بدا واضحا لجوليوس أن رينيرا قدمت إليه المنارة بوصفها نوعا من الاعتذار. أرادت غالبا إخباره بقدرته على تشغيلها وقتما شاء. غير أنه بدا واضحا تماما أيضا أن رينيرا لم ترغب في فعله هذا.
سأل: "ما زلت لا ترغبين في استخدامها".
لكن سؤاله جاء أشبه بتقرير حقيقة. ترددت. فكرت على الأرجح في إنكار الأمر. لكنها اكتفت بالإيماء برأسها. توقع هذا فلم يزعجه. ومع ذلك ظل سؤالا بحاجة إلى إجابة. سؤال احتاج هو إلى إجابته شخصيا. إلى أي مدى أراد حقا العودة إلى غولدنكريست؟ تمثلت الإغراءات الكبرى في رؤية أصدقائه والتأكد من علمهم بنجاته. خلافا لهذا لم يجد سببا كقوة لكي يعود. قال الشيخ هان كلاما لامس شيئا في داخله.
أشار إلى كيفية بناء الأكاديميات، وتحديداً تلك الشبيهة بغولدنكريست، حول الأطفال النبلاء ممن رسمت عائلاتهم درسا مرسوما لهم سلفا. لم يمتلك جوليوس شيئا كهذا حقيقة. مع أنه، للإنصاف، جعلت سماته من الصعب وجود مسار منظم أو رسمي يتبعه. لم تكن مجموعة مهاراته عادية تماما، بل شيئا لفقه نوعا ما من خبراته الخاصة. علاوة على ذلك، استمتع بجدة استكشاف مساره بمفرده. لقل المتعة كثيرا لو أنه اتبع بعض كتيبات الإرشادات لنيل مهاراته وقدراته.
هل قلل هذا من الكفاءة ربما؟ ربما. لكن غابرييل ودانتي أكدا له معا أن الأصالة أرجح قدراً للمسار من المثالية البحتة. وبالنظر إلى كونهما من أكثر الأشخاص إثارة للإعجاب ممن التقاهم حتى الآن، فقد وثق برأيهما في ذلك. ومع قَوْل هذا، ظل هذا يعني حتما أن الدروس المتخصصة في غولدنكريست، خصوصا في السنة الأولى، ظلت محدودة. أدرك أن الطلاب الأكبر سنًا يحصلون على إمكانية الوصول إلى دروس وفصول متقدمة، أما بالنسبة إليه فلم يشهد جدوى كبيرة هناك.
اقتصر ما يستطيع المعلمون مشاركته مع الطلاب. حتى غابرييل اعترف له بتجاوزه الحدود المقبولة عبر التدريب معه في وقت فراغه. من ناحية أخرى، لولا ذهابه إلى غولدنكريست لما سنحت له الفرصة أبدا لمصادقة الآخرين. لما تسنى له لقاء ديكلين أو أوروس أو ري. لما نال مساعدة أليس أو دانتي. تعددت الأمور التي يستوجب الشكر عليها جراء حضور غولدنكريست. لكن إن كان صادقا مع نفسه، فشعر أن المدرسة قيدته بطرق عدة.
بينما امتلأت أيامه هناك بالمتعة المرحة، ظل عليه تذكر السبب الذي دفع به للذهاب إلى هناك من الأساس. ذهب إلى هناك لرغبته في أن يصبح أقوى. لذا بدا مهما أن يسأل نفسه أمراً. هل ستتيح له العودة صيرورة أقوى مما لو تخلف عنها؟ وليس هذا فحسب، بل بدا أن رينيرا أرادت المكوث هنا أيضا. اختلفت أسبابها قليلاً، لكن النسق العام تشابه مع ما لدى جوليوس. أراد هو القوة ليتحرر من أهواء أصحاب النفوذ.
بينما رغبت هي في تذوق طعم الحرية الذي حُرمت منه طوال حياتها. أدرك بعد تفكير عدم اختلاف أهدافهما كثيراً. إضافة إلى هذا، عندما رأى صديقته ترغب بيأس في شيء أمامها، صعُب تجاهل الأمر وازداد صعوبة قول لا له.
تمتم في سرّه ضاحكاً: "يبدو أن قراري قد حُسم بالفعل".
أعاد المنارة بصمت إلى رينيرا، متجاهلا نظرتها المتسعة بالدهشة.
