مؤسفاً أنه لم يستطع الإجهاز على ذلك الساحر رغم ذلك. فقد نجحا في التراجع بينما كان هو يفرغ من ذلك المقاتل. الخبر السار هو أن الساحر لن يمثل مشكلة لبقية المعركة. أوقع رولوس سحر دماءه على ذلك الساحر المسكين وما لم يجد طبيباً فائق المستوى قريباً فلن يكاد يستطيع الحراك في الوقت الحالي هذا إن كتب له النجاة من الأساس.
تخطى الجثة التي قطعها إلى شطرين. كانت الجثة نفسها جافة كالعظم وقد استنزف الدماء الموجودة فيها بالكامل تقريباً. ثم ركع على ركبة واحدة وانتزع خاتم تخزين الرجل محتفظاً به في جيبه لفحصه بدقة أكبر لاحقاً. لم يهتم كثيراً للثمينات داخل الخاتم بل كان مهتماً أكثر بنوع الأدلة أو المعلومات التي يمكنه الحصول عليها. ورغم أنه استبعد أن يكون الرجل أحمق لدرجة ترك كل شيء داخل خاتمه فهناك طرق أخرى للعثور على المعلومات.
سيدهش معظم الناس بما يمكن لعنصر بريء واحد أن يخبره إياه عن شخص ما. وبينما استرد أنفاسه وتعافى من القتال ألقى نظرة حول السهول. كان الوقت لا يزال ليلاً لكن سماء المعارك الكثيرة جعلت الأجواء ساطعة للغاية. امتلاء المكان بوميض المانا الملون وملأت صرخات الناس الأجواء. لكن كمية الدماء الهائلة هي ما جذب انتباهه. تواجد الكثير من الدماء حوله لدرجة أنه لم يستطع إلا محاولة التحكم بها.
لم يكن ساحراً بأي شكل لكن تقارب دمائه سمح له بتحكم جيد جداً بالدماء عموماً. لم يكن مثل أخته القادرة على صنع عاصفة من التكوينات الدموية لكن تواجده في بيئة غنية كهذه جعله لا يملك إلا جلب بعض الدماء نحوه. ومع مد سلطته كسب السيطرة على الدماء ونجح في سحبها عبر جلده. تسرب الدماء إلى داخله وكأنها ماء في صحراء قاحلة. تعافت بقية الجروح والإرهاق في لحظات معدودة ولم تكلفه إلا القز القليل من المانا.
ومع أن أغلب الدماء كانت مجرد دماء رتبة ثالثة إلا أن حجمها الهائل جعل الأمر سيان. تنهد بارتياح بينما اجتاح الإحساس النشواني المعتاد جسده وتعافى كلياً ليعود إلى ذروة لياقته. ساحات المعركة هي حقاً أعظم حلفاء مستخدمي الدماء، فكر في نفسه هازاً رأسه. أجرى إحصاءً عاماً لضحايا المعركة. وكما هو متوقع من بعض أفضل أصحاب رتبة ثالثة فقد نجحوا في تدبر أمورهم جيداً. انتمت معظم الجثث إلى الطرف الآخر بينما انتمى عدد أقل إلى طرفهم.
بدا أحد الفرق مذهلاً بشكل خاص. كان فريق مات لوجر يشق طريقه ذبحاً عبر أصحاب رتبة ثالثة الآخرين بكفاءة جعلته يتوقف مؤقتاً. كان القائد نفسه يشكل تهديداً كبيراً بمفرده. فقد كان في ذروة رتبة ثالثة ويمكنه الترقي في أي يوم إن كان رولوس يشعر بذلك بدقة وعلى بعد نصف خطوة فقط من تشكيل سلطته الخاصة. مع ذلك كان بقية أعضاء فريقه استثنائيين أيضاً. كانت لديهم تلك الساحرة الحمضية باميلا التي أحدثت دماراً عارماً بين التعساء الذين قرروا نصب كمين لهم.
