درب التسامي الفصل 258 — لقاء مغامرين

اقرأ درب التسامي الفصل 258 — لقاء مغامرين باللغة العربية على مانجا تايم.

بعد أن تحدّث يوليوس إلى رولوس، وجد نفسه جالساً داخل إحدى العربات تماماً كما نصحه رولوس. لقد انطلقوا من بلوماند منذ وقت غير بعيد، وسيكونون في طريقهم إلى غرينتش طوال الأسبوعين القادمين. سيمرّ الطريق عبر بلدات ومدن أخرى عديدة قبل أن يبلغوا محطّتهم الأخيرة. ممّا يعني أن يوليوس سيحظى بفرصة لرؤية بعض الأشياء الجديدة أيضاً. أحال بصره فاحصاً العربة الواسعة على نحو مدهش بعينين مهتمّتين.

ضمت العربة مقاعد لترتاح عليها الجماعة بأسرها وغصّت بأصوات الثرثرة. اكتنفه جمعٌ من الناس بدا أن كلاً منهم يعرف الآخر بشكل أو بآخر. ظنّ أن نحو خمسة منهم تجار في حين انتمى الآخرون بوضوح إلى فريق ما. استنتج ذلك لارتدائهم دروعاً وتجهيزات متطابقة الألوان. سرّ أيضاً إلى حد ما لرؤية تلك المرأة وذلك الرجل اللذين دلاّه على اتجاهه في الجانب الآخر من العربة. بدا عليهما أنهما شخصان طيبان ولم يظنّ أن فريقهما سيكون سيئاً للغاية إن كانا مثالاً صالحاً للبقية.

كان الجميع في العربة من المرتبة الثالثة وقد تجاهلوا يوليوس في الغالب. عرفوا بوجوده لكن أحداً لم يحاول فاتحته بأي حديث حتى الآن. انشغلت المرأة بمناقشة أمر ما مع زعيمهم، لكنها تعرفت إليه حين وطأ العربة. بينما كان يأخذ مكانه براحة، بسط رجل ضخم ذو لحية كان يجلس قبالته ساقيه والتفت إلى يوليوس بابتسامة لامبالية. تلألأت سترة الرجل الرمادية ذات التفصيلات الخضراء حين اصطدمت بها أضواء المانا داخل العربة بزاوية ما.

سأل بنبرة تنمّ عن استعلاء طفيف: "ألست أصغر من أن تسافر معنا؟"

جهل يوليوس ما إذا كانت تلك النبرة نابعة من عمره وحده أم أن الرجل أضمر له شيئاً آخر، بيد أنه لم يُبدِ أي ردة فعل بل رفع بصره ببساطة إلى عيني الرجل، فانزلق القناع الذي حجب به وجهه وهو يفعل. انحسرت ابتسامة الرجل اللامبالية قليلاً حين ردّ عليه يوليوس بنظرات جامدة. لعله توقع ممّن هو في عمر يوليوس أن يبدو أكثر توجساً أو انزعاجاً داخل عربة تعجّ بعشرة غرباء. في هذه اللحظة، بدا أن بقية ركاب العربة قد كفّوا عن حديثهم والتفتوا لمتابعة التطور الجديد بنظرات فضولية.

الحظ بعضهم الجو المشحون بين الاثنين. أمسك يوليوس عن الكلام وظلّ مسمراً عينيه في الرجل برهة أطول قبل أن يصرف وجهه. استشعر بقبضة الرجل وهي تنقبض قليلاً رداً على لا مبالاته مستخدماً [الإدراك المكاني] غير أن الرجل لم يفعل شيئاً آخر. عوضاً عن ذلك، انبرت المرأة التي التقى بها آنفاً للحديث.

قالت وهي تلقي نظرة خاطفة على الرجل: "لا تقلق بشأن بيك. لسانه يسبق عقله ويبدو أجلاف ممّا هو عليه حقاً".

ثم أردفت بفضول: "من جهة أخرى، لم أُدرك أنك سترافقنا. ظننتك تنفذ عملية توصيل فحسب".

