لم تشبه هذه المهارة سوى قليل سواها. بدت هذه المرة أشد خصخصة ومساساً بالكيان من الداخل. هالتُه التي كبحها عمداً طرأ عليها تبدّل ما. ما كان طفلاً جموحاً يعربد بلا طائل ولا غاية تروّض تدريجياً. رافق هذا تخفّف طفيف في قبضته المحكمة على تلك الهالة. أدرك غريزياً أنه عاد لا يحتاج إلى تلك الصرامة البالغة. التغيير الأبرز تمثّل في كفّ هالته عن بثّ ذلك الأثر الواهن. اعتاد كلما كبح هالته أن تبدو دونه حقيقةً.
غير أن المهارة الجديدة نجحت في وأد الأثر المدمر دون قمع الهالة تماماً.
أتاح له ذلك أن «يتنفس»
مجدداً. أو هكذا تراءى له على الأقل. غاب عنه ريتشارد وريفيرا ليسألهما ولم يكن استجلاء وقع هالته من منظور آخر أمراً يساراً. لربما استمرّ في إبقاء ذلك الحضور الواهن لا سيّما وأنه استمتع تماماً بخداع الناس به. إن وُجِد تغيّر صارخ فهو اكتساب هالته وزناً جديداً. طالما فاقت هالته في القوة أقرانَ طبقتي لسبب رئيسي تمثل في روحه الجبارة. بيد أن الأمر اختلف الآن. حمل هذا طابعاً تدميرياً وقمعياً أكبر.
ولعلّ لذلك صلة بعنصر «الخراب»
في المهارة. لم يلمس أحداً وثيق القرب بحسن الحظ فسارع إلى إخفاء هالته لتعود كسابق عهدها. ومما زاد الطين بلّة في اليسر أن مهارته الملحمية الجديدة جعلت التلاعب بهاله أيسر أضعافاً مقارنة بالماضي. ما استعصى فيما مضى بات يسيراً واستطاع محاكاة ذلك الأثر المقيد ذاته. أطلق تنهيدة عميقة من الصدر. انصبّ جلّ تركيزه طوال الأسابيع العديدة المنصرمة على هالته. ومع أن الأمر لم يبدو فظيعاً إلى هذا الحدّ إلا أن مقاساته طوال ثانية من كل يوم بلغت حدّ الإزعاج الخالص.
ابتهج فوراً لاختياره هذه المهارة. واصلت القافلة مسيرها نحو غرينتش طوال الأيام القليلة اللاحقة. صادفوا خلال ذلك مجموعات إضافية عديدة من الوحوش. لكنّ أياً منها لم يدنُ قط من مستوى الكائنات العدمية. تكفّل السحرة بمعظم تلك الوحوش غالباً قبل بلوغها مدى المهاجمة. ولاحظ أمراً آخر تمثل في غرابة الأجواء المحيطة بالمجموعة. بدا بيك على سجيته المعهودة صاخباً وفجّاً أحياناً غير أن ذلك شكّل راحة مقارنة بما أتاه جورج وستيفاني.
واصلت ستيفاني لطافتها كالمعتاد لكنّه كان يلمحها ترمقه بنظرات حارقة كلما ظنّت غفلته عنها. ولم تكن وحدها في ذلك. بدا أن جورج يحدّق فيه بالطريقة ذاتها. لم يبعث هذا فيه على الارتياح لا سيّما عقب ما اقترفه جورج أثناء نزاله مع الكائنات العدمية. غلبته الحيرة حيال سلوكهما. لم يتبين سبباً يبرر تصرفهما بمثل هذه الريبة. لا يأتيان بفعال غير سوية حالياً بل بدا الاثنان مرابطين لمراقبتي بلا انفكاك هكذا حدّث نفسه متنهداً.
فضلاً عن أن الأمر بات سيّان في هذه المرحلة. راوده إحساس بدنو الموعد المرتجب. التفت إلى بقية أعضاء القافلة الممددين حول المخيم الذي أقاموه. استقرّ جلّ المنخرطين في هذه المهمة واعتادوا النسق الذي أرَسوه. غابت الشمس أصلًا فوق الأفق وأخذ الجميع يسترخون أو يتبادلون الضحكات مع أقرانهم باستثناء نفر قليل انتدب للحراسة درءاً لأي هجوم ليلي. لم يساورهم قلق يذكر حيال التعرض لهجوم.
