لوّح يوليوس بقبضته في الهواء ورمق الإشعارات الواردة بابتسامة.
[عتاد الغموض: المستوى 8 -> المستوى 9]
[حاجز القطع: المستوى 16 -> المستوى 17]
شعر بالرضا أيضاً لتخلّصه من ذلك النمل بأسره. كانت تلك الكائنات مزعجة، لا سيما حين تبلغ أحجامها حجم كلب بودل كامل النمو. ألقى نظرة سريعة على مخزونه من المانا ليتبيّن مستواها وعبس قليلاً. استهلكت تلك الكرة الأخيرة قدراً معتبراً من طاقته. أكثر مما خطّط له، على الأقل. بيد أنّه رأى في الأمر مسعىً مجدياً. بات يمتلك الآن طريقة جديدة لصنع قنابله المُبتكرة. علاوة على ذلك، تبقّى لديه رصيد وافر.
في المرتبة الثانية، حاز قدراً كبيراً من المانا مقارنة بأقرانه، غير أنّ ترقّيه إلى المرتبة الثالثة ضاعف ذلك الحجم. وعلى الرغم من أنّ تلك الميزة لم تعد بالدلالة الساحقة التي كانت عليها في السابق، إلّا أنّها ظلت ضخمة. وفي اللحظة التي همّ فيها بالجلوس والاسترخاء، شعر باهتزاز يحيط به. كأنّ الصدع بأكمله قد أحكم قبضته عليه ثم غرق فجأة في سواد دابس. ولحسن الحظّ، لم تنقضِ سوى لحظات معدودات قبل أن يستعيد بصره.
ما عاد واقفاً على قمة التل. صار يقف الآن في كهف مغلق مترامي الأطراف. لم يكن السقف مرتفعاً، ووجد نفسه مُتمركزاً في قاع وعاء هائل.
قال متذمّراً: "أجل، كنت أعلم أنّ الصدع لن يتقبّل طريقتي في إنهاء تلك الموجة الأخيرة، لكنّ هذا مبالغ فيه. لقد وضعوني حرفياً في حفرة موت".
لقد منحه التل ميزة تكتيكية ما، أمّا الآن فهو يقبع في قعر وعاء منحدٍ يشكل الهدف الأبرز لكل من فيه. ومع ذلك، لم يكن ليجلس في الحفرة مستسلمأ ليبدأ الهجوم وهو في وضعية مكشوفة بالكامل. كلا، سيبذل وسعه للوصول إلى الحواف المرتفعة للوعاء. أو هذا ما كان ليفعله لو استطاع. وما إن حاول صعود المنحدَر نحو الجهة المقابلة حتى شعَرَ بمن يمسك به. كأنّ أحدهم سيطر على أطرافه كافة فبات عاجزاً عن تحريك شبر واحد.
وكأنّ تقنيته الحركية الخاصّة باتت تُستخدَم ضده. لم يملك إلّا أن يتنهّد دهشة. أكان الصدع جاداً في مسعاه لتقييده إلى هذا الحد؟ ما الذي اقترفه؟ لقد عجز حتى عن إعادة تموضع نفسه ليغادر أسوأ نقطة ممكنة. واكتشف أنّه قادر على الحركة طالما أنّه لا يحاول صعود المنحدَر. لذا، اكتفى بالجلوس والتأمّل. لعلّه يستغل الوقت لاستعادة أكبر قدر ممكن من المانا. ساوره شعور سيئ بأنّ الموجة القادمة ستكون أشدّ صعوبة بمراحل من سابقتها وما سبقهما مجتمعتين.
* * *
فكّر في سرّه وهو يحدّق في الحشود المتناسلة أمامه: "أجل، أنا في ورطة عارمة".
بطبيعة الحال، لم يشأ الصدع أن يرحمه ويمنحه وحشاً آخر يقاتله. كلا، لا بد أنّه استشعر مقته، فأرسل نحوه مجدداً جيشاً من النمل. لكن مقابل كل عشرة نملات ضعيفة، استشعر وجود نملة واحدة على الأقل من المرتبة الثالثة ترافقهن. ومما زاد الطين بلة، وجد نحو نصف دزينة من الحشرات الضخمة التي تمايزت عن البقية. لقد راهن بكل قطعة طعام في خاتم تخزينه على امتلاكها مفهوماً واحداً على الأقل.
