نظر إليهم جميعاً بنظرة قلقة.
قال بتوتر يكاد يخاف سماع الجواب: "ما الأمر؟"
كان ريتشارد يبدو قلقاً بدوره، ومن البديهي أنه لاحظ تعبير وجهه، فاقترب منه بسرعة فائقة عبر الانتقال الآني.
وضع الرجل يداً على كتفه وقال له بملامح جادة: "لا تفزع، حاول أن تبقى هادئاً."
زدته جدية الرجل غير العادية حيرةً.
"أيمكنك إخباري بما يجري؟ لماذا تنظرون إليّ هكذا بغرابة، ولماذا تنظر إليّ غريس كأنني سأؤذيها؟"
سألت ريبيكا بحيرة: "ألا تشعر به؟"
"أشعر بماذا؟"
قالت كأن الأمر واضح بجلائه: "هالتك."
هالتي؟ ماذا تقصد؟ ركّز جوليوس سريعاً نحو الداخل وحاول استشعار هالته الخاصة، وكان الأمر أصعب ممّا يبدو. ورغم براعته الشديدة في التحكّم بهالته، كانت هناك أمور يعجز عن ضبطها. والقدرة على رؤية هالته تماماً كما يراها الآخرون بالغة الصعوبة. يشبه الأمر تعابير الوجه إلى حد ما. فمجرد معرفته بأنه يبتسم لا تعني أنه يعلم شكل وجهه بالضبط. كان يحتاج إلى مرآة ليفعل ذلك. لكن عندما ركّز وراقب هالته من الداخل، شعر بشيء غير مألوف.
لم تعد تحت سيطرته بالكامل. واختفى تحكّمه المعتاد بزهو. وهناك ضربات وارتدادات متذبذبة تنبض نحو الخارج. كيف لم يلاحظ هذا مبكراً؟ صحيح أنها كانت دقيقة، لكن مفترض به القدرة على ضبطها. ثم كيف حدث هذا؟ من الواضح أنه لم يحدث من قبل، وإلا لأخبره أحدهم. إذن لا بد أنه أمر سبّبته مهارته الجديدة.
سأل ريتشارد والقلق يلون نبرته: "أهالتي تتصرف هكذا بسبب مهارتي؟"
أجاب الرجل وهو يهز رأسه بحزم: "لا أعلم، لكن عليك تعلّم كيفية السيطرة عليها هذا مؤكد."
علّق رينيرا من مكان وقوفها، وقد زادت بشرتها شحوباً أقل وخفت خوفها لراحته: "يشبه الأمر تقريباً ذلك الفارس الحيّ الميّت."
سألها: "حقاً؟ كأن هالتي تفسدك؟"
أجابت بنظرة ذات معنى: "لا، ليس هناك الشعور المريض نفسه الذي كان ينبعث من الوحش، بل تبدو أكثر عدوانية. وكأن هالتك تحاول حرق وتدمير كل ما يقف في طريقها."
تشبه الخراب ها؟ منحه ريتشارد تربيتة مشجعة أخرى على ظهره.
"يعود السبب على الأرجح إلى مهارتك [احتراق الهالة] إضافة إلى شارة الدرجة القمّاء. لعل تلك الشارة منحتك مهارة قوية حقاً، مهارة قد تصعب عليك السيطرة عليها في الوقت الحالي."
سأل: "ما العمل إذن؟"
أجابه ريتشارد بابتسامة محرجة: "يمكنني المساعدة في كبحها مؤقتاً، لكن إن تجولت في الضيعة هكذا، ستؤذي بعض الخدم."
"ألديك أي أفكار عمّا يمكنني فعله للسيطرة عليها؟"
"التدريب. ما إن تبدأ تعلّم آلية عملها حتى تتمكن من إحكام السيطرة على جانب الهالة قريباً جداً بعد ذلك. لكني لا أُبدي قلقاً كبالغ تجاه هذا الأمر الآن. إن كان هناك ما لا يقلقني بشأنه بخصوصك فهو إخلاصك للتدريب. ستكون بخير تماماً."