لم يقع سوى مرة واحدة منذ مستهل المهمة وكان وحشاً منفرداً لا غير. وغالباً ما كانت الكثافة العددية الضخمة تردع معظم الصيادين المنفردين الحائمين في الدجى. كان جَالساً على العشب على بُعد معتدل من القافلة حين أحسّ بأحدهم يتقرّب من خلفه.
سألت ستيفاني وهي تدنو: "ماذا تفعل هنا في مثل هذا الوقت المتأخر؟"
التفت صوبها قائلاً دون أن ينظر في وجهها: "أستمتع بسماء الليل لا أكثر."
علقت قائلة: "يبدو أنك تهوى فعل ذلك كثيراً."
هزّ كتفيه مفسراً: "إنه يبعث على الهدوء ويبعدني عن البقية."
مازحت قائلة: "ألا تحب مخالطتنا؟"
لم يجب واكتفى بمواصلة التحديق نحو السهول الحالكة. أحسّ بها تتحرك في مكانها بعدم ارتياح بينما واבلت رمقه بانتظار رد.
سألت أخيراً: "أحقاً لا تحب ذلك؟"
قطعت كلامها باغتياض: "ما الذي تريدينه؟"
بدا أن تبدّله المفاجئ أربكها فقالت باهتزاز: "عذراً؟"
"أظنك جئتِ إلى هنا لتبوحي بشيء أو تسأليني عن أمر. فما هو؟"
سأل غير آبه بالمواربة. أجهد التمادي المستمر في الحدق من قِبلها ومن قِبل جورج أعصابه بعض الشيء وللصبر حدود حتى عنده.
بدأت ستيفاني تقول: "أنا—"
ثم أمسكت عن الكلام.
تنهد وهزّ رأسه: "أترينني غافلاً عنك أو عن جورج وأنتما تحدقان في ظهري نظرات حارقة؟ إن واصلتم رمقي هكذا فقد أخلص لظن خاطئ."
سألت برفق: "ماذا تقصد؟"
"أقصد أن جورج أكثر دهاءً بكثير. ولا بد أن ذلك من ثمار مهاراته ومرانه. لكنّ الطريقة التي ترمقاني بها توحي بأن لديكما مآرب أخرى."
قالت وفمها مفتوح دون أن يصدر عنها حرف: بدا أن صراحته باغتها وعجزت عن التلفظ بشيء.
"إذن؟ ما الأمر؟"
سأل. خيم صمت مريب على هواء الليل.
أخرجت أخيراً بصعوبة: "حضورك هنا غريب للغاية ألا ترى ذلك؟"
سأل: "غريب؟"
"نعم غريب. أنت أصغر من أن يُسمح له بمرافقَتِنا في هذه المهمة بأي حال. ويبدو جلياً أنك هنا بأوامر مباشرة من بيت إيستين مع إلمام بما يدور من أمور. كالهجمات المستمرة والمشكلات التي تتخبط فيها عائلة إيستين."
"وماذا بعد؟"
قالت بثقة أكبر بعض الشيء: "وهالتك التي بدت واهنة بشكل مريب لشخص بمقدوره الإطاحة بالعديد من الكائنات العدمية... لقد تبدلت فجأة قبل عدة أيام."
ارتفع حاجباه قليلاً: "تغيرت هالتي؟"
لم يكن يعلم بذلك. طالما افترض أن هالته تماثل ما كانت عليه قبل نيل مهارة الهالة الجديدة. بيد أنه تبين خطؤه في ذلك. كان ذلك خطأه وصفع عقله ندماً على تلك الزلة.