أجل، كان واثقاً من ذلك. الصدع يستهدفه حصراً، ولا يُعقل أن يتمكّن شخص عادي في المرتبة الثالثة من مجابهة كل تلك الوحوش. ولعل مردّ ذلك محصور في أدائه حتى الآن. يا له من صعوبة غبية، لماذا يجب أن يكون الأمر عسيراً إلى هذا الحد؟
مجرد وسم شيء بـ«الصعب»
لا يعني وجوب أن يكون كذلك فعلاً. لعن الصدع مجدداً في دخيلته. من الأفضل أن ينال مكافأة مُجزية نظير إنجاز هذا التحدي. وإن لم يفعل، فهو جادّ في محاولة تدمير هذا الصدع نهائياً إن كان كل ما سيجنيه في النهاية سيفاً لامعاً غبياً. مرة أخرى، لم يكن مبالياً بالموت أو ما شابه. النمل كان مخيفاً، لكنّه لم يخرج عن حدود توقعاته. كل ما أيقنه هو استحالة خروجه من هذا المأزق من دون استنزاف رصيد هائل من المانا.
فالخصوم كثر، وغابت تماماً أيّ سبل للانسحاب الآمن لاستعادة طاقته. لا سماء يتوارى فيها، ولا حيلة يستدرجهم بها ريثما تتجدد طاقته. سرعان ما سيغرق في طوفان من تلك الوحوش. ومناسبة القول، لم ينتظر النمل الغبي منه حراكاً، بل انقضّوا عليه فور تناسلهم. ولم يملك يوليوس إلّا أن يتنهّد وهو يقتحم المعركة. لن يلجأ إلى قنابله المكتشفة حديثاً إلّا عند الضرورة القصوى. سيحاول الفتك بتلك الكائنات التحاماً بالحرب للحفاظ على أكبر قدر ممكن من المانا.
وفي الجانب المضيء، ستكون فرصة سانحة لتطوير مهارات جسده. اندفع خاطفاً نحو مجموعة عشوائية من النمل. لم تردعه فكوكها الحادة كالشفرات. فعّل [التعزيز الحراري] و[الزيادة الحركية]، مع حرصه على كبح الأخيرة في هذه اللحظة، مُحافظاً على توازن متقارب بين الاثنين؛ فتلك المهارة الأخيرة كانت الأعلى استهلاكاً للموارد بطبيعة الحال. ومع ذلك، لم يكن للنملة حظوة أمامه. مزّق ثلاثاً منها بثلاث ضربات.
سحق جماجم اثنتين وتهشّم حلق الأخرى في غضون ثوانٍ. وحين حاولوا محاصرته، أطلق موجة مركزة وقوية من المانا، تكفّلت بالقضاء عليهم بيسر وفاعلية. تمنى لو واصلوا تلك الاستراتيجية لأنها صبت في مصلحته. بيد أنّه بدا وأن الصدع أو النمل أدركوا ذلك فتوقفوا عن تطويقه، مما أثار استياءه. تمثلت ميزته الكبرى في ضخامة النمل لدرجة أعاقت بعضهم عن بعض، فلم يتمكن سوى نفر قليل من مهاجمته دفعة واحدة.
فجأة، لمّح وميضاً أبيض ساطعاً يهوي كالرمح من السقف. استخدم [خطوة الوميض] لتفاديه ومحاولة تعقب مصدر الهجوم. أطاح بعدة نملات أخرى في غمرة ذلك دون أن يستشعر شيئاً. ولم يدرك الأمر إلّا حين أصابته شظية من الخلف هزت توازنه قليلاً، ليستشعر نبضة مانا من السقف مجدداً. اقتفى أثر المانا سريعاً ليصل إلى إحدى النملات الضخمة المتقوقعة في الخلف. كانت عيناها تتوهجان ببيَاض ناصع وهي ترمقه بنظرة لم يجد لها وصفاً سوى الاستخفاف.
ولأنه غلبه الشعور بالغيظ، وجّه يوليوس وهجاً خاطفاً من المانا نحو تلك النملة المحددة. جهل ما إذا كانت الملكة؛ فقد تماثلت تماماً مع البقية. ولم يفاجأ حين تشكّلت طبقة سميكة من المانا محيطة بها. اخترق الوهج دفاعاتها، لكنه خفت بما يكفي لتتمكن النملة السريعة من تفاديه قبل وقوع ضرر فادح ولتتوارى خلف بقية رفاقها. حرص يوليوس على رميتها بنظرة استهزاء مماثلة قبل أن يعيد تركيزه نحو حشد النمل الراغب في التهام وجهه.