منح جوليوس الرجل المسنّ ابتسامة امتنان ومضى للعمل فوراً محاولاً السيطرة على هذه المهارة الجديدة. لمرّة لم يكن يرغب في إيذاء أحدهم عرضاً حين يسير في شوارع المدينة. إن كانت رينيرا على حق، فأصبحت هالته الآن شبيهة بفرسان الأموات الأحياء، أولئك الذين كادت هالتهم تقتلها لمجرد التعرض لها. ولم يكن ذلك شيئاً يريد تعريض أصدقائه له. أمّا أعداؤه في المقابل... حسنًا بدا ذلك أداة رائعة للغاية.
مع ذلك، مهما حاول، عجز عن إيقاف هالة الخراب وهي تتطاير منه كشمعة سيئة الرائحة. لم يكن الأمر شبيه بالسيطرة العادية على الهالة وبدا كطرف جسد جديد يحتاج إلى تمرين. في النهاية، أُغمِر ريتشارد باستخدام مجاله لقمع هالة جوليوس مؤقتاً ليتسنى له التجوّل في الضيعة دون إيذاء أي شخص ضمن نطاق حضورها. لم يكن الأمر مريحاً له، لكنه كان ضرورياً.
* * *
وجهة نظر ريتشارد قالت له زوجته بعد أن غسلت وجهها استعداداً للنوم: "أنت تعلم أنه لن يُسمح له بالاقتراب من كوري حتى يمسك بزمامها."
أكّد لها: "أعلم. حرصت على إعداد تعاويذ العزل لغرفته كي لا يتأذى أحد عرضاً إن مرّ بجانبها."
سألت وهي تتجه نحو فراسها وقد رُفع شعرها الأشقر في كعكة، وبدت فائقة الجمال كما يوم لقائها فلم يملك إلا الابتسام كالأبله وهو يزحف تحت الأغطية بجانبها: "برأيك أي نوع من المهارات انتهى به المطاف ليحصل عليها؟"
قالت وهي تلوح بيدها أمام وجهه: "الأرض تنادي ريتشارد."
هز رأسه.
"عذراً، ماذا سألتِ؟"
"سألتُ برأيك أي نوع من المهارات حصل عليه جوليوس؟"
هز كتفيه ومد يده ليحتضنها، محركاً كليهما بحيث صار يحتضن ظهرها.
أكد قائلاً: "الرجحان الأقوى أنه حصل على ما دمج بين تقاربه الحركي وتقارب النار."
أقرت بالقول: "حسنًا هذا بدهي بالطبع، لكن ما نوع الإضافة التي تمثلها قدرة الهالة تلك؟ كِلانا في المرتبة الخامسة، لكن تلك الهالة مخيفة بحق."
علّق قائلاً: "لم أعهد أحداً حصل على شيء مماثل من قبل، لكن لا بد أنه أمر وفّرته له شارة دمج المهارات ذات الدرجة القمّاء. لا أملك إلا التساؤل عن كيفية تطوّر مهارة كهذه مع ارتقائها."
لكنه لاحظ صمت زوجته. مدّ هالته للاطمئنان عليها فانفتحت لتسمح له بالشعور بما تختبره في تلك اللحظة. لم يتلق سوى شعور بالانزعاج والحزن.
سأل: "ما الأمر؟"
التوت برأسها بحيث رنّقت إحدى عينيها نحوه من فوق كتفها.
"لم أخبرك بهذا قط، لكن أيدن تلقى أيضاً شارة ذات درجة قماء من صدع التحدي هذا حين خاضه."
سأل متفاجئاً لكن دون دهشة بالغة: "أحصل أيدن على شارة دمج مهارات ذات درجة قماء أيضاً؟"
ومع أن مكافآت الدرجة القمّاء كانت أشبه بالأساطير، لم يكن مستغرباً تماماً معرفة أن شخصاً بقوة أيدن وموهبته كوفئ بواحدة. هزت رأسها.