قال وهو يلتفت إليها بابتسامة خفيفة: "كلا، أنا أُعدّ جزءاً من الحرس تقريباً".

سألت بنبرة أدفأ وأكثر تهذيباً من ذاك الرجل: "مثير للاهتمام. أأنت مغامر منفرد إذن؟"

هزّ رأسه مجيباً: "أنا غير مسجل في النقابة".

قالت وهي تدلك مؤخرة رأسها: "آه معذرة، ظننتك مغامراً شاباً تم اختياره لهذه المهمة".

كان شعرها البني الطويل مربوطاً في ذيل حصان مشدود وكانت عيناها العسليتان جميلتين حقاً.

ردّ عليها: "لا بأس".

أردفت بابتسامة أخرى: "بالمناسبة، اسمي ستيفاني! سعدت بمعرفتك".

ابتسم بسخرية خفيفة أمام حماسها.

وقال وهو يشير إلى نفسه: "يوليوس".

عقّبت وهي ترمي نظرة كارهة سريعة نحو زميلها: "إذن يا يوليوس، كيف وقع الاختيار عليك لهذه المهمة؟ ورغم أن بيك كان فظّاً بعض الشيء، إلا أن الفضول يساورني أيضاً حيال سبب اختيار فتى في عمرك لمهمة خطيرة كهذه".

أدار يوليوس بصره نحو الرجل الذي خاطبه أولاً والذي بدا عليه التأنيب قبل أن يعيد ناظريه إليها.

تظاهر بالجهل وسأل: "مهمة خطيرة؟"

قالت بقلق: "ألم تكن تعلم؟ صنّفت نقابة المغامرين هذه المهمة كخطورة من الفئة أ لأصحاب المرتبة الثالثة".

أجاب: "آه"، دون أن يحتاج للتظاهر بإخفاء مفاجأته.

لم يكن يدرك بتاتاً أن هذه المهمة قد صُنّفت بالفعل على أنها بالغة الخطورة من قبل نقابة المغامرين. مع ذلك، بدا الأمر منطقياً. إن وُجّهت كل تلك الهجمات الممنهجة ضد طرق آل إيستين، فسيغدو ارتفاع مستوى الخطر أمراً ملائماً.

سأل رغبة صادقة في سماع الإجابة: "إذن كيف يعمل نظام التصنيف للمغامرين؟ أيمكن لبعض الناس فقط خوض المهام الخطيرة أم أنه مجرد تحذير للفرق التي تختار قبولها؟"

أومأت برأسها.

"إنه مزيج من الأمرين. إنها طريقة جيدة لتحذير جميع المغامرين المحتملين من احتمال وقوع موت أو إصابة بنسبة كبيرة. الفئة هـ تعني انعدام الخطر أو ضآلته، والفئة د تعني وجود خطر طفيف لا يعجز عنه صاحب المرتبة الثالثة المتوسط، والفئة ج تعني القدر الاعتيادي من المخاطرة، والفئة ب تبدو أكثر خطورة بقليل، والفئة أ تعني احتمالاً حقيقياً للموت".

ولما رأت أن رأسه يهتز موافقاً على شرحها، واصلت حديثها.

"يُمنح جميع المغامرين رتبة تتناسب مع مرتبتهم. يستهلون بالفئة هـ مع كل مرتبة جديدة ويرتقون في الرتب كلما أنجزوا المهام وازدادوا قوة. على سبيل المثال، أنا من الفئة ب. يعني هذا أن بإمكاني خوض جميع مهام الفئة ب وما دونها بلا مشاكل. ومع ذلك، وبما أن فريقنا بأكمله من الفئة ب، فيمكننا تولي مهمة ذات تصنيف أعلى إن حاولنا إنجازها كفريق. ممّا يساعد أيضاً أن قائد فريقنا ينتمي إلى الفئة أ بنفسه"، شرحت وهي تشير إلى الرجل الآخر الذي كان يحدق عبر نافذة العربة.

