صادف المزيد من الأرانب في طريقه. لم يستطع أي منها إحداث خدش في حاجزه، بل لم ينجُ واحد منها من الاصطدام. أدرك أن هذا يُبطل غاية توغُّله، فتوقف عن استخدام [أسلحة الغموض]. بل إنه فرض قيداً على استعمال أي مهارة لا ترتبط ارتباطاً مباشراً بـ[التمكين الحراري]. وحين طار الأرنب التالي نحوه، لم يقِم حاجزه، بل ركّز على حركاته بحدّة بالغة. كان سريعاً، لكن جوليوس خبر هجمات أسرع من قبل.
استخدم [التمكين الحراري] لتعزيز جسده فحسب. وانبعثت النيران من المهارة حول جسده هالةً ناعمة التوهج. أحجم عن استخدام [تعزيز الحركية] في الوقت الحالي. كان يعلم أنه سيضطر عاجلاً أم آجلاً إلى مزج الاثنين وأراد دمجهما، لكنه أراد في هذه اللحظة أن يرى ما تستطيع هذه المهارة الجديدة فعله. أرسل دفقة من مانا النار إلى ذراعه، فزاد من سرعته وسمح له بالكاد بالتقاط الأرنب من قاعدة قرنه قبل أن يطعنه في وجهه.
أطلق تنهيدة ارتياح لكنه لم يستطع إلا أن يلاحظ الخفقان المدمِن في صدره. لقد افتقد هذا. لم يكن التدريب بلا خسائر ولا مخاطر ممتعاً مثل هذا الأمر. على الأقل، بهذه الطريقة، لو أخطأ لَعُوقب على خطئه. شعر بمانا الريح المحيطة بقرنه وهي تقطع يده لكنه تجاهلها. كان بإمكانه دائماً شفاؤها. ومع ذلك، قبل أن يقتله، كبح نفسه. كانت لديه فكرة أفضل. رمى الأرنب بعيداً عنه وتركهم يتهاوى عائداً إلى قدميه.
رمقه الوحش بنظرة حائرة، لكن ذلك لم يجعله إلا يبتسم. أشار نحو الأرنب بيده الملطخة بالدماء، داعياً إياه للهجوم مجدداً. لحسن الحظ، حتى لو كان على الأرجح لم يدرك أفعاله، فقد قرر الهجوم مرة أخرى. هذه المرة، تنحى جانباً وحاول الإمساك به من صدره وهو يمر به. كان ذلك أصعب من الإمساك به وجهاً لوجه فأخطأه بشعرَة. وتلقى قطَعاً آخراً في يده بسبب إخفاقه. لم يكن الأرنب ذكياً بأي حال، لكنه كان مثابراً.
واصل مهاجمة جوليوس بلا تردد، منطلقاً بنفسه مراراً وتكراراً. نحو النهاية، أصبح أفضل بكثير في انتزاع الوحش الصغير السريع من الهواء. وتعلّم أيضاً كيف يتلاعب بمانا النار المنبعثة من مهارة [التمكين الحراري] ليصنع طبقة متصلبة من مانا النار منسوجة في جلده. كان الأمر شبيهاً جداً بطريقة استخدامه لـ[أسلحة الغموض] لصنع حاجز رقيق كالجلد على نفسه، لكن على عكس تلك المهارة الملحمية، لم تبدو هذه الطريقة مقيِّدة أبداً.
كانت إحدى سلبيات صنع الدروع أو الحواجز الرقيقة على نفسه بـ[أسلحة الغموض] هي التصلب البسيط الذي كان يشعر به كلما تحرك مستخدماً إياها. كان الأمر يشبه محاولة الجري ببنطال من قماش الجينز. بدت هذه المهارة الجديدة كارتداء قماش بوليستر. لكنها كانت تحميه بشكل أسوأ بكثير من مهارته الأخرى. لقد أحرز بعض التقدم الجيد على الأقل. في رأيه، كان يحرز بالفعل تقدماً في مهارته الجديدة أفضل من الأسبوع الماضي حين كان يستخجمها مع ريتشارد فحسب.
وبدت الإشعارات موافقة لرأيه أيضاً.
[التمكين الحراري المستوى ٣ -> المستوى ٥]
بدا أن انففرجته الصغيرة المتمثلة في استخدام المهارة لتصلب جلده ساعدته في الحصول على مستويين دفعة واحدة. نظر إلى حيث كان الأرنب مستلقياً على ظهره، وقد نال منه الإرهاق تماماً. لقد ظل يحاول قتل جوليوس إلى أن بات عاجزاً عن الحركة من شدة التعب. لكن الآن وقد انتهى أمره تماماً، بدا لطيفاً نوعاً ما. كان لسانه الوردي خارجاً من فمه وهو يلهث بعينين نصف مغمضتين. لم يقتله، كلا، كانت لديه فكرة عبقرية أخرى.
