كان الحفاظ على سيطرة هادئة على هالة المرء وسط هذه الفوضى بأسرها أمراً شاقاً للغاية. شعر بالفعل بامتصاص المانا الذي حاول كيك وستيفاني تحذيره منه. كانت تقنية فاتنة. إن كان على صواب فإنها عملت بكفاءة بالغة لوجود نوع من المفهوم يدعمها. لم يكن لديه أدنى فكرة عن ماهية المفهوم بالتحديد لكنه ساعد أية مهارة حاولت امتصاص مانا الخاص به. يا لتأسف الوحوش لامتلاكه شارة جعلت من المستحيل عليها سلب ذرة واحدة من مانا الخاص به.
كانت شياطين العدم عموماً قوية للغاية حتى بدون مهارة امتصاص المانا. تمتلك دفاعات ملحوظة للغاية فضلاً عن قوة جسدية فائقة. بعد أن طرح أرضاً أحدها باغته شيطان عدم آخر كان يتطلع للثأر لرفيقه. هذه المرة وبدل مخالب موجهة للوجه تلقى ضربة مضغوطة من مانا صافية أُرسلت إلى ظهره. شعر بستيفاني التي كانت ترقبه عن كثب توشك على تفعيل مهارة لحمايته لكن قبل أن تتمكن من ذلك استخدم [خطوة الوميض]
لتفاديها. انتهى المطاف بالضربة لتخطئ هدفها وتصيب زميلاً في الفريق كان أمامه. لحسن الحظ كان أحد سحرتهم منتبهاً وأنشأ حاجزاً أمامهم قبل أن تنال منهم. يا للهول ينبغي أن أكون أكثر وعياً بطريقة تفادي الهجمات. لا داع لتعريض فريق آخر للخطر بسبب إهمالي هكذا ذكَّر نفسه. تقدم جوليوس خطوة واندفع نحو الشيطان قبل أن يتمكن من إرسال ضربة أخرى. استخدم تقنية تقييد الحركية بدقة شديدة بالقدر الكافي لتأخير الوحش فحسب.
لكن لحظة واحدة كانت أكثر من كافية بالنسبة له. حطم قبضة مشحونة بالطاقة الحركية ومانا النار في شيطان العدم مستخدماً هذه المرة قليلاً من تأثير حرق الهالة أيضاً ليختبر هالته الجديدة. كانت دفاعاتهما الجسدية قوية لكنه لم يكن يدري مدى قوة دفاعاتهما بالهالة. وجد الإجابة سريعاً. بدا أنهما لم يكونا بالبراعة ذاتها في دفاع الهالة إذ اخترقت مهارته هالة الوحش وأحرقتها. لا بد أن الأمر باغت الوحوش لأنه ترهل للحظة وجيزة أخرى.
لكن قبل أن يستعيد توازنه اقترب وسدد ضبات متتالية مطيحاً به دون أن يمنحه ثغرة واحدة. بلكمة أخيرة سحق رأس الوحش بضربة قاطعة. إثر ذلك تراجع خطوة وأخذ نفساً عميقاً. لم تفلت هالته لكنها كادت تفعل. بفضل قوة الإرادة المحضة وحدها تمكن من كبح جماحها وإعادتها. ومع ذلك بدا أن ذلك جلب له فائدة طيبة أيضاً. تلقى إشعاراً بشيء ظل يترقبه بنفاد صبر منذ بلوغه المستوى الثالث. شيئاً كان يتوقع حدوثه في وقت أبكر بكثير.
لكن أن تأتي متأخراً خير من ألا تأتي أبداً.
[تمكين الإرادة المستوى ١٩ -> المستوى ٢٠].
لقد ارتقى [تمكين الإرادة] إلى المستوى ٢٠. هل ترغب في تطوير هذه المهارة؟ في الوقت الذي لم يكن يريد فيه شيئاً سوى معرفة نوع الخيارات التي حصل عليها ذكَّر نفسه بأنه لم يخرج من دائرة الخطر بعد وأن هناك وقتاً أسنى لتفقد ذلك. تطلع حوله إلى ساحة المعركة. كانت معظم شياطين العدم قد أُهتم بأمرها بالفعل. أدى المقاتلون الآخرون عملاً مذهلاً في القضاء على الوحوش بسرعة. الوحوش الوحيدة المتبقية كانت شرذمة طفيفة على أطراف المجموعة.