لم تكلف نفسها عناء قتلهم طوال الوقت إذ التهم حمضها معظم أجزاء أجسامهم لتجعلهم عديمي الفائدة في القتال. كان دفاعهم مثيراً للإعجاب أيضاً. بيك كان اسمه إن تذكره رولوس بدقة. فعل كل ما يتوقعه الفريق من درع جيد. كان عدوانياً للغاية وقادراً على تحمل الضربات إن كانت دروعه شبه المدمرة مؤشراً على ذلك. لا بد وأن أكثر من اثني عشر فرداً من رتبة ثالثة حاولوا قتله بمفرده. ولحسن الحظ حظي بطبيبة تشرف على صحتها وامتلكت ترسانة مثيرة للإعجاب من مهارات الشفاء.
وطبعاً جعلها هذا هدفاً جذاباً للغاية للأعداء ولهذا السبب تواجد ثلاثة أشخاص مخصصين لحمايتها طوال الوقت. ولرؤيته أنهم يديرون أمورهم بشكل جيد قرر الذهاب لمساعدة الفرق الأخرى التي كانت في وضع أشد خطورة. عزز الدماء في عروقه بمهارته الأسطورية [دم التنين] وانطلق كالبرق نحو حلفائه ذابحاً أي عدو في متناول يده. ومثلما خفف الضغط عن بقية الفرق بدأ في الوقت ذاته بالبحث عن الفتى الذي أرسله بيت إيستن.
وبعد بحثه في محيط المكان بدأ يشعر بقليل من التوتر. أين هو؟ فكر في نفسه محافطاً على هدوءه ومدداً حواسه لأبعد مدى استطاعه. ورغم أن الإدراك لم يكن قط أعظم نقاط قوته إلا أنه حفظ هالة الفتى في ذاكرته لذا كان مقلقاً ألا يشعر بها على الإطلاق. أأُقتل؟ لم يستطع رولوس إلا التفكير في هذه النتيجة المحتملة جداً. كان مفترضاً بالفتى مواجهة أصحاب رتبة الرابعة الآخرين ورغم كونه أقوى مما توقع رولوس عند لقائه الأول به إلا أنه ظل يعتقد بعدم قدرته على صد صاحب رتبة الرابعة لكل هذا الوقت.
وكان هذا سبباً رئيسياً لتعجله في الإجهاز على أعدائه. مدركاً ضرورة تغيير الأمور بدأ التركيز على القتالات الأشد قوة وبروزاً. وحالما فعل عثر فوراً على صاحب رتبة رابعة آخر ورغم عدم علمه إن كان هذا جوليوس أم لا فقد ركض نحوه على أي حال. وعندما وصل لم يملك سوى التحديق بذهول مشاهداً فتىً من رتبة ثالثة يتبادل الضربات بعنف مع صاحب رتبة رابعة. وحدهت الصدمات الناتجة عن اصطدامهما كانت لتؤذي أصحاب رتبة ثالثة آخرين.
لم يكن صاحب رتبة الرابعة المعارض سهلاً هو الآخر. فقد كانت أقوى من أولئك الذين هزهم رولوس للتو وأكثر مهارة بكثير. امتلكت أسلوب قتال سيف بسيطاً لكن بلا رحمة وكان كل شيء نظيفاً وبلا حركات فائضة. مشابه جداً لأسلوبه الخاص. كانت المفاجأة الحقيقية هي الفتى جوليوس الذي غلفته هالة زرقاء تنبض بقوة بعد كل حركة وتصدر شعوراً بالغ الخطورة حتى من هذه المسافة. كان أسرع وأقوى بكثير من أن يكون في رتبة ثالثة.
لابد أن مهارة تعزيز جسده من رتبة ثالثة كانت استثنائية لأنها سمحت للفتى بتبادل ضربة بضربة. وجهت المرأة ضربة علوية مدمرة وعوضاً عن تفاديها نجح الفتى في صدها بحاجز مانا متين بشكل جنوني فوق ساعده ليرد بضربة اصطدمت بدفاعات المرأة المتينة بنفس القدر. ورغم عدم رغبة رولوس في شيء سوى مراقبة هذا القتال فقد كان على وشك القفز والمساعدة للفتى. ليس وكأن الفتى بدا بحاجة ماسة لمساعدته.