جمع الأرنب بين ذراعيه وتوغل أكثر في الغابة مبتسماً. *** كان هناك الآن ثلاثة أرانب أمامه. كان الأرنب الأصلي، ذاك الذي تعب، الوحيد الذي كان ينظر إليه بهدوء. كانت خطته تقتضي إيجاد زوج آخر من الأرانب لمساعدته في التدرب. وقد كان ذلك سهلاً للغاية نظراً لـ[إدراكه المكاني] وميل الأرنب لمهاجمة أي شيء تراه العين. كانت الأرانب الجديدة لا تزال مقيدة بالطاقة الحركية، لكن الأرنب الوحيد الهادئ لم يكن بحاجة إلى ذلك أبدت.
كان يحدق فحسب في جوليوس كأنه ينتظر منه فعل شيء. ومنذ أن استيقظ، لم يحاول مهاجمته مرة واحدة قط. سلوك مغاير تماماً لما سبق. لعدم درايته بما يصنع حيال ذلك، أشار إلى الأرنب بالطريقة ذاتها التي فعلها من قبل. ومع ذلك، لم يبدِ أي تحرك للهجوم. أما أصدقاؤه، من جهة أخرى، فلم يطيقوا الانتظار لنيل قطعة منه. كانوا يشحنون قرونهم بالمانا ترقباً. وشعوراً بالحيرة نوعاً ما، قرر معرفة ما سيحدث إن أطلق سراحهم جميعا.
ولم يكن مفاجئاً له أن الأرانب القاتلة الجديدة انطلقت نحوه بقرون متوهجة مستهدفة مواضع مقاتله. تردّد الأرنب الأصلي لحظة قبل أن ينضم إلى أصدقائه. ومع ذلك، لاحظ جوليوس أنه لم يكن يشحن قرنه كالسابق ولم يتحرك بالسرعة ذاتها أيضاً. انشغل بهذا لدرجة أنه رغم إمساكه بأحد الأرانب، فإنه أخطأ تماماً في الثاني. ليُطعن تماماً فوق قلبه مباشرة. كان بإمكان جوليوس إيقافه بمهاراته الأخرى، لكنه كان مهتماً إلى حد ما بنوع الهجوم الذي يملكه.
لذا سمح له بإيذائه لكنه حرص على فحص الأمر بالتفصيل. وما كان مثيراً للدهشة بعض الشيء هو الشحنة التي أُطلِقت بمجرد اتصال القرن. موجة ضخمة من مانا الريح اندفعت عبر كففه ومزقت فجوة هائلة في الجزء العلوي من جسده. ولم يكن جلده المتصلب قادراً على الحماية ضدها. قفز الأرنب، بمجرد إطلاقه للشحنة، عن صدره وأزال القرن من صدره معه. لقد أُذهل لسرعة تفعيل مهارة شفائه. بدت [تجديد العنقاء]
متوافقة مع جسده بدرجة أكبر بكثير. والدارات التي حلّت محل نواته حسّنت كفاءة وفعالية المهارة بطريقة مروعة. ورغم أن جسده تطلب مانا أكثر للشفاء، إلا أن كفاءة الشفاء وازنت الأمر وأكثر. التلت الفجوة في صدره في غضون ثوانٍ معدودات. توقف الأرنب الأصلي حين لاحظ تعرضه للأذى وبدا وكأنه… قلق. ومع ذلك، حين رآه سليماً تماماً، بدا حائراً للحظة قبل أن يهاجمه. وفي هذه المرة كان منتبهاً واستطاع الإمساك بالأرنب في يده المعززة.
وكان أكثر لطفاً معه بكثير. رفع الأرنب إلى وجهه ولم يلاحظ أي ضغينة خلف نظرته بعد الآن. أمر غريب… استمر في السماح للأرانب بمهاجمته في جنون. ولم يتوقف إلا بعد أن اكتسب مستوى آخر في [التمكين الحراري].
[التمكين الحراري المستوى ٥ -> المستوى ٦]
وحين فعل، غادر المنطقة بينما تبعه الأرنب الأصلي كأنه أليف. قتل الأرانب الأخرى بسهولة، لكنه لم يستطع حمل نفسه على قتل هذا. ولم يحاول جلبه معه، بل تبعه من تلقاء نفسه على مسافة آمنة. تجاهله في الوقت الحالي، ويمكنه تقرير ما سيبيّته بعد أن ينتهي. وأخيراً، استشعر وحشاً آخر بالقرب. وهذه المرة، لم يكن أرنباً صغيراً البتة. كلا، بل كان مخلوقاً ضخماً مفتول العضلات ويبدو مستعرًا.
لقل إنه دب، لكن في آخر مرة تفحص فيها الدباب لم تكن تمتلك ذيولاً طويلة وبالتأكيد لم تكن تمتلك رأسين، ومع ذلك بدت شبيهة جداً به. أول ما لاحظه بعد ذلك كان ذلك الشعور الأرضي العميق الصادر عنه. وأدرك فوراً أن هذا الوحش يمتلك مفهوماً خاصاً به. حدّث جوليوس وعياً خطورة هذا الوحش إلى مرتبة أعلى. لقد تعلّم أن الفئة الثالثة لم تكن تشكل هذا القدر من التهديد ما لم تمتلك مفهوماً تقاتل به.