أخذ يوليوس وقته لتفحص قائد الفريق بمزيد من الدقة. لقد رصد حضوره مسبقاً حين ولج العربة أول مرة. ففي النهاية، كانت هالة الرجل هي الأكثر إبهاراً على الإطلاق. لكنه لم يحاول الاستقصاء عنها أكثر في ذلك الحين. إذ لم يرغب في الظهور بمظهر الفظ أو ما شابه. إلا أنه دوّن ملاحظة بشأنها. والآن بعد أن دلّه عليها زميله، توفرت لديه ذريعة أفضل لإمعان النظر. كان الرجل طويلاً وخلا من الضخامة التي تميز بها بيك.

عوضاً عن ذلك، تميزت أطرافه بالمرونة غير أنه لم يغفل عن لمس عضلات مشدودة بإحكام تلوح من خلال سترته الرمادية والخضراء. مدّ يوليوس هالته مستكشفاً برفق. كانت هالة الرجل راسخة ومضبوطة بإحكام. دلالة واضحة على حسن التدريب والقوة. علاوة على ذلك، لم يمرّ استكشافه دون أن يُلاحظ. ففي اللحظة التي استشعر فيها قائدهم أحدهم يعبث بالجوار، كفّ عن التحديق عبر النافذة ووجه بصره نحوه بنظرة خاوية.

وحين تفحصه بنظرة سريعة مُدركاً أنه مجرد طفل، عاد إلى تجاهله.

قالت ستيفاني باعتزاز: "نعم، هذا مات. إنه قائدنا وسياف. كما أنه بارع للغاية في التعاويذ أيضاً".

هزّ يوليوس رأسه.

وقال بصدق تام: "حقاً، يبدو قوياً".

بدا أن ذلك قد رسم ابتسامة عريضة على محيا ستيفاني وبقية أفراد المجموعة.

تدخل رجل آخر بنبرة مترددة: "إذن كيف تم اختيارك للانضمام إن لم تكن مسجلاً في النقابة؟"

لم يجد يوليوس سبباً لإخفاء جزء من الحقيقة.

"لقد أنجزت مهام لصالح آل إيستين في الماضي وعرضوا عليّ هذا العمل".

قالت ستيفاني بفهم: "آه، هذا يبدو منطقياً أكثر"، قبل أن تشير إلى مجموعة التجار.

"جريجور والتجار الآخرون اختيروا أيضاً بسبب صلاتهم".

تحدث الرجل المسمى بيك: "نعم، لكنهم ليسوا مقاتلين أيضاً. فما هو سبب اصطحاب الفتى إذن؟"

اختفت النبرة المتعالية تماماً ولاحظ أنها حملت فضولاً حقيقياً. رغم أنها بدت قاسية بعض الشيء. رمقت ستيفاني الرجل المعني بنظرة حالكة مجددة وهمّت بالكلام إلا أن أحداً سبقها إليه.

قال قائدهم مات بصوت هادئ وهو يرمق بيك مباشرة: "إنه ليس شأنك يا بيك. إنه هنا كبقية زوّارنا لتأدية العمل. والآن كفّ عن التصرف كالأحمق قبل أن أرميك خارج العربة لتعدو بجانبنا حتى نُنصب معسكرنا".

تصاعدت هالته تحذيراً وتحدياً. متوعداً الرجل بمجادلته. غير أن يوليوس لم يلتفت لردة فعل بيك. فقد استغرق تماماً في محاولة كبح هالته التي صعدت لتلتقي بهالة مات. لحسن الحظ، تمكن من تدارك الأمر في الوقت المناسب ولم تُطلق هالته المدمرة. بعد أن فعل، حرص على إلقاء إيماءة امتنان نحو قائدهم فلم يتلقَ رداً، لكن لا بأس بذلك. فقد ثمن صنيعه. لن يبادر الجميع بالدفاع عن أحد أعضاء فريقهم بمثل هذه السهولة لأجل غريب.

سيجعل ذلك رحلة يوليوس معهم خالية من الدراما نسبياً.