قال بابتسامة ساخرة: "لا أرى سبباً يمنعنا من أخذ وقتنا واستكشاف الإمبراطورية في طريق عودتنا. لم أرَ الكثير من العالم أيضاً، لذا لا بد أن الأمر سيكون ممتعاً. أراهن على وجود أشياء مذهلة لتناولها على طول طريقنا كذلك".
بادلته ابتسامة مماثلة وأعادت المنارة إلى خاتم تخزينها بحركة سريعة.
* * *
في الصباح حين استيقظ، تمكن أخيرا من إلقاء نظرة على الإشعارات التي تلقاها الليلة الماضية. بدت الأمور محمومة لدرجة منعته من العثور على فرصة مناسبة للتفقد. لكنه فتحها الآن وقد أتيحت له الفرصة.
[عدة السحر المستوى 6 -> المستوى 7]
[تجدد الفينيق المستوى 3 -> المستوى 4]
[تمكين الإرادة المستوى 18 -> المستوى 19]
[الخطوة الخاطفة المستوى 9 -> المستوى 10]
حاز في الواقع أكثر مما تووقع. ومع ذلك، تحولت المعركة إلى قتال شاق، كأحد أصعب المعارك إن كان صادقا، لذا بدا ارتقاء بعض المستويات منطقيا. سيحتاج إلى التقدم إلى المستوى الثالث قبل إحرازه أي تحسينات كبرى أخرى. رغم ذلك، نجح [تمكين الإرادة] في الوصول إلى المستوى التاسع عشر. سرّ منظره، إذ تراجعت مهارة هالتها لتصبح مهارة هالة بحتة منذ حصوله على مهارات ومفاهيم ملحمية، وظلت رغم ذلك مهارة عظيمة.
عملت بتوافق شديد مع العزم العصي وتوقع تطورها إلى رتبة ملحمية دون عناء يذكر. هذا إن استوعبتها روحه أثناء بقائه في المستوى الثاني بطبيعة الحال. وهو أمر رآه مستبعدا للغاية.
* * *
سألته رينيرا بصراحة: "أمتأكد من أن بمقدورنا الوثوق به؟"، غير آبهة مطلقا بوقوف الشيخ هان أمامها مباشرة.
أجاب جوليوس بصبر: "نعم، تحدثنا عن هذا الليلة الماضية، ويمكننا الوثوق بالشيخ هان. أعلم أن لديك أحكاماً مسبقة ضده، لكن بناءً على ما رأيته، يجب أن نقبل عرضه".
رد الشيخ هان عليه بلسان لاذع: "لا تدعيني أوقفك أيتها الأميرة، يمكنك رفض العرض. لم يُقصد لأجلك من الأساس، بل لجوليوس، وأنت لست سوى أمتعته".
فرك جوليوس وجهه براحة كفه، لم يكن هذا الثنائي عدائيا كالعهد بهما لكنهما ظلا متنافرين للغاية تجاه بعضهما البعض. وذكّر نفسه بوجوب الاكتفاء بالامتنان لهذا فحسب. دار نقاشهما حول العرض الذي قدمه الشيخ هان صباح اليوم. تواصل مع بعض أصدقائه القدامى لمساعدة بعض الأطفال في العودة إلى حيث أتَوا. وفي هذه الحالة، سكنت عائلة أحد الصغار الأصغر سناً في إحدى المدن الرئيسية بالمنطقة، جنوب ستونوول تُدعى بلوماند.
ستمر عربة قريباً جداً لنقل الصبي الصغير إلى هناك وبإمكانهما ركوبها إن أرادا. لم تثق رينيرا بهذا العرض، لكن جوليوس رآه مثالياً. لم يمانع الركض نحو بلوماند بمفرده، لكن الاسترخاء داخل عربة بدا مريحاً أكثر بكثير. تعجب فقط لعدم حماس رينيرا الأكبر للأمر. لظن أنها ستفضل ركوب العربة بدل الركض هناك والتغطية بالعرق.
قال للشيخ هان موجها نظرة محددة نحو رينيرا: "لن ترفض".
قال الشيخ هان: "حسناً، في هذه الحالة، سنلتقي بالشخص الذي سينقل الطفل خارج البلدة مباشرة. لا أود المخاطرة برؤية أحد الحراس للولد".
"كيف سنفعل ذلك؟"
سأل الشيخ هان هازاً رأسه: "نحن؟ من قال إني قادم معكم؟"
رمقه جوليوس بنظرة جامدة.