كان طريفاً أن ترى أن أحداً لم يتدخل في هذه المعارك أيضاً. بدا أن ثمة نوعاً من ميثاق نبلاء يمنع التدخل في معركة أحدهم. لم يلاحظ أحداً ميتاً أو مصاباً إصابة بالغة لحسن الحظ. أسوأ إصابة كانت لأحدهم تلقى ضربة مانا في ظهره لكن معالجهم تمكن من علاجها بسرعة دون عناء. ثم ألقى نظرة تجاه حيث كان رولوس يقاتل شيطان العدم المنفرد من المستوى الرابع. لقد رمق رولوس بنظرة فاحصة وطريقة تعامله مع وحش المستوى الرابع.
وسرّ أنه لم يصب بخيبة أمل. كان رولوس قوياً ولم يكن ذلك موضع شك. استطاع الرجل الإطاحة بمستوى رولوس الرابع بأدنى عناء. والسبب الوحيد لاستغراق الأمر كل ذلك الوقت هو امتلاك شيطان العدم من المستوى الرابع قدرات تجدد وحشية. لكن الأمر بدا من طرف واحد إلى حد بعيد ولم يعرق رولوس تقريباً. إن اضطروا لمواجهة المستوى الرابع دون رولوس لساورته الظنون بأن المجموعة كانت لتصبح في خطر أكبر بكثير.
لقد كان حظهم وافراً لعدم حدوث ذلك. وبينما كان يشعر بالحظ بدا أن الآخرين من حوله يشعرون بشيء مختلف قليلاً.
تذمر جورج بينما كان يمسح وجهه بمنشفة: "أي حظ لعين هذا؟ أولاً يتعين علينا مواجهة وحوش أكثر من المعتاد ثم نُهاجم من قِبل زمرة من شياطين العدم؟"
كما لمّح جوليوس زوجاً من السكاكين القصيرة تقطر دماً في يدي الرجل الوسيم.
على النقيض من ذلك تقدم كيك الذي غطى درعه دماء شياطين شتى بمزاج رائع: "عما تتحدث؟ كان هذا مذهلاً! ظننت أن علي البقاء في الخلف طوال الوقت لمشاهدة السحرة يستأثرون بكل المرح".
هز جورج رأسَه: "حسناً إن كنت قد استمتعت إلى هذا الحد فلعل بمقدورك التعامل مع زمرة الوحوش التالية بمفردك".
قال كيك بحماسة: "أتظن حقاً أنه سيسمحون لي بفعل ذلك؟! كانت تلك استخساناً لطيفاً لكنني أريد القتال مجدداً".
هه ينبغي ألا أصدم لرؤية أن كيك مهووس قتال أيضاً هكذا لاحظ جوليوس في سرّه. كان جوليوس يراقب كل معارك فريقه الجديد. كان كيك العدواني الأبرز بين الحزمة بلا منازع. لقد اصطدم الرجل ذو اللحية الكثيفة بما لا يقل عن عشرة شياطين عدم مختلفة وتعرض للإغراق تماماً من قِبلها في المقابل. ومع ذلك كان الرجل صلبأ بصورة مرعبة. تلقى ضربات مانا ومخالب حادة كأنها لا شيْء. ساعدت مهارة الاستفزاز الخاصة به الجميع في المجموعة على التركيز على الحد الأدنى من الخزوم.
لقد كان درعاً بشرياً جيداً. من جهة أخرى أظهر مات براعة مذهلة كقائد فريق وبسيفه. لقد كان صمغ الفريق وكان دائماً في الموضع الذي تبلغ فيه الخطورة ذروتها. وعلاوة على ذلك لم يكن هناك شك في أن الرجل يمتلك نوعاً من مفاهيم السيوف أو الحدة. في الواقع ربما استشعر شيئاً يشبه الشارة أيضاً. كان الرجل مرشحاً للاقتراب من نيل سلطته والارتقاء للمستوى الرابع. كانت ستيفاني بارعة للغاية هي الأخرى ورغم تركيز جلّ انتباهها عليه إلا أنها حرصت على دعم جميع زملائها في الفريق بالشكل الملائم فأنشأت حاجزاً عرضياً وعالجة من بحاجة لذلك.