"ألهذه الدرجة تمثل هالتي شأناً عظيماً؟"
قالت بحدة: "إنها كل شيء. تصنف هذه المهمة كمهمة من الفئة أ لسبب ما. ولا أرغب في أن ألقى حتفي أنا أو فريقي بسبب أمر يعصى علينا فهمه. لقد قاسينا الأمرين لكي نموت جراء سياسات نبلاء حمقاء."
حاول طمأنتها بالقول: "صدقيني لا أبتغي هلاكَ أحد منكم في هذه المهمة."
"أن أصدقك؟ كيف تسألني هذا؟ إن أردت مني تصديقك فبيان هويتك وما تفعله هنا سيقطع شوطاً طويلاً."
ملاحظة وجيهة لكنه جهل إن كان بوسعه الإفصاح عن مكنون حضوره. ضآلة هي احتمالية انتماء أيا منهم إلى المحفل لكنه لم يتيقن تماماً.
سألت فجأة: "وماذا عن جورج؟"
سألت بحيرة: "ماذا؟ ماذا تعني به؟"
أشار موضحاً: "تتحدثين عن الثقة ومع ذلك سمح جورج لذلك المسخ بإطلاق هجومه نحوي بلا تحذير أو محاولة لردعه. أظن من النفاق بمكان أن تبدي ريبتك مني بينما كان زميلك هو من كاد يوددي بحياتي أو يؤذيني ألا ترين ذلك؟"
ومضت أمارة ذنب على محياها لكنها أخمدتها سريعاً وفاقت لتجيب.
بيد أنه قطع عليها الطريق قبل أن تنطق: "إياك والإنكار. رأيتكِ تعترضين طريقه في تلك الليلة. وما أسفر عنه الأمر بأسره هو شروعك في تعقبي."
ردت بحزم: "لم أكن أتعقبك!"
"فعلياً بلى. أينما تحركت أو فعلت شيئاً كنتِ أنت أو جورج تترصدانني. لا أظنني ظفرت بلحظة سلام أو خلوة طوال الأيام الفارصة الماضية. لربما كنتما تراقباني وأنا نائم اللعنة عليكما. ماذا تظنانني فاعلاً؟ أتسلل لأوافي من يعمد لمهاجمة القافلة؟"
قالت دون أن تفند الأمور الأخرى بوضوح: "لم يكن صنيع جورج صائباً البتة. لقد تجاوز حده تماماً. سأرغمه على الاعتذار لك فوراً."
قهقه جوليوس: "بإمكانك إخباره بذلك الآن"
قال وهو يرمق الفراغ عن يمينه.
بدت وكأنها لم تدرك مغزى قوله مستفهمة: "ماذا تعني بـ...؟"
واستطردت متوجهة نحو البقعة التي رمقها: "جورج؟"
بدا أن المعني بالأمر أدرك انكشاف أمره فمثَل للعيان. لا بد أن الوسيم تفطن لغيابهما فعمد إلى التسلل حولهما بمهارة تسلل ما.
خاطبه جورج بنظرات حذرة: "ولهذا تعجب من ريبتنا بك. كيف استشعرت وجودي؟"
لم يلتفت إليه بعينيه لكنه رد: "مهارة التسلل لديك بحاجة لبعض التحسين. تُخفي هالتك بلياقة لا بأس بها لكن حضورك المادي يبرز كإبهام العين. فضلاً عن أنك تطلق قدراً مفرطاً من المانا"
قال بصدق.
سأل جورج وبدا التأثر جلياً في صوته جراء تقييم مهارته: "ماذا تعني بذلك؟"
بادرت ستيفاني بالقول قبل أن ينطق جورج: "لمَ كنت تتجسس علينا؟"
رمق الرجل رفيقته وهز كتفيه: "رأيتك ترحلين فأردت استجلاء وجهتك."
ابتسم جوليوس بتهكم: "نعم، دليل على شخصية بالغة الجدارة بالثقة."
رمقته ستيفاني بنظرة ثم التفتت إلى جورج: "هذا ممتاز، يمكنك استغلال هذا الوقت للاعتذار لجوليوس حقاً."
بدا على الرجل الخجل لههيهة وتوجه إلى جوليوس: "أنا آسف"
قال بنبرة بدت مخلصة بصورة مدهشة.