* * *

مضت ساعات عديدة وهم يغادرون بلوماند متوجهين نحو محطتهم التالية. حسب تذكره، كانت بلدة تدعى ثغر الخلاف. بلدة متوسطة الحجم سيقومون فيها بإنزال بعض المؤن وبعض التجار لإنهاء أعمالهم. من الناحية المضيئة، لا بد أن الجماعة شعرت براحة أكبر تجاهه بعد أن تدخل مات لأنهم طفقوا يتحدثون مجدداً، لكنهم أدرجوه هذه المرة في محادثاتهم موجهين إليه أسئلة شتى. أشياء من قبيل منشأه وسبب اختياره المجيء.

لقد كذب بشأن موطنه. فأخبرهم أنه من بلوماند محاولاً تجنب معظم الأسئلة الأكثر شخصية. لحسن الحظ، عثر على موضوع ساعده في تفادي تلك الأسئلة. الطعام.

عقّبت ستيفاني بحماس: "مطعم كارمن جيد جداً، لكن مطعم بلوبسكي أفضل بكثير!"

هزّ يوليوس إصبعه معترضاً: "كلا، لحم بلوبسكي قد يكون أ جفّ من جلد حذائي. لم أتناول قط قطعة لحم جافة من مطعم كارمن".

صاح الرجل بصوت عالٍ داعماً زميلته: "عما تتحدث؟ بلوبسكي هو المقصد لأي شخص يفهم عما يتحدث!"

بعد أن وبّخ مات الرجل بشكل صحيح أمسى أقل عدوانية. بل تمادى إلى حد مشاركة يوليوس الفعليّة في الأحاديث. منح يوليوس بيك نظرة ميتة وسلط بصره بمعاني على جذع الرجل.

"أراهن أنك تحب بلوبسكي كثيراً لأن لديهم أسعاراً أرخص للكحول".

همّ الرجل بالرد غير أنه لا بد أن جزءاً من الحظيرة قد حملته كلمات يوليوس لأن عوضاً عن ذلك عبس وأشاح بوجهه مذنباً. ضحك بقية زملائه من ردة فعل الرجل. ابتسمت ستيفاني على وسعها.

"أنت لا تدري إلى أي مدى هذا صحيح. نتهيأ دوماً للذهاب إلى بلوبسكي لهذا السبب. لكني في الواقع أحبه بسبب الأجواء الحيوية. لديهم موسيقى رائعة والشجار العرضي في الخلفية"، قالت بخجل.

رمقها يوليوس بنظرة تشكك.

"أيعجبك هذا النوع من الأمور؟"

مما رآه من المرأة، بدا عليها الوقار والاتزان تماماً. قطعا ليست من النوع الذي يستمتع بمشاهدة شجارات الساحات الخلفية بين السكارى. لقد رأى أحد تلك الشجارات آخر مرة زار فيها بلوبسكي. كان شجاراً بين شخصين من المرتبة الثالثة كانا مخمورين تماماً وبالكاد يستطيعان الوقوف على ساقيهما. ليستحقوا الثناء، كان الأمر مضحكا. لقد كانا متخمرين إلى حد جعل الحشد الحقيقي يتعرض لخطر أكبر لولا الحاجز المسحور المحيط بهم.

مازحه قائلاً: "آه، أقد رأيتها إذن؟ فتى مثلك ينبغي ألا يرى أموراً كهذه بعد".

فأجابته ناظرة إليه: "آه، ولكن هل يمكن لفتاة يافعة أن تفعل؟"

هزّ يوليوس رأسه دهشة وهمّ بالرد حين استشعر شيئاً يقترب منهما من مسافة بعيدة. تعذّر الجزم بدقة من مكان بعيد، لكن شيئاً ما كان مقبلاً نحو القافلة متجاوزاً الأفق للتو. لم يكن الوحيد الذي لاحظ ذلك. فقد نهض مات مسبقاً وكان يحدق في بقعة استشعرها يوليوس.

أمر باسطاً هالته حول الجميع: "استعدوا جميعاً، هناك شيء ما قادم".

وكأنه يمنحهم نوعاً من التعزيز. أراد يوليوس اقتناص الوقت لتحليل هذه التقنية إذ بدت مثيرة للاهتمام للغاية لكنه حُرم الوقت. فقد استغرق كلياً في التركيز على حضور الهالات القادمة المتقلصة نحو موقعهم.