كان جوليوس لا يزال يعاني للسيطرة على تأثير الهالة الجديد الذي ينبعث منه. بلغ الأمر سوءاً لدرجة أنه عجز عن مغادرة غرفته دون شعور بأنه يعرض الآخرين للخطر. الطريقة الوحيدة التي مكنته من المغادرة تمثلت في وجود ريتشارد أو ربيكا معه. نطاقاهما وحدهما كانا قادرين على كبح الهالة. والمثير للدهشة أن دراسيل لم يتأثر بهالته أبداً. أخرج روح الحياة الصغيرة تلك خلال إحدى استراحاته من التدريب ولاحظ فوراً أن الروح لم تبدِ أي رد فعل سلبي.
ربما يعود الأمر إلى رابطهما، لكن دراسيل ظل حتى الآن الك الوحيد غير المتأثر بالهالة سواه. وعلم أيضاً من ريتشارد أن مهارة الملاحم الفائقة لا تختلف كثيراً عن مهارة النوادر الفائقة. الفرق الرئيسي تمثل في كون المهارة قد استوفت بالفعل متطلبات بلوغ رتبة الاسطورة بمجرد وصولها المستوى خمسة وعشرين. أما عن التفاصيل الأخرى، فقد أخبره ريتشارد بأن استكشافها بنفسه أفضل لارتباطها باكتساب سلطته.
ولم يخالف الرجل الرأي. كان في الواقع بعيداً كل البعد عن ارتقاء أي من مهاراته إلى رتبة الاسطورة إن دل تقدمه الحالي على شيء. كانت هنالك أمور كثيرة غيرها عليه القلق بشأنها. مثل إحكام السيطرة على هالته. ولهذا السبب جلس جوليوس في الغرفة محاولاً إيجاد طريقة لضبط هالته كي لا يحاول جانبها المدمر قتل كل من يلمسه. لكن إن اتصف بشيء، فهو الإصرار والعناد. وهكذا، عزل نفسه طوال الأسبوع التالي وهدفه الوحيد محصور في أمر واحد.
السيطرة على هالته. استغرق الأمر وقتاً أطول ممّا ظن، لكنه نجح في النهاية. الخريقة التي اكتشفها تطلبت منه إنشاء حاجز لغرض وحيد يتمثل في احتواء الهالة المدمرة ودفنها تحت طبقات عدة وكأنها نوع من النفايات النووية. بدا الأمر صعباً في البداية لعجزه عن إغلاق منفذ الهالة بالشكل السليم، لكنه ظل قابلاً للتنفيذ طالما حافظ على تركيزه عليها. هذه التقنية اختلفت قليلاً عن تحكمه المعتاد في الهالة.
عادة، كان يحرص على إبقاء هالته محصورة في جسده ويحد من أي تقلبات ضخمة. حدث ذلك غالباً لكي يتعذر على الناس قراءة هالته وأخذ فكرة عمّا يفكر فيه أو يشعر به حينها. لكنه نادراً ما قطع هالته بأكملها. أولاً، بدا الأمر مزعجاً للغاية. وثانياً، افتقر إلى العملية. وثالثاً، عُدَّ تصرفاً فظاً ببساطة. أشبه بارتداء قناع وجه طوال فترة المحادثة. عدم لياقة لا غير. علاوة على ذلك، تمثل الهدف الرئيسي للتحكم في الهالة في خداع الخصوم.
وإن لاحظوا إحكام قبضته على هالته، فسيعلمهم ذلك بامتلاكه من المهارة ما يكفي لإنجاز قدرة يعجز أغلب الناس عن إتقانها. ومع ذلك، وُجدت أغراض معدّة لهذا الغرض. رغم ذلك، كلما تحسن في التحكم بهالته واستشعارها، أدرك مدى بروز تلك الأغراض عند ارتداء احداها. شابه الأمر سوء السماح لهالته بالاندفاع بلا طيارة. تقريباً. بيد أن تقنيته الجديدة مكنته من شل هالته فعلياً. أخذ الجوهر، وهو الجزء الأكثر تكاملاً في هالته، ودسّه عميقاً في أبعد زوايا روحه.