فأخبر العجوز قائلاً: "أنت فعلت، قبل ثلاث ثوانٍ حرفياً. قلت إننا سنلتقي بالشخص".
"آه، لابد أنك سمعت خطأ. عليك التساؤل عمن هو العجوز هنا، أنا أم أنت".
رفض مجاراة ألاعيب الرجل. وفي غضون الفترة القصيرة التي عرف فيها الشيخ هان، كوّن جوليوس فكرة معقولة عن كيفية تصرف الشيخ هان. أحب التسبب بالتشويش والغموض عمداً. ربما وجد العجوز القوي في ذلك تسلية كبيرة. بدا ظاهرياً تسللهما مع رينيرا بالطفل عبر السفر في النفق السري الذي امتلكه الملجأ والمؤدي إلى خارج أسوار البلدة. وهناك سيلتقيان بمرافقهما. قبل مغادرتهما، حظي جوليوس بتوديع لائق من العديد من الأطفال الذين التقى بهم البهيمة البارحة.
حتى إبرام المتعجرف سابقاً أجرى انقلاباً كاملاً بزاوية مئة وثمانين درجة في سلوكه. صار ممتناً لمساعدة جوليوس الآن. لم يلمه جوليوس، فقد ساعد الصبي المراهق اليتيم في مهارة سلاحه وكيفية استغلال مانا الخاص به بشكل أكثر فعالية، مما كسب المراهق مستوى في مهارته. وبدا الأطفال الآخرون غير راضين بنفس القدر لرؤيته يرحل، وهو ما بعث على الدفء في القلب بصراحة. سعد لقدرته على ترك مثل هذا الأثر فيهم خلال فترة وجيزة كهذه.
وأمل بلقائهم يوماً ما، بغض النظر عن مدى استبعاد الأمر. بعد توديع مطول، غادرا أخيراً بينما أخذ الشيخ هان جوليوس جانباً لأمر أخير قبل توجههما أسفل النفق.
قال العجوز وهو يناوله بطاقة صغيرة: "خذه، خذ هذا".
بدت سوداء تماماً ومصنوعة من مادة فريدة لم يشهد جوليوس مثيلاً لها قط. ثقيلة وصلبة كالمعدن لكنها امتلكت ملمساً ناعماً جعلها تشبه القماش أيضاً.
سأل بفضول: "ما الغرض من هذا؟"
أجاب الشيخ هان بغموض: "لا تقلق، ربما لن تحتاج إليه، لكن احتفظ به في خاتم تخزينك فحسب. لن يضر امتلاكه".
لم يحاول جوليوس الجدال، بل أومأ برأسة وخزنها بهدوء. مع ذلك، لمح أثر خفيف للخذلان على وجه العجوز. توقع على الأرجح شعور جوليوس بفضول خارجي أكبر وقبول أقل للغرض.
"شكراً لكل المساعدة وآسف لإزعاجك بكل أولئك الأطفال".
تذمر العجوز: "آه! ليس الأمر بهذه الأهمية الكبيرة. أعتني بهذا الملجأ للسبب ذاته الذي ساعدتهم من أجله. لا علاقة له بك".
أخرج جوليوس رسالة كتبها مسبقاً وقال: "أه، بالمناسبة. لا بأس إن تعذر عليك فعل هذا، لكني أملت امتلاكك طريقة لتوصيل رسالة لشخص ما نيابة عني".
فصلت وضعه وكونه بأمان. وأمل قدرة الشيخ هان على إيصالها إلى أحد أصدقائه لأجله.
قال الشيخ هان وهو يأخذ الرسالة: "يتوقف الأمر على هوية من أمنحه إياها".
"ليلي فيوليت".
سأل الشيخ هان رافعاً حاجبيه: "... فيوليت؟"
أوضح جوليوس: "إنها صديقة جيدة يمكن الوثوق بها للتعامل مع الأمر".
أكده الشيخ هان: "سيكون هذا جيداً. كنت سأستفسر عن كيفية معرفتك بعبقرية آل فيوليت الصغيرة لكن بالنظر لكل ما حدث، لا يمكنني القول إني مصدوم للغاية بذلك".
ضحك جوليوس على ذلك قائلا: "مجرد حظ".
فتذمر الشيخ هان بطيبة خاطر: "أو سوء حظ".
هز جوليوس رأسه وضحك مجدداً قائلاً له وهو يستدير للمشي داخل النفق: "لا تمت قبل أن أراك المرة القادمة أيها العجوز".