لم يبدو أن الوحش يمتلك ذلك الإدراك العظيم، حتى مع مجموعة إضافية من العيون والآذان. استطاع المشي نحوه واقترب كثيراً قبل أن يتمكن من استنشاقه. استدار وراقب جوليوس بهدوء بينما كان الوحش الضخم يزمجر في وجهه. كانت عضلاته المنتفخة محملة مسبقاً بمفهومه وماناه. ومن جهة أخرى، لوّح جوليوس له مبتسماً. لابد أن مخلوق الدب الوحشي قد ظن أن جوليوس يسخر منه لأنه انطلق فوراً وبدأ في شحن جوليوس.
لم يكن سريعاً جداً، لكنه كان أسرع بكثير مما قد يتوقعه جوليوس من شيء بحجمه. وقد وصل إليه في غضون لحظات. ورغم أن حدسه أخبره بأنه لن يفوز في مسابقة قوة بحتة، فقد قرر اختبار قوة فئته الثالثة المكتشفة حديثاً على الدب. خطى إلى الأمام وحاول صد الضربة المدمرة للوحش بمرفقه. وكانت مهارته الجديدة هي الشيء الوحيد الذي يعزز جسده. كان واضحاً القول إنه خسر تلك المنافسة بشكل سيء للغاية.
مزقت مخالب الوحش شبيه الدب جلده المتصلب حديثاً وضربته في صدره. وأُرسل طائراً إلى الوراء حتى توقف أخيرًا عندما اصطدم بشجرة مجاورة. حسناً، هذا يجيب عن الأمر، تمتم لنفسه. سواء رقى قدراته البدنية أم لا، لم تكن مواجهة وحش متخصص بوضوح في القوة البحتة وجهاً لوجه فكرة جيدة. خاصة عندما لا يكون مستخدماً لمهارته الأساسية لتعزيز الجسد. ومع ذلك، وجد نفسه يبتسم وهو يعود للوقوف.
كانت جروحه قد التئمت بالكامل تقريبا وهو يحدق في الوحش الذي كان يشق طريقه ببطء نحوه. ربما ظن الوحش أن القتال قد انتهى بالفعل وكان يتوقع الاستمتاع بوجبة. لذا، فوجئ عندما رآه واقفاً بلا إصابات. ولم يدعه جوليوس يرتاح، بل اندفع بسرعة نحو الوحش. لمجرد أنه لن يستخدم بعض مهاراته، لم يكن ذلك يعني أنه سيتعامل معه بسهولة بالغة. فهو ما زال يخطط لقتل هذا الشيء بعد كل شيء. لقد تعلم درساً من خطئه الأخير، فانحنى تحت الضرب العشوائي للدب ذي الرأسين وسدد ضربة متقنة في خطم الوحش.
واشتعلت النيران من قبضة جوليوس وهو يحاول بذل قصارى جهده لحرق الوحش كأثر جانبي. لكن ذلك لم ينجح حقاً. أولاً، لم تتسبب النيران في ذلك القدر من الضرر. كان الأمر أشبه بأنه أحرق الوحش قليلاً فقط. ثانياً، لم تبدُ الضربة فاعلة في إحداث شيء يُذكر إلا إثارة غضبه بدرجة أكبر. زأر في وجهه وبذل قسارى جهده لتشويهه. واضطر جوليوس إلى استخدام بضع [خطوات وميضية] لتفادي الضربات القريبة لكنه استمر في محاولة كيل الضربات للوحش مستخدماً [التمكين الحراري]
أساساً لمهارته الهجومية الوحيدة. لم ينجح الأمر بشكل جيد بالنظر إلى أن المهارة كانت لا تزال في المرتبة غير الشائعة، لكنه شعري بأنه يكتسب الكثير من الخبرة عند استخدامها. على عكس التدريب مع ريتشارد، كان يجري طوال الوقت تعديلات طفيفة على طريقة استخدامه لها بسهولة أكبر. أصبحت كل ضربة أكثر حدة بقليل وأكثر قوة بقليل. وكان منغمساً تماماً في التدفق وحرص على الاستفادة القصوى من ذلك.
تلقى عدة جروح واسعة مزقت جلده وضربات كسرت بعض العظام، لكنه واصل أمطار الكمات قدر المستطاع. كان دفاع هذا الشيء مثيراً للإعجاب، خاصة أنه كان يستخدم مفهومه شبه كامل لتعزيز بسالته البدنية. لكنه حرص على رد الكيل عشرة أضعاف مقابل كل ضربة تلقاها. كانت مشاجرة مباشرة بين الاثنين. كانت قذرة وفوضوية، لكن جوليوس أحب كل ثانية منها ووجد نفسه يضحك.