لم يظن ذلك حلاً مجدياً على المدى الطويل بأي حال، لكنه وجب أن يفي بالغرض في الوقت الحالي. على الأقل بهذه الطريقة، تمكن من التجول دون قتل الناس كمفاعل نووي مكشوف. وحين غادر غرفته أخيراً لأول مرة منذ أكثر من أسبوع، استقبله ابتسامة ريتشارد.
قال له الرجل: "أجائع أنت؟"
فأجاب بدرامية: "أكاد أهلك جوعاً".
طوال الأسبوع المنصرم في التدريب، ندر أكله. اكتفى بتناول وجبة خفيفة عرضية داخل خاتم تخزينه. صحيح أنه استغنى عن الطعام لفترة طويلة بفضل [تجدد الفينيق] طالما توفر لديه المانا، لكن ذلك أخطأ الهدف برمته. شكّل الطعام جزءاً أساسياً من حياته. واحتتاج في اللحظة الراهنة إلى وجبة حقيقية.
قال له ريتشارد ببهجة: "دعني أجلب غريس وبيكا، لقد أبلغتهما مسبقاً باحتمال خروجك اليوم. ربما يمكننا التوجه إلى ذلك المكان الذي وجدناه الأسبوع الماضي".
أومأ جوليوس بحماس، فقد عثرت رينيرا على مكان إفطار جميل للغاية الأسبوع الماضي. مطعم بسيط بدا وكأن عصيف ريح سيهويه، لكن طعامه فاق الوصف. عندما غادر الغرفة، حبس أنفاسه. فالتعاويذ المحيطة بالغرفة ما عادت تحبس هالته إن أفلتها سهواً. وتأكد تماماً من نجاح طريقته المرتجلة رغم بقائها في المرحلة التجريبية صدقاً. وبالتأكيد، حرص ألا تتفكك مجدداً إن فقد تركيزه. قضى الأيام القليلة الماضية في التركيز على ذلك بالأساس.
ساعده ريتشارد وتأكد من عدم فقدانه السيطرة لمجرد اصطدام شخص به في الشوارع. وجد الأربعة أنفسهم جالسين في المطعم، وأمام كل منهم طبق طعام ممتلئ. انكب جوليوس على التهام طبق ضخم من اللحم المقلي المغطى بالمرق ومذكراً إياه باللحم المقلي على طريقة الريف إلى جانب كمية من البطاطس المبروشة تفوق الحد الصحي. وحاز أيضاً عدة أطباق أصغر حجماً لأصناف مختلفة بعيدة المتناول قليلاً.
بدا المطعم تماماً كما تذكره. الجدران في حالة تداعٍ مستمر والطاولات على وشك الانهيار كبيت من ورق عند أدنى دفعة. لكن الطعام جاء لذيذاً، لذا لم يتذمر أحد منه البطلة.
بدأ ريتشارد بالقول: "بما أننا مجتمعون هنا، فأود الحديث عن المهمة التي ناقشناها قبل فترة".
سألت رينيرا بعد أن بلعت طعامها: "وما شأنها؟ أتقترب موعدها قريباً؟"
أجابها: "أرجح حدوثه خلال أسبوعين تقريباً، إن كان علي التخمين".
فقالت بحماس: "حسناً، يبدو جيداً. أظننا سنكون مستعدين بحلول ذلك الوقت. سيسمح لي الأمر بالتعود على عصاي الجديدة وجوليوس على مهارته الجديدة".
بيد أن ريتشارد أو ربيكا لم يبدُ عليهما تقاسم حماسها. انكمش اثناهما أمام الفتاة الصغيرة.
وأردفا: "نعم، بشأن ذلك..."