"لا، حصل على شارة تطور مهارة، لكنها كانت شارة ذات درجة قماء أيضاً. وانتهى بها المطاف للمساعدة في تطوير إحدى مهاراته البارزة."
لم يملك ريتشارد سوى إيماء رأسه مستمعاً إليها. لكن عقله كان يربط النقاط ببعضها. كانت مهارة أيدن البارزة مهارة سيف تميل نحو التدمير الشديد. وشابهت كثيراً ما لمسه من هالة جوليوس التي تبدلت بفعل مهارته الجديدة. كان من غير المألوف رؤية مهارة مفردة تخلف مثل هذا الأثر الكبير على هالة أحدهم. لكن هالة جوليوس شهدت تغيرات جذرية لدرجة تصعب تصديقها لولا ملامسته هالة الفتى في وقت سابق من ذلك اليوم.
ما كان يوماً هالة قوية وصارمة، غدا شيئاً آخر. ظلت قوية وصارمة، لكن تخللتها طاقة مدمرة ومرعبة الآن. وجعلت الفتى يبدو أقل شبهًا بفتى قوي صغير وأكثر شبوهًا بمحارب مخضرم يكابد صعوبة كبح هالته.
سأل زوجته عالماً أنها تفكر في أمر شبيه: "أترين أن للصدع تأثيراً على الوجهة التي اتخذتها مهارة كل منهما؟"
أجابت بصدق: "لا أعلم. تميل مجموعة مهارات كليهما نحو الجانب العنيف. ظل أيدن قطار موت ودماء، لكن جوليوس يملك أيضاً مهارات ومفاهيم تميل في ذلك الاتجاه. لذا قد يكون الأمر مجرد صدفة."
"إذن ما الذي يقلقك؟"
أقرت بعبوس حزين: "أقلق من أن ينتهي الأمر بجوليوس شبيهاً بأيدن."
سأل وهو يعصر بطنها بإحكام أكبر: "ألا تعتقدين حقاً بذلك، أصحّ هذا؟"
أخبرته: "لا أستطيع تجنبه. يتشابه الاثنان في جوانب عديدة لدرجة تعجزني عن منع نفسي من التفكير بما سيلحق بجوليوس إن استمر."
"مجرد كونهما قويين بالنسبة لمرتبتهما وعمرهما لا يعني أنهما الشخص ذاته. لم التقِ أيدن سوى بضع مرات حين كنت أصغر سناً، لكني أجزم لك بأن جوليوس ليس مثله."
"وكيف أنت متأكد إلى هذه الدرجة؟"
طمأن زوجته: "يملك جوليوس أموراً لم يمتلكها أيدن أبداً. كان أيدن منكبّاً على السيف لدرجة انعدام أهمية أي شيء آخر في العالم. ومن كل ما شاهدته من جوليوس، لن يعاني الصراعات ذاتها."
أدرك ما تخشاه بيبيكا. كانت تخشى تحول جوليوس إلى أيدن آخر. شخص بلا قلب لا يعبأ سوى بالسيف وما عداه هباء. أدرك ريتشارد بنفسه كيف دفع هوس أيدن بالقوة والسيف به ليصبح الشخص الذي آل إليه أخيراً. لكنه تيقن من اختلاف جوليوس. شاهد بعينيه. كيف تعامل الفتى مع الخدم في الضيعة. كيف عاملهما. كيف تفاعل مع كوري.
كيف صادق "غريس"، الأميرة المعروفة بغياب الأصدقاء عن حياتها.
كلا، لم يكن شبيهاً بأيدن. فلم يكترث أيدن بالبشر كما فعل جوليوس قط. لذا وبينما انشغلت زوجته بالقلق، لم يقلق هو. وشعر لسبب ما بثقة بالغة بعدم تحول جوليوس على تلك الشاكلة، ما لم يقع حدث مأساوي بحت في حياته. وكل ما يتطلبه الأمر حينها هو ضمان عدم وقوع شيء مشابه.