بدا جوليوس مندهشاً حقاً لسهولة إمطارهم له بالهجمات. لم يعلم ما يدور في أخلادهم، غير أن واحدًا منهم فقط صنع حاجزاً ليوقف هجماته. ربما ظنّوا أن المجسّمات الشبيهة بخرطوش البندقية كانت بالغة الصغر بحيث لا تستدعي القلق. أو لعلّهم اعتبروه المهاجم الوحيد. مع ذلك، كان خطأً كلفهم غالياً. كانت الفوضى تعيث فساداً في الميدان، لكنّه لم يدع ذلك يثنيه. ألقى نظرة خلفه ليرى إن كان باقي الأفراد مستعدين.
بحلول تلك اللحظة كان معظمهم قد أتمّ تجهيز دروعهم وعتادهم. أراد الانتظار ريثما يظهر قوته لاحقاً، غير أن ذلك كان سيعرض باقي أفراد الجماعة لخطر فادح. هؤلاء القوم من التحالف كانوا يراقبونهم طوال اللليالي الفائتة، وبدوا كمن حسم أمره على أن هذه الليلة هي الفرصة المثلى للهجوم. بدلاً من الموافقة كما أراد، تراجع خطوة إلى الوراء وعاد أدراجه نحو الجماعة. لم يرغب في اعتراض طريق هجماتهم.
فهذا يعني ببساطة تعرضه لاعتراض من الجانبين. سيوفر عليه ذلك قدراً من المانا أيضاً. فالقصف الاستهلالي استهلك حصة وافرة منها. علاوة على ذلك، راوده شعور بأن أصحاب الرتبة الرابعة في هذه الجماعة قد حددوه هدفاً لهم. استخدم خطفة الوميض ليقف بجوار ستيفاني التي كانت ترمقه بنظرات ذاهلة يشوبها لمس من الخوف.
قال من جانبه: "أظن إذن أن آل إيستين أرسلوا حقاً شخصاً يمتلك بعض المهارة، أليس كذلك؟"
أطلق ضحكة خفيفتة تعقيباً على الملاحظة.
"ليس ذنبي إن بنيت افتراضك على أساس خاطئ".
ردّ الرجل مطبقاً رأسه بابتسامة تسلية: "أعلم، أعلم. الخطأ خطي، لقد استخففت بقدراتك. فماذا أخبرك إيستين أيضاً إذن؟"
أطلعه جوليوس على الخطة قائلاً: "أخبروني بأن بمقدورك التعامل مع اثنين منهم وحدك، مما يترك لي فرصة إلهاء واحد أو اثنين ريثما تفرغ منهما أنت الآخر".
كان يرمق بعين حذرة سيف الرجل الضخم الذي كان يضخ هالة متعطشة للدماء بجنون. قاطع رد الرجل وابل من هجمات الخصم بعيدة المدى. لحسن الحظ، كان سحرتهم قد استعدوا مسبقاً وتمكنوا من صد معظمها بحواجزهم الخاصة. واصل المهاجمون هجومهم، مما أدى إلى تبادل الجانبين لصواعق المانا والهجمات الأخرى بينما تولى الطرف الآخر الدفاع. ورغم كثرة عديد الأعداء، بدا جلياً منذ اللحظة الأولى أن سحرتهم أرفع مهارة.
وفي غضون ذلك، قطع محاربو العدو المسافة واشتبكوا مع ما تبقى من القافلة. امتلأت سماء الليل بصوت اصطدام المعدن بالمعدن. ثم ظهر أول أفراد الرتبة الرابعة أمامهم في دفقة من السرعة. اشتبك الشخص فوراً مع رولوس، ليرد صاحب السيف الضخم بالمثل دون أن يظهر أي مفاجأة. اصطدم اثنان منهما وسط سحابة متفجرة من التراب والغبار، متبادلين ضربات شتى في لمح البصر. لم يحفل أي منهما بأحد، وانصبّ تركيزهما تماماً على بعضهما البعض.
هكذا بدا الأمر للحظة واحدة على الأقل. إلى أن ومض شعق نور شق الهواء باتجاه رولوس مما اضطر الرجل إلى تحويل انتباهه. في عرض ينم عن مهارة لا تصدق، صد الرجل فأر خصمه وفتل سيفه الضخم خلف ظهره في الوقت المناسب تماماً لاعتراض صاعقة المانا.