سألت رينيرا بقلة زاد القلق نبرتها: "ماذا؟ أحدث شيء؟"
رأى جوليوس ربيكا توخز زوجها في ذراعه. وكأنها تأمره بالبوح. تنهد ريتشارد ومنح رينيرا نظرة اعتذار.
"هذا هو الأمر. تقرر ألا ترافقينا في المهمة".
سألت رينيرا بصوت عالٍ وهي تقف على قدميها: "ماذا؟! لم لا؟"
قال بتهدئة: "ارتأينا وجود مهمة أخرى أفضل تتلاءم مع قدراتك بصورة أكبر".
أصرت قائلة: "ماذا يعني هذا؟ أتقول إنني قد أكون عبئاً على جوليوس؟ أعلم أنني لست بقوته، لكن هيا، أستطيع الدفاع عن نفسي".
قاطعت ربيكا بحزم: "الأمر لا يتعلق بالدفاع عن النفس. بل بوزن الخيارات. نشعر بوجود عمل أفضل بكثير تستطيعين مساعدتنا فيه تفوق إفادتك في مهمة الطعم هذه. نعتقد أنه سيكون إهداراً لمهاراتك إن أرسلناك مع جوليوس".
سألت رينيرا وهي تجلس بادية على الأرجح باهتمام أكبر قليلاً: "ماذا تعنين؟ أي نوع من الأعمال تقترحون؟"
شرحت ربيكا: "بينما سيواصل جوليوس الخطة السابقة، نريد منك مراقبة شخص لأجلنا".
"مراقبة؟ لست جاسوسة".
"لا، لكنك تمتلكين إتيكيت النبلاء المطلوب للاندماج في المجموعة التي نرغب في مراقبتها. وتعتبرين وجهاً جديداً أيضاً، لذا لن ترتبطي بآل إيستين حين تظهرين"، أخبرت ربيكا رينيرا قبل أن تلتفت لتنظر إليه.
وأردفت: "لا مآخذة يا جوليوس، لكنك ستبرز كإصبع مخروق".
أشار بإببه إلى نفسه وعلى وجهه نظرة ذهول.
"أنا؟ لما ما عيبي؟"
قبل أن تتمكن ربيكا من الرد حتى، سعل ريتشارد في قبضته. التفت جوليوس إليه بفضول ليرى الرجل ناظراً مباشرة إلى يد جوليوس ووجهه. اليدان والوجه المغطيان حالياً بأطعمة ومرق متنوع. أومأ متفهماً التذكير غير المكتوب.
وأصر قائلاً: "حسناً، ربما معك نقطة. لكنني ما زلت أعتقد بقدرتي على الاندماج لو حاولت".
قالت النظرات الثلاث المتلقاة كل شيء. لم يؤمن به واحد منهم على الإطلاق. ماذا ظنوا أنه فاعل؟ أسيُفجّر شيئاً ما؟
أدرك قائلاً: "سيبدو ذلك تماماً... تماماً طبيعياً بالنسبة لي".
حسناً، مجرد مقارنة سيئة، حاول إقناع نفسه الآن، لكن حتى كلماته بدت جوفاء في أذنيه. عِوضاً عن ذلك، عبس واستأنف حشو المزيد من المعدة بالطعام، تاركاً إياهم لنقاشهم.
أشارت ربيكا: "أرأيت؟ لهذا نحتاج إلى شخص مثلك لمساعدتنا، غريس".
تمتم: "ما زلت هنا".
تجاهلوه.
سألت رينيرا أخيراً بصوت أقل ممانعة: "من ترغبون في أن أراقب؟"
"لدينا شكوك حيال سيد من بلوماند قد يسرب معلومات إلى المجمع. نريد منك حضور بعض الحفلات والفعاليات، على أمل إيجاد شيء مفيد أو يدينهم".
منحته رينيرا نظرة شك.
"أتريدون مني مراقبة سيد؟ أليس لديكم جواسيس حقيقيون للقيام بذلك؟"
هزت ربيكا رأسها بالرفض.