كانت مهارة العلاج خاصتها مذهلة للغاية أيضاً. لم يساوره شك في أنها مهارة علاج من التصنيف الملحمي نظراً لقرب فاعليتها نسبياً من مهارة العلاج الخاصة به والتي كانت علامة على قوتها. كان آرون مقاتلاً بسيطاً. ركز على تحسين الجسد الخالص ولوّح بمطرقته الضخمة بلا أي مخاوف. لقد أصيب بالإصابة الأكبر لكن الرجل امتلك أيضاً مهارة علاج تجددية حافظت على سلامته طوال المعركة بأسرها.
أما جورج... فلم يدر جوليوس كيف يفسر الأمر تحديداً لكن الرجل كان غير مألوف. حرص الرجل على ألا يُهاجم أحد من الخلف وتأكد من خلو دفاعاتهم من أي ثغرات. استشعر جوليوس إرسال الرجل نوعاً من مهارات التواصل للآخرين طوال المعركة. وامتلك أيضاً مهارات مخيفة لإحداث الضرر. من بين جميع المعارك التي حاول جوليوس تتبعها كان جورج أحد القلائل القادرين على القضاء على شيطان عدم بضربة واحدة.
لقد كان مزيجاً من الهالة والمانا والقدرة على التحمل سمح للرجل بإطلاق ضربة مدمرة في ومضة. مهارة مثالية للكمين أو مباغتة وحش على غرة. بدا جورج بارعاً بوضوح وهو ما زاد حيرة جوليوس أكثر. لمَ سمح الرجل لذلك الوحش بإطلاق النار عليه في ظهره؟ لم تكن هناك طريقة لم يكن فيها جورج على دراية بالتهديد. لقد ضبط جوليوس الرجل وهو يرمق الشيطان الذي هاجمه [بالإدراك المكاني]. إذن ظل السؤال قائماً.
لمَ سمح جورج لجوليوس بالتعرض لهجوم من الخلف دون إيقافه أو حتى تنبيه جوليوس إليه؟ أكان الرجل يكنّ شيئاً ضده؟ أم أنه كان مجرد حادث عرضي؟ تعذر عليه إيجاد إجابة يثق بها فخبأها ليفكر فيها في وقت لاحق. لم يدع الأمر يزعجه كثيراً فلن يصاب بإصابات بالغة لو لم يلحظه بالسرعة الكافية. وما إن همّ بالتوجه نحو الشياطين اللذين اعتنى بهما حتى تلقى صفعة على ظهره من كيك الذي ما زال مفعماً بالحماسة.
هتف الرجل بمرح بصوت جهوري: "كيف كان ذلك يا جوليوس؟ هل استمتعت؟ لعل بمقدورك المشاركة بنشاط أكبر المرة القادمة".
نادت ستيفاني من الخلف: "من المرجح أنك كنت مشغولاً بلطم وجهك بالوحوش لدرجة لمحظ معها أنه تكفل باثنين من الشياطين بنفسه كما تعلم".
التفت كيك بجسده كله بسرعة ليرماها: "لا أقسم؟ اثنان منهما؟ أساعدته؟"
ضحكت ستيفاني بخفة لتعبير كيك المذعور: "لا، لقد أبلى بلاء حسناً ومثيراً للإعجاب في الاعتماد على نفسه".
التفت كيك مجدداً إلى جوليوس بابتسامة فخورة: "أظن أنني استخففت بك هه؟"
حكّ جوليوس مؤخرة رأسه بينما انصب انتباه الجميع عليه. تمنى لو أن ستيفاني لم تنبس بكلمة لكن الأمر لم يكن جسيماً للغاية. ظل محتفظاً بمعظم قدراته سراً.
"أظن أن الحظ حالفني فحسب".
هز كيك رأسه ومنح جوليوس صفعة قلبية أخرى: "الحظ علامة المقاتل الجيد. لا داعي للخجل من قليل من الحظ الطيب".
ابتسم جوليوس للرجل الذي بات سريعاً أحد مفضليه في المجموعة رغم تفاعلهما الأول. كان الرجل يضع قلبه على كفه وإن أزعج ذلك البعض فتلك مشكلتهم.
أدرك بابتسامة جليلة: "إنه يشبه إلى حد ما تصرفات أوبرا".
قال كيك وهو يجذب جوليوس نحو إحدى الذبائح الخاصة به: "هيا بنا! لنقم بتنظيف الأمور وبعدها بوسعنا الاحتفال بمعركتك الأولى معنا!"