حدّث نفسه وهو يراقب ساحة المعركة: "ها هو أولئك الاثنان من الرتبة الرابعة".
انتابه شيء من الحيرة إزاء الموقف ولم يدرك ما يخططون له إلا حين استشعر مجموعة أخرى من البشر تحيط بهم من الجانبين.
حذّر الجميع بصوت عالٍ: "قتلة خلفنا، قد يكونون يستهدفون داعمينا".
رمقه أدريان، مساعد رولوس، بنظرة مذهولة لكنه تجاوب بسرعة. أطلق الرجل ضباباً جليدياً باتجاه الموضع الذي أشار إليه جوليوس. لم يكن الجليد بذلك القدر من القوة، غير أن تلك لم تكن غايته. غطى الجليد الأعداء المتخفين بسرعة كاشفاً عن مواقعهم لبقية غير المستعدين لهم. انطلق جوليوس من جهته نحو أولئك القتلة في دفقة من السرعة، بينما سرى تجسيد الهلاك البيروكينيتي في عروقه، مما ضاعف من سرعته أكثر فأكثر.
أدرك مدى السوء الذي سيؤول إليه الوضع إن أفلحوا في تنفيذ مآربهم. سدّد قبضة مفعمة بمفهوم القوة في وجه أولئك القتلة الذين اشتبك معهم. لم يدرك الخصم سرعة جوليوس لينفجر رأسه كنتيجة لذلك. ثم استدار بمرونة موقعاً ضربة بمرفقه هشّمت صدر القتل التالي، مرسلاً إياه محلقاً في الأفق. استشعر جوليوس أنه لا زال على قيد الحياة لكنه لم يلحقه وتابع مسيره نحو التالي. واجهته امرأة ملثمة بسيفين قصيرين كانتا تشرعان بالفعل في طعن وجهه بنوايا قاتلة.
لاحظ بهدوء وهو يتفادى زوابع الضربات جانباً: "سريعة".
حين لمح المرأة أخيرًا وقد بالغت في المد خطوة واحدة عاقبها. أرسل دفقة من الطاقة الحركية نحو ظهرها مما زاد من اندفاعها الخاطئ، وأعقبها بركبة وحشية سددها في وجهها. للأسف لم تكن تلك ضربة قاضية، إذ تمكنت المرأة من رفع يديها في اللحظة المناسبة لتلقي العبء الأكبر من الضربة. ورغم ذلك، شعر بانقسام شيء ما تحت ركَبته فواصل هجومه الضاري. لم يترك لها مجالاً للتراجع واستخدم نبضة طاقة حركية صغيرة لتقييدها قبل أن يسدد لكمة سريعة كالبرق في عظم صدرها.
قاومت إرادتها قليلاً، لكن لم يكن مستغرباً أنها لم تكن نداً لإرادته لتغلب بسرعة. بيد أنه ولمنتهى اهتمامه، مرت قبضته عبر جسد المرأة تماماً، وكاد يقع في شرك ضربة صاعدة إلى صدره نتيجة تفاجئه. تمكن بالكاد من صدها بذراعه الأخرى ليجد نفسه عرضة مجدداً لزوبعة من الهجمات.
أدرك سريعاً: "لا بد أنها تمتلك نوعاً من مهارات اللامادية".
كانت مهارة مزعجة حقاً، لكنها ولحسن الحظ نادرة جداً. مع ذلك، بدا أن هذه المرأة من الرتبة الثالثة قادرة على توظيفها متى دعت الحاجة.
خاطب المرأة بإعجاب: "تلك مهارة رائعة للغاية".
وكما كان متوقعاً، لم يتلق رتباً، غير أنه كاد يقسم أنه شعس بشفتيها ترتجفان صعوداً بواسطة الإدراك المكاني. لكنه لم يستطع التمادي في التفكير في الأمر إذ انقضت صوبه مجدداً كالبرق. لم يسعه سوى الابتسام وهو يواصل قتال المرأة. كانت سرعتها في ذروة الرتبة الثالثة بلا شك وكذلك مهارتها. لو أتيح له وضعها في مواجهة أوبري، لاستطاع الجزم بأن أوبري ستخسر في كل مرة تقريباً. فحين يتعلق الأمر بالمهارة والكم الهائل من المفاهيم، كانت تلك المرأة المجهولة تتفوق عليها.