"لا، لا نريد منك مراقبة السيد تاونسن. نريد مراقبة ابنه، إيريك. الاثنان من رواد الدوائر الاجتماعية النبيلة ويحضران معظم حفلات المدينة. وُصف الابن خصوصاً بكونه طليق اللسان أمام الفتيات الجميلات الشابات. نأمل أن يفلت منه شيء بحضورك يساعدنا في معرفة ما إذا كان السيد تاونسن قد خاننا".
سأل جوليوس بحيرة تامة: "انتظري؟ أتريدين منها أداء دور فخ العسل؟"
نظر الثلاثة إليه بحيرة.
سألت ربيكا: "فخ العسل؟ ما ذاك؟"
عذراً، لم يكونوا ليلموا بذلك. سعى جاهداً لإيجاد تفسير مناسب.
حاول الشرح بأفضل ما أمكن دون إساءة لرينيرا: "هو عندما يقترب شخص من آخر بقصد إغوائه بغية الحصول على معلومات أو ثقة. وغالباً ما تكون امرأة تستدرج رجلاً".
لكنه رأى وجهها يعبس مع وصفه للمصطلح.
قال ريتشارد بانصياع بدا مسروراً بشكل غريب: "أوه، فهمت. فخ العسل، مصطلح جيد. سأستخدمه منذ الآن فصاعداً".
سددت له ربيكا ضربة عبر الكتف وعيناً حازمة.
"لن تقوم بدور 'فخ العسل'. جل ما تتطلبه الأمر مصادقة الصبا والمعرفة إن كان يتفوه بأي سوء بحق آل إيستين أو يزل بلسانه بما يشير إلى خيانتهم لنا".
راحت رينيرا تفرك أصابعها بتفكير قبل الإدلاء برأيها أخيراً: "لا مانع لدي من أداء هذا العمل شريطة خلوه ممّا يشعرني بعدم الارتياح. لكن ماذا عن جوليوس، من سيتولى حراسة ظهره هناك؟"
طمأنتها ربيكا: "سنحرص على وجود الكثير من الأشخاص الموثوقين بجانبه. لن يواجه خطراً جسيماً. ينبغي له حماية نفسه ريثما يصل المدد ليتكفل بالباقي من المهاجمين. جل ما نحتاجه استدراجهم أولاً ونأمل أن ينطق أحدهم أو انتزاع المعلومات منهم قهراً".
سألتي رينيرا بريبة: "وهذه خطتكم الوحيدة؟"
"بالطبع لا. لدينا عدة خطط أخرى قيد الإعداد، لكنها لم تثمر بعد. أظن هذه صاحبة أعلى فرصة للنجاح. كما أنهم لن يتوقعوا وجود شخص مثل جوليوس هناك".
التفتت رينيرا إليه.
"ولن تمثل مهارتك الجديدة مشكلة لك؟"
هز رأسه نفيّاً.
"لا ينبغي. اكتسبت فهماً لا بأس به لتأثير الهالة الجديدة واحتاج بعض الوقت للتأقلم مع قوة المهارة المستجدة. لكن بعد ذلك، سأكون بخير".
سأله ريتشارد بشك: "أمتأكد من رغبتك في الاستمرار؟ مهما بلغت رودة الخطة، تبقى احتمالية الخطأ واردة دائماً. إن لم تشعر بالارتياح، فلن نفعلها".
هز رأسه بحزم.
"لا، تعلمون مسبقاً رغبتي في فعل هذا. لدي أمور أريد تسويتها معهم. قد تُمثّل هذه فرصة مثالية للقيام بذلك".
سُرّ حين لم يضغط عليه ريتشارد طلباً لمزيد من التفاصيل عما أراد تسويته مع هذه المجموعة. بل اكتفى الرجل الأكبر سناً بمنحه إيماءة تشجيعية وعاد للأكل وكأن المحادثة لم تحدث أبداً.