لم يرد عملاق الحجارة المخيف أن يقف ساكناً ويدع جوليوس يفعل ما يشاء. استشعار جوليوس تدفق المانا حول العملاق في دوامة عاتية، وانطلقت نحوه في ثانية لوح حجري بحجم سيارة. تفادى جوليوس اللوح في اللحظة الأخيرة، غير أن حركته تلك وضعته في مواجهة مباشرة مع سيف العملاق المندفع. بنى حاجزاً طاقيّاً أمامه في التوقيت المناسب ليحرف السيف إلى الأعلى، وتسلل جوليوس تحت الترس الضخم.
نظراً لضخامة المسخ، بدا المكان الوحيد المجدي لتوجيه ضربة هو الساقان، فوجه لكمة عنيفة إلى رضفة العملاق. للأسف لم يكن دفاعه ضعيفاً كتلك المخلوقات من الفئة الثالثة التي حاربها حتى الآن، ولم يحصد من ضربته سوى صوت ارتطام أصمّ. تفادى بسرعة ركلة الساق الأخرى وسدد ضربة أخيرة إلى الرضفة ذاتها قبل أن يستعمل خطوة الوميض للابتعاد، متجنباً بأعجوبة سيفاً هوى في المكان الذي تقوّض فيه قبل ثانية واحدة.
كيف له أن يتعامل مع هذا الكائن الضخم؟ فحتى قدراته الجسدية المعززة لم تنجح في إحداث أي ضرر يُذكر حتى الآن. لم يكن هذا المخلوق بسرعة دُوستر، لكنه امتلك القوة والكتلة لتعويض ذلك، فضلاً عن إجادته استخدام أسلحته ببراعة مقبولة. قد تحولت المعركة إلى حرب استنزاف، وهو ما ظن أن الصدع يسعى إليه باختياره هذا الخصم تحديداً. ربما خطط الصدع لإهدار موارده في قتال الأمواج السابقة، ثم زجّ به في خصم يجبره على معركة مطولة، عسى ألا يتبقى لديه سوى القليل من المانا.
لكن حظ الصدع العاثر أنّه لم يدرك قط حجم مخزون المانا لدى جوليوس؛ فبينما ظن الصدع أنه استنزف الكثير بسبب الموجة السابقة، لم ينفق في الواقع سوى نصفه تقريباً. يعني ذلك امتلاكه ما يكفي لإسقاط هذا العملاق، أو هذا ما كان يأمله على الأقل. كان عليه إيجاد موضع أفضل للهجوم إن أراد مواصلة القتال عن قرب. أو ربما لا. فربما لم تكن معاودة قصف رضفته فكرة سيئة بالمرة. استبعد أن يمتلك هذا الكائن مهارة تجدد مثل التي يملكها، وإن انتزع إحدى ساقيه فسيهوي حتماً كبرج شاهق.
تعرفون ما يقال؛ كلما كبر حجم الشيء، كان سقوطه أشد. لنرَ إن كان هذا سيجدي نفعاً هنا. بحسم أمره، تراجع إلى الوراء مستعداً لما يحتاجه لتحقيق تلك الغاية. وبدل خلق حزمة من الأشواك لقذفها نحو المسخ، عزم على صنع إسفين كبير. امتلأ الإسفين بطاقة حركية هائلة، وعلم تماماً أين سيغرسه. بابتسامة، اندفع مجدداً نحو العملاق بخطوة الوميض، دافعاً بمهارتي تعزيز الجسد إلى أقصى حدودهما.
حين فعل، شعر بزيادة جبارة في سرعته. انزلق تحت لوح الحجارة المنطلق نحوه، وقفز فوق السيف التابع له بتوظيف سريع للطاقة الحركية. ساعده تدريبه السابق كثيراً؛ فقد استطاع تغيير اتجاهه ومضاعفة سرعته إلى ذروتها في لمح البصر، مما مكنه من تجاوز السيف بلا عناء يُذكر. أما المأزق الحقيقي فكان فيما خلف السيف. مثّل الترس شيئاً مزعجاً وأعظم عقبة واجهته على الإطلاق، ورغم ذلك راودته فكرة.