وكما ذكر، لم يكن في مأزق حقيقي بعد. فقد كفاه [حاجز القطع] ومهارات التعزيز لحمايته ضد نمل المرتبة الثانية الضعيف هذا. ولم يجد أي داعٍ لاستخدام مُبتكراته بعد. ذكّر نفسه بالحفاظ على تركيزه بعدما تشتت لانقضاض نملة من المرتبة الثالثة عليه من الخلف. خلفت خدشاً طفيفاً اخترق دفاعاته، بيد أنه لم يكن جسيماً. بدا سطحياً لدرجة دفعته لتجاهل مداواته. لكنه حوّل جل اهتمامه نحوها واقتفى أثرها قبل أن تكرر فعلتها.
وبدفعة من السرعة، شق طريقه عبر نصف دزينة من النمل ليقف وجهاً لوجه أمام تلك النملة. حاولت التراجع عقب محاولتها، لكن يوليوس لم يمنحها الفرصة. قبض عليها من فكيها أثناء محاولتها عضّه، وبينما ركل النمل المتجمهر بعيداً، انتزع الفك السفلي للوحش من وجهه بزمجرة. ثم غرس بعضاً من مفهوم الححدة في ذلك الفك وقذفه نحو أقرب نملة باندفاعة سريعة. اخترق صدر النملة واستقر في جسد النملة التي خلفها بصوت ارتطام مكتوم.
واصل وتيرته. لم يبدِ أي رحمة، وبدا وحشياً في طريقته لتمزيق تلك الحشرات المقيتة. كثيراً ما استخدم النمل ذاته أسلحة للقذف وتروساً للحماية. غرق في غشية قتالية. استوى الأمر إن كانوا من المرتبة الثانية أو الثالثة، فقد سُحقوا جميعاً تحت قبضاته على حد سواء. وفي زاوية عقله، أدرك أنّه يستنزف قدرته على الاحتمال والمانا إلى حد ما، غير أنه كان منشغلاً بالمعركة لدرجة أعاقت اهتمامه.
أحس بابتسامة مجنونة تعلو محياه كأنه عاصفة موت دموية. كان يُجري تحسينات متواصلة على مهارات تعزيزه، وفي الخلفية، أيقن بوجود إشعارات عدة معلقة بالفعل. بيد أنه وبينما استغرق في القتال، بدأ يستشعر شيئاً آخر. شيئاً أثار حماسته بشدة وأجبره على استخدام [حكيم الوحشية] للغور أعمق في ذلك الإحساس. بدا العالم كأنّه يتباطأ مع تزايد وعيه بكل لكمة وضربة يسددها. أدرك تماماً لحظة تجميع طاقته الحركية ومن ثم إطلاقها، وتأثير ذلك في دكّ خصومه حتى يحيلهم عجينة.
بدت طاقته الحركية شديدة الانضباط والانفجار. ساكنة لبرهة ومصمتة للأذن في التليها. وفي تلك اللحظة بالذات، بلغ مرتبة التجلي التي طالما بحث عنها. بدت ضرباته أقل بساطة وأكثر انفجاراً. وكأنها ترددت وانصبّت في خصومه كموج مدّي لا ينقطع.
ابتسم لنفسه مدركاً: "هذا هو".
سدّد لكمة محطمة نحو إحدى النملات الضخمة وشعر بطاقته الحركية تهتز عبر جسدها في سلسلة من الموجات. كانت ضربة أقوى بكثير مما يفترض بناءً على كمية المانا والطاقة الحركية المُستخدمة فيها. في لحظة تواجدت النملة، وفي اللحظة التالية اختفت برمتها في وميض من الدم الأصفر المتفجر. وكأنها تهشمت من الداخل. وحين أمطرت دماء الوحش ولحمه من السماء عليه، استوعب أخيراً ما فاته ولم يملك إلا أن يجهش بالضحك بصوت عالٍ.
[تهانينا، لقد اكتسبت مفهوم القوة: الانفجار المتردد]