بل لجرؤ على القول إن إدجار سيواجه وقتاً عصيباً أيضاً. لا سيما إذا أخذنا في الاعتبار أن طالب السنة الرابعة الضخم كان يعتمد بشكل شبه تام على الهجمات الجسدية. لكان قد فعل المثل، لو لم يجر بعض التحسينات الخاصة به. لكنه فعل وأثمرت جهوده. لذلك وبابتسامة تعامل بهدوء مع شراسة المرأة. كان بإمكانه إنهاء الأمر فوراً، لكن حتى رغم تعرضهم للهجوم حالياً، فقد أراد اختبار مهارة اللامادية خاصتها.
فهو لا يدري متى ستتأتى له مثل تلك الفرصة مرة أخرى. وحين مرت قبضته عبر جسدها مجدداً، ركّز على طريقة تحول مانا خاصتها. كان واضحاً له تماماً أنها تمتلك نوعاً من تقارب الظلال أو الظلام، غير أنه لاحظ أيضاً احتياجها لبذل قدر هائل من التركيز لإتمام ذلك. كانت المفاجأة هي السبب الوحيد وراء إصابته لتلك الركبة الأولى في وجهها. مع ذلك، أخذ يدرك المهارة شيئاً فشيئاً. في الواقع، اعتقد أنه سيكون قادراً على تجاوزها بكل سهولة.
بدت المهارة وكأنها تركز بالكامل تقريباً على تفادي جميع الهجمات الجسدية. لكن لحسن حظه، لم تقتصر جعبته على الهجمات الجسدية وحدها. كانت بحوزته هجمات توظف هالته وروحه، والتي يجسر على القول إنها قد تصبح أكثر خطورة الآن. لذلك وبفكرة سريعة، قبض على هالته التي كانت ترقد بهدوء في روحه في الوقت الراهن، وتلاعب بها بسهولة مذهلة. كانت مهارة هالته الملحمية الجديدة تثبت جدارتها وتمكن من تطويق المرأة بهالته فوراً.
بمجرد أن نجح في ذلك، أطلق العنان لهالته لتعيث فساداً. كان الأمر طريفاً، فلم تكن هناك حاجة للتحكم بها لمهاجمة. فقد كانت طبيعة هالته المتطورة حديثاً تتمثل في إحداث الخراب والدمار. وكل ما تحتاجه الأمر هو توجيهها في الاتجاه الصحيح. حاولت المرأة التي كانت تتنفس بصعوبة بالغة التخلص من هالته لكنها وجدت نفسها عاجزة تماماً عن فعل ذلك. اتسعت عيناها حين شرعت هالته في تمزيق هالته قطعة قطعه.
لم يحتاج حتى لضربها، بل جل ما تطلبه الأمر هو خنقها بهالته. راقب فمها من خلف القناع وهو يتسع ليطلق صرخة خارقة للآذان. وحين اقترب بإحساسه أكثر من هالته، تمكن من رؤية الدمار الذي كانت تحدثه هالته. وحين هوت أخيراً على الأرض تتلوى ألماً، تقدّم بخطوات ثابتة مجهزاً قبضة مفعمة بالطاقة الحركية بهدوء. لكن قبل أن يتسنى له الإجهاز عليها، اضطر لاستخدام خطفة الوميض لتفادي خنجر كاد يخترق جمجمته.
استخدم فوراً حكيم الوحشية لشحذ حواسه وتركيزه. كانت تلك الهجمة أقوى من أن يصدرها أي شخص دون الرتبة الرابعة. ولولا إدراكه المكاني ومهارته الجديدة في تعزيز الجسد لما تمكن من تفاديها أصلاً. وبدونهما، كان مرجحاً جداً أن يستقر خنجر في جبينه. ورغم أن ذلك ربما لم يكن ليقتله، إلا أنه بالتأكيد لم يكن ليعد تجربة لطيفة. علاوة على ذلك، من درى أي نوع من التأثيرات يحمله ذلك الخنجر؟
نحن نتحدث عن قتلة هنا. ولن يفاجأ إن كان مغطى بنوع مميت من السموم القادرة على عرقلة مهارة شفائه. حسناً، كانت تلك كذبة. ففي الواقع سيفاجأ إن كان بمقدوره فعل ذلك، لكن الحقيقة ظلت قائمة. فهو لا يعلم أي حيل أخرى يخبئها الشخص الذي ألقاه في جعبته. فأصحاب الرتبة الرابعة مخيفون بعد كل شيء. هكذا تجاهل مرغماً الهيئة التي لا تزال طريحة على الأرض وصب تركيزه على المهاجم الجديد الذي كان قد اعتليه بالفعل.