خلق بسرعة عدة أشواك صلبة وأطلقها مباشرة من مسافة صفر نحو العملاق، فحما وجهه المكشوف بالترس غريزياً. كانت الضربة قوية لدرجة دفعت العملاق خطوة إلى الوراء، وغطى الدخان الرؤية أمامه. كفت تلك الثغرة الضئيلة ليستخدم جوليوس خطوة الوميض مع تدفق هائل للطاقة الحركية، منزلقاً إلى جانب العملاق دون أن يشعر. وما إن فعل، حتى سدد ركلة كاملة الشحن نحو ركبته. لم يتوقف عند هذا الحد، بل واصل قصف الرضفة بنصف دزينة ضربات أخرى.
أدرك العملاق ما يفعله أخيرًا، فشرع في تلويح سيفه وترسه محاولاً سحقه كما يُسحق ناموس مزعج. لكن جوليوس كان ناموساً عنيداً وعصياً، واكتشف المسخ أنه ليس سهلاً الإطاحة به. تلقى بالفعل بضع خدوش كسرت بعض عظامه، وضربة كادت تنتزع ذراعه بأكملها، لكنه ظل ملتصقاً ولم يدع للعملاق فرصة خلق مسافة بينهما. باغته العملاق بضربة مرتدة لم يستطع تفاديها في الوقت المناسب، إلا أنه نجح في شفاء نفسه في طرفة عين قبل أن يرمي بنفسه وسط المعمعة من جديد.
وبعد مناورات ماكرة، تمكن من اختراق دفاعاته مجدداً، مواصلاً طرق الرضفة اليمنى ذاتها التي ضربها أول مرة بشراسة عنيدة. أدرك تماماً وجود خيارين حقيقيين أمام؛ إما التراجع واستخدام مهارات المدى البعيد، أو الاقتراب بضراوة والتأكد من حرمان أسلحته الضخمة من ميزة النطاق الأوسع. وكان خياره الحالي هو الثاني. راح يرقص حول العملاق كعاصفة منتقمة، غير مبالٍ بالضرر الذي يتلقاه ولا بهالته القمعية التي حاولت تثبيته.
لقد امتلك تجدد الفينيق، وحرص على استغلاله أفضل استغلإل. فعّل شارة القيادة لفرض إرادته، ووجه نوبات حرق دورية نحو هالته، ليفاجأ بتأثيرها الرائع وانسجامها التام مع المهارة الجديدة. وبدا سروره جلياً حين لاحظ تفاعل العملاق بقوة أكبر كلما استعمل تلك المهارة. ورغم امتلاك العملاق لشارة أيضاً، وثق جوليوس بأن إرادته تفوق إرادة خصمه بمراحل. أثبتت الاشتباك الخاطفة ذلك، والمشكلة الوحيدة تمثلت في أن امتلاكه لتلك الشارة كان كافياً لإبقائه مهدداً في الوقت الحالي على الأقل، وإن لم يظن أن ذلك سيطول.
وبينما كان يتدحرج ويتفادى حول ساقيه، حرص على مواصلة قصف شارة العملاق بشارته الخاصة. ولمسرهته، سهّل تأثير حرق الهالة الصادر عن التمكين الحارق هذه المهمة، فأخذ يقضم شارة العملاق ببطء بينما تقضم قبضته ركبته. ثم حدثت اللحظة المرجوة. باشتباك أخيرة للشارات، اخترق دفاعه وتغلب عليه. نجح في إحداث تصدع سميك طال شارته، وشعر بهالته القمعية تتلاشى في العدم، كما زال شعور الرغبة في الركوع أمامه.
ولاحظ أيضاً تعثره إلى الوراء وكأنه مصاب أو ما شابه. لم يكن غبياً ليضيع فرصة مثالية كهذه، فابتسم بخفة واستغل تلك اللحظة. لف طاقته الحركية حوله واعتصر الحياة منه. تلاشت قدرته على المقاومة شبه كليّاً، وانحصرت الصعوبة الكبرى في ضخامة الكائن والجهد المطلوب لتجميده في مكانه. لكنه فعل، وتأكد من استغلال شل حركة خصمه. أطلق الإسفين الذي كان يتحكم به عن بُعد ليبقى في الخلف، ليحلق مترافقاً مع أكبر عدد ممكن من الأشواك استطاع خلقها دفعة واحدة.