ضحك الشيخ هان بسخرية وأردف بانزعاج: "هاها. أنا عجوز، لكني لست عجوزاً لدرجة السقوط ميتاً في أي لحظة".
وعَدَه جوليوس: "جيد، إذن أراك حول الجوار في المرة القادمة".
"ستفعل. لا تكن غريباً وحاول ألا تفعل شيئاً غبياً للغاية في هذه الأثناء حسناً؟"
استدار جوليوس ومنح العجوز ابتسامة أخيره قائلاً: "لا وعود".
* * *
منظور الشيخ هان راقب جوليوس وتلك الفتاة وهما يرافقان الصبي الصغير أسفل النفق. أدرك عدم صحة قسوته الكلفة على الفتاة لكنه عجز عن كبح نفسه. شابهت أقاربها كثيراً لدرجة صعوبة عدم ربطها بعائلتها. مع ذلك، فخر بجوليوس لكيفية دفاعه عن صديقته وأمامه. لم يقدر الكثيرون على الوقوف أمامه، خصوصا عند إدراكهم لهويته الحقيقية. باعتباره قائد طائفة سابقاً لطائفة الأبراج الساقطة، استمتع بالعديد من الامتيازات، بما فيها الاحترام.
أو بالأحرى من وجهة نظره... الخوف. شكل هذا سبباً رئيسياً لتقديره لما يفعله الآن. لم يعامله الأطفال كشخص منيع، بل عاملوه كجد حانٍ. شكل الأمر راحة من نواحٍ عديدة، إذ قل الضغط والمسؤوليات، واستمتع بسنوات الشفق من حياته الآن.
سأل من ظل قريب: "ما زلت ترغب في أن أتبعهما؟"
أخبر الظل قائلاً: "نعم، وتأكد من عدم مواجهتهما لأي مشاكل سخيفة على طول الطريق".
تساءل الظل: "لكن إن حدث لقاء مع شخص قوي لكنه ضمن قدراتهما للتعامل معه فتريد مني الابتعاد؟"
"بالطبع، فهما صغاران. دعوهما يختبران بعض المصاعب. أشك في إيجادهما لرحلتهما للعودة إلى هيستون سهلة. أستطيع جزم كون الفتاة مغناطيساً للمشاكل وقد يكون الصبي أسوأ إن كان ذلك ممكناً. تدخل فقط إن ظهر شيء يفوق قدراتهما، أمتفهوم؟"
"حسناً يا سيدي. سأتبع تعليماتك".
أومأ الشيخ هان للظل. خمن مسبقاً عدم استخدامهما لمنارة التتبع التي امتلكتها الأميرة يقيناً. ولو حدث لفعلاها من الآن. وبدا توجههما لاستكشاف المناطق الشمالية الشرقية للإمبراطورية بمفردهما. ولم يعارض اختيارهما أيضاً. فشكل تجربة جيدة لهما، وربما يحصدان الكثير نتيجة لذلك. ولم يتوقع صغيرا السن مصادفة الكثير من المتاعب كذلك. ومع ذلك، بالنظر لاختيار جوليوس مقاتلة مستوى رابع بناء على إرادته الحرة، فلم يشعر بثقة كبيرة تجاه هذا الافتراض.
ذكّر الظل قائلاً: "بالمناسبة، أعلم أني أخبرتك من قبل، لكن تأكد من البقاء مختبئاً بمهارتك. يمتلك جوليوس نوعاً من مهارة الوعي المكاني وسيكتشفك لحظة خروجك منها. أشك في تحول الأمر لمشكلة إن اكتشفك، لكن ما زلت أفضل عدم رصدك".
"لا تقلق، لن أستهين بالصبي".
فقال مؤمئاً: "جيد".
يبدو هذا الجيل مثيراً للاهتمام حقاً. وأتساءل إلى أي مدى سيمضي بعض هؤلاء الأطفال. رغم ذلك، ومجرد بناء على ما شاهده حتى الآن، اعتقد أن جوليوس قد يكون أحدهم ممن فصلوا أنفسهم حقاً عن البقية. أو سيقود الصبي نفسه نحو الهلاك. لن يوجد خيار وسط. شاهد العديد من الفتيان الشبيهين بجوليوس، وانتهى مطافهم جميعاً باستثناء قلة نادرة ميتين في غضون سنوات.