"حتى وإن ساورَتني شكوك نحوك، ما كان لي أن أقدم على صنيعي ذاك."
قلب جوليوس الاعتذار في ذهنه وتبيّن أنه اعتذار محترم من منظور الاعتذارات.
فاكتفى بالايماء للرجل: "لا بأس. لما كنت لأتأذى على أي حال."
بدا الذهول جلياً على جورج وستيفاني جراء إجابته الواثقة واللا مبالية.
سألت: "أتعني أنه حتى لو لم تتحاش الهجوم لما ألحق بك أذى؟"
أجاب وهو شارد يرمق الظلام وراء السهول: "ربما، لكني أستبعد ذلك. لم تكن بالقوة المذكورة."
سألت بعدم تصديق: "أغير قوية؟ حقاً؟"
قال بثقة: "هه، لا شيء يثير قلقي الجسيم."
"لماذا تسلك هكذا الآن؟ لقد عمدت بوضوح لإخفاء مقدراتك مذ غادرنا بلوماند، فلماذا الصراحة المفاجئة؟ ومن تكون بحق الجحيم؟"
ابتسم قائلاً: "لم أخفِ شيئاً لأخدعكم خصيصاً إن كان ذلك يريحكم."
سألت وقد تسلل إليها شيء من السخط لأسلوبه فضلاً عن إعراضه عن التطلع لأيهما: "إذن لأجل ماذا؟ ما غايتك الحقيقية من المجيء؟"
لاحظ جوليوس توتر جورج متفطناً للأجواء الغريبة.
"غايتي؟"
"نعم، لِم أنت هنا؟"
"أنا هنا لأجل تلك"
قال مشيراً بابتسامة عارمة صوب الظلام.
"عن أي هراء تتحدث؟"
سألت وقد بلغ منها الضيق كل مبلَغ جراء سلوكه.
"ألا تستشعرينها؟"
سأل بفضول. بدا مندهشاً؛ فلحواسه لم يكن الأمر ليكون أسطع وضوحاً. ولهذا السبب أمضى كل هذا الوفت مراقباً السهول ليلاً. إنه ما طفق يترقبه بلهفة. بات على بينة سلفاً من أن معظم الهجمات على الشاحنات تقع حين تبلغ أقصى درجات غفلتها. سواء أكان ذلك أبان فراغ الجماعة للتو من صراع مع وحش أو كما في هذه الحالة حين يستغرق الجميع في النوم أو الاستعداد له. لا بد أن جورج أدرك ما يلمح إليه فأطلق نبضة قوية لمهارة ما.
راقب جوليوس بتسلّي وجه الرجل وهو ينقلب شاحباً كالرماد. ومع ذلك يحسب له أنه لم يضيّع ثانية واحدة.
صرخ بأقصى ما أوتي من قوة منبهاً بقية القافلة: "نحن تحت الهجوم!"
ثم رمق جوليوس بنظرة حارقة واندفع نحوه باندفاعة خاطفة. بيد أنه عوض الاقتراب من جوليوس وجد جورج نفسه مشلول الحركة تماماً في منتصف قفزته.
وعد جوليوس الرجل الغاضب بينما كان يمسكه بطاقة حركية: "أنا لست معهم."
بدت ستيفاني التائية وهي لا تزال تستوعب ما جرى وكأنها تائهة.
"أنت هنا أيضاً..."
"كان ذلك تدبير بيت إيستين"
أفصح عرضاً ليتيقن تماماً من عدم انتماء أي منهما لهذه الخطة، فردهما بدوا مفرطي الهلع. وبينما تركها تستوعب التطور الجديد نهض ونفض الغبار عن مؤخرته وخطا صوب هالات قادمة تهرول نحوه مع تضيق عينيه. ومع صراخ جورج بدا أنهم كفوا عن تكلف إخفاء أفعالهم. وإن ابتغوا قتالاً فسيرحب بهم بسرور. على أية حال لقد سئم الانتظار مذ لمحهم يراقبون القافلة طوال الليالي الماضية ورغب في تفريغ بعض الضغط المتراكم في جوفه.