كان رجلاً يحمل سيفين قصيرين، على غرار المرأة التي واجهها للتو. ومثلها تماماً، ارتدى الرجل قناع وجه أسود غطى معظم ملامحه. وكل ما تمكن من استخلاصه هو أن الرجل كان أقل من متوسط القناة وبنيته أنحف من معظم الرجال. غير أن جوليوس لم يدع ذلك يخدعه. كان الرجل سريعاً، أسرع بكثير مما كانت عليه المرأة. اضطر جوليوس لاستخدام خطفة الوميض مجدداً حين أطلق الرجل ضربتين سريعتين للغاية.
وكانت حواف النصلين محاطة بنوع من الهالة السوداء. لم يدرك كنهها، لكن الرهان الآمن كان يقضي بأن التعرض لضربة من هذين الخنجرين سيؤلم بحق. أطلق الرجل دفقة قصيرة من المانا صوبه أثناء تراجعه، ليخلق جوليوس حاجزاً يصفع بها الهجمة جانباً. وما إن تراجع مسافة جيدة حتى أحجم كلاهما عن التحرك. استغرق الاثنان وقتاً لفحص بعضهما البعض بشكل لائق. مع ذلك، بدا أن الرجل كان مستعداً للكلام.
سأل الرجل مائلاً برأسه كأنه يعجز عن إدراك ما يراه ماثلاً أمامه تماماً: "من أنت؟"
رد عليه جوليوس بالمثل: "ومن تكون أنت؟"
هز الرجل رأسه ناظراً باتجاه المرأة التي لا تزال تتخبط على الأرض: "تلك مهارة هالة بغيضة تمتلكها. لم يخبرني أحد أن شخصاً مثلك سيكون هنا".
"ومن أخبركم بوجودنا هنا من الأساس؟"
هز صاحب الرتبة الرابعة المجهول كتفيه: "لا يهم ذلك حقاً بذلك القدر".
"الأمر يهم بالنسبة لي"، قال برقة.
"حتى إن كنت أعلم، فليس وكأن بمكاني إخبارك. فأنا خاضع لأوامر صارمة كما تعلم"، قال الرجل بابتسامة عريضة.
"لكنك تستطيع إخباري بالمنظمة التي تنتمي إليها على الأقل، أليس كذلك؟"
مال الرجل برأسه رامقاً إياه بنظرة فاحصة: "أظن أنك تعرف إجابة ذلك السؤال سلفاً"، قال بابتسامة ساخرة أخرى.
أومأ جوليوس موافقاً: "أجل. أظنني أعلم. بل إنني أفضول حيال العائلات النبيلة التي تتعاونون معها".
"ومن قال إننا نتعاون مع أي عائلات نبيلة؟"
سخر جوليوس محولاً نظره نحو باقي ساحة المعركة. كان هناك الكثير من الموتى مبعثرين على السهول المظلمة بالفعل. من كلا الجانبين. ولاحظ أن ستيفاني وفريقها لا زالوا أحياء وبخير على الأقل. بالمقابل، كان رولوس لا يزال يقاتل الاثنين الآخرين من الرتبة الرابعة. كان الرجل شخصية استثنائية بحق. حرك سيفه الضخم كأنه ريشة، ورغم أن أصحاب الرتبة الرابعة الآخرين كانوا مذهلين بحق في حد ذاتهم، إلا أنه استطاع تبيّن أن ذلك الرجل الندّ تجاوز كليهما بمراحل.
كل ما كان على جوليوس فعله هو كسب بعض الوقت، غير أن جزءاً آخر منه أراد طرح هذا الرجل أرضاً قبل أن تسنح لرولوس فرصة المجيء إلى هنا. فهو لم يطق القتلة قط، بعد كل شيء.