اصطدم الإسفين بالرضفة بقوة أطاحت بجوليوس لأكثر من اثني عشر قفزة بعيداً. مع ذلك، حرص على المراقبة بإدراك مكاني وظل راضياً عن النتائج. لقد أتى العمل الذي انجزه ثماره عبر الطرق المتواصل للمعانقة وإضعاف بنيتها الهيكلية. ونتيجة لذلك، انتزعت رضفة العملاق تماماً وهوى الكائن، محاولاً بيأس الحفاظ على توازنه مستعيناً بأسلحته. منح جهده المضني لحظة مجد قصيرة قبل أن يقفز مجدداً نحو العملاق بابتسامة متوحشة.
لم يقصد رأسه أولاً رغم بلوغه متناوله؛ بل استهدف الترس الذي يتكئ عليه، فوجه ضربة فائقة القوة إلى الرسغ الماسك به. المسخ الذي غابه الذهول جراء ما جرى لم يدرك ما حدث إلا فوات الأوان. نجح في انتزاع الترس وبعثه طائراً بعيداً في الأفق بدفقة سريعة من الطاقة الحركية. حاول فعل المثل مع السيف تالياً، لكن العملاق تمكن للأسف من التلويح به نحوه قبل أن يفلح. رغم ذلك، وقع المحتوم؛
كانت ساقه ملقاة عبر الكهف ولم يعد ترسها يشكل خطيئًة. راقب بحذر العملاق وهو يكافح للوقوف على ساق واحدة ممسكاً بسيفه وموجهاً نصله نحوه. ومضت العلامات الحمراء حول المخلوق باهتة، وبدا أن أي ضرر ألحقه بشارته لن يصلح نفسه قريباً. لقد تلاشت الهالة التي بثها سابقاً، وبدوا بغيابها وكأنه يثير الشفقة؛ إذ حلت الهيمنة والقمع ليحل مكانهما الهزيمة والسكينة. استطاع جوليوس تبين حقيقة أن ما كان يدعم جسده لم يعد نشطاً حتى بضربة الأخيرة؛
فقد كاد الرسغ المضروب ينفصل بضربة واحدة. بيد أن شيئاً من القتال ظل مرسوماً في عينيه؛ فاختفت نظرة الازدراء وبقيت ومضة الغضب. لم يكن بحاجة لدعوة ثانية، وسرعان ما لبّى الطلب بسرور لإنهاء الأمر نهائياً هذه المرة. بمظهر منذر بالشر، تقدم نحو العملاق بينما يحوم إسفين مانا آخر فوق كتفه كمقصلة موت. حاول المسخ بذل جهد أخير لصدّه بلا جدوى؛ فبدون ترس ولا ساق وباتت شارة معطلة، انعدمت تماماً سبل الدفاع.
حطّم جوليوس السيف جانباً وغرس شوكة في صدر المخلوق، لتتحول درع الحجارة التي اتسمت بالصلابة سابقاً إلى مجرد حجار عادية تتهافت قبل الهجوم. تفقد المانا على عجالة ليدرك تبقي أقل من ربعها، وهو ما اعتبره كافياً لما أراده. لم يرد المجازفة بامتلاك الكائن هجمة انتحارية ما، فاستدعى بفكرة عابرة أكثر من دزينة أشواك فوق رأسه. راحت النزعات الزرقاء النابضة من النيران وطاقته الحركية ترقص بتهديد فوق كتفه، ثم وبأمر أخير، انطلقت صلية الأشواك نحو العملاق لتلتحم بوميض ساطع.
هزّ انفجار أصم أرجاء الكهف، وما تبقى حيث وقف العملاق سوى قبض السيف وبعض شظايا الحجارة.