وفور شروعه في التحرك شعر بهالة الفتى تمد نحوه فاستدار لينظر إلى رولوس. ومضت عينا الفتى بلون أحمر قانٍ وهو يرمقه بنظرة حادة. لم تُنطق أي كلمات فعلية لكن المعنى كان واضحاً. تراجع. ورغم وضعهما لم يملك رولوس إلا أن يضحك بخفة على جسارة الفتى. ومع ذلك فقد استطاع احترام ذلك. لذا قرر رولوس احترام رغبة الفتى والتراجع. وبدلاً من ذلك وجه انتباهه إلى الشخص الذي رآه يراقب القتال من مسافة بعيدة مرتدياً ملابس سوداء لدرجة أنها تندمج مع الظلام.
وعندما اقترب من الشخص رأى الوضع المثير للشفقة الذي كان عليه. لم يكن في خطر الموت ولابد أنه استخدم نوعاً من جرعات الشفاء أو العناصر لإصلاحه لكنه ظل مصاباً للغاية. بطريقة ما انتزعت ساقاه الاثنتين وبدت هالته في حالة فوضى عارمة. وفي الواقع استغرق رولوس وقتاً أطول بكثير مما ينبغي ليدرك أن هذا الشخص كان في رتبة الرابعة. لقد بدا في حالة سيئة لدرجة جعله يظنه في رتبة ثالثة.
أفعل شخص آخر ذلك؟ أم أن الفتى أسقط صاحب رتبة الرابعة هذا سلفاً؟ قطب رولوس جبينه داخلياً. مع ذلك أعطت نظرة سريعة إلى حيث كان الفتى يتبادل الضربات مع صاحبة رتبة الرابعة القوية مصداقية أكبر للخيار الأخير. أخرج رولوس بسرعة القيود المسحورة التي أعارها إياه بيت إيستن وتقدم نحو الرجل. حاول الرجل عندما رآه يقترب الابتعاد بأقصى ما أوتي واختفى بالانتقال الآني. لكن المهارة امتلكت مسافة محدودة فقط ولم تبدُ وكأنها تعمل بالشكل الصحيح.
لحق به رولوس بسرعة. لكنه شعر بالضيق سريعاً عندما اختفى الرجل بالانتقال الآني مرة أخرى. أنا أكرس القتلة، تمتم متذمراً وهو يطارد الرجل حالما شعر به مجدداً. ولحسن الحظ كانت مهارة الرجل في فترة التبريد واستطاع رولوس استخدام سحر دمائه لتثبيت الرجل في مكانه. ونظراً لأن هالة الرجل وسلطته كانتا في حالة فوضى فقد سهل عليه الأمر كسب السيطرة. ثم وضع الأغلال على الرجل وراقبها وهي تتفعل بتدفق من المانا.
كانت الأغلال عنصراً باهظ الثمن وأثبتت السبب عندما محت كل تقنية تمسك بها الرجل. غدت كل مانا خاصته بلا فائدة ومع حالته هالته الحالية ازداد الأمر سوءاً. ثم جر رولوس الرجل مقطوع الساقين إلى حيث كان جوليوس وامرأة رتبة الرابعة يتبادلان العنف وألقى به ككيس بطاطس. ثم جلس فوق الرجل مقطوع الساقين متجاهلاً شكواه المتذمرة وراقب مجريات القتال مستعداً للتدخل في أي لحظة. لم ينسَ أن هؤلاء الأشخاص ينتمون إلى المجموعة التي قتلت العديد من أصدقائه في هجماتهم السابقة ورغم أنه سيعطى الفتى فرصته التي يستحقها بجدارة فلن يتردد في التدخل إن بدا أن الأمور خرجت عن السيطرة.
أما الآن فسيستمتع بالعرض فحسب.