كان حدسه يملي عليه اختيار [التعزيز الحركي]. لم يكن راضياً عن اعتماد غرائزه في توجيه خيارات مهاراته حتى الآن، لكنها لم تضله قط. مبروك، اكتسبت مهارة [التعزيز الحركي] (غير شائعة). تجرّع المرارة واختار [التعزيز الحركي]. عادةً، عندما يتعلم مهارةً ما، كانت تفاصيل كيفية استخدامها ترتَسخ في داخله. هذا جعل التفعيل أسرع وأسهل بكثير. ومع ذلك، بدا أن [التعزيز الحركي] ليست كباقي المهارات العادية.
توقع جوليوس أن يتعلم كيفية توظيف المانا الحركية لتقوية جسده، لا هذا. بدأ الأمر كتدفق دافئ من الطاقة الحركية يغمر جسده، شعور جيد. لبضع ثوانٍ على الأقل. ثم صار الأمر كأن نملاً نارياً يزحف صعوداً وهبوطاً على جسده. لم يؤلم في البداية، كان مزعجاً أكثر من أي شيء آخر. بيد أنه سرعان ما شعَر كأن النمل بدأ يأكله من الداخل إلى الخارج. كانت حمم بركانية منصهرة تُمزّق عروقه، وبدا هيكله العظمي بأكمله كأنه يتحطم ويُعاد بناءه من الصفر.
حاول جوليوس قدر استطاعته ألا يصرخ بصوت عالٍ، لكن الألم كان أطغى من أن يتحمل. حشر قميصه الملطخ بالدماء والمتسخ في فمه ليكتم صرخاتـه. لأي ناظر، لَبَدا جوليوس كمن يُجرى له طرد روح شريرة. التوى ظهره وتقوس إلى الوراء، بينما كان يخدش الصخور متلوياً من الألم. حاول استخدام [الاستعادة] لكن الألم تضاعف بدرجة أكبر وتوقف بسرعة. لقد كان أسوأ ألم اختبره بفارق شاسع، تحطم كيانه بأسره وأُعيد تشكيله أمام عينيه مباشرةً.
رغم ذلك، استطاع جوليوس أن يشعر بجسده يزداد قوةً ومرونةً وكثافةً. المثير للاهتمام، أنه خلال تلك اللحظة العابرة حين فعّل [الاستعادة]، استطاع أن يشعر باستجابة جسده لها. ازداد الألم، نعم. لكن العملية تسارعت واستخدمت الطاقة التي وفرتها [الاستعادة] لإحداث مزيد من التحسينات في جسده. عارضت السرعة وتيرتها السابقة سريعاً، لكن جوليوس انطببع في ذهنه أن [التعزيز الحركي] تريد المزيد من مانا الحياة.
وكأنها عندما تذوقت طعمها، أرادت المزيد. تجمد وبدأ يتأمل. عَرَف أن هذه قد تكون نقطة مفصلية في تقدمه. أسيستمر في اتباع المسار القياسي؟ أم سيخاطر؟ لم يكن لديه أي دليل يدفعه للاعتقاد بأن استخدام [الاستعادة] سيعطيه نتائج متفوقة. مع ذلك، عرف يقيناً أنه سيتسبب له بألم أكبر بكثير. لم يتردد جوليوس حتى. في هذا العالم، القوة تعني الحرية. أصبح واضحاً لجوليوس أنه بحاجة لأن يصبح أكثر قوة إن أراد يوماً أن تكون له كلمة مسموعة.
لحظة من الألم في مقابل احتمال ضئيل لحياة كاملة من الحرية؟ كان خياراً سهلاً. فعّل [الاستعادة] فوراً، مغذياً [التعزيز الحركي] بأكبر قدر استطاعه من مانا الحياة. لم يكن الأكثر موهبة، فقد أقرّت بذلك قدراته الكامنة. عظم إنجازاته كانت بفضل ذكرياته السابقة. أدرك أن هناك بعض الخيارات لاكتساب القوة لن يُتاح له الوصول إليها أبداً. لكن الألم؟ إن كان الثمن مجرد قليل من الألم الجسدي، فلم يكن مستعداً للتراجع.
الألم الجسدي لم يكن شيئاً مقارنة بالعذاب النفسي لكون المرء أضعف من أن ينقذ أحباءه. لقد كانت فرصة لم يكن مستعداً لتفوتها. لذا أصك على أسنانه وسمح للألم بالدخول، مرحباً به ذراعين مفتوحتين. التف الألم في جميع أنحاء جسده، وكانت المانا تشكله وفق رغباتها. كانت [الاستعادة] تعضده، وتزوده بمانا حياة إضافية لتشريبها في لحمه وعظامه. بعد ما بدا وكأنه أبدية، بدأ الألم ينحسر ويتراجع.
كان لا يزال موجوداً ولكن مقارنة بما سبقه فقد كان نعيماً. استلقى جوليوس فحسب، عاجزاً عن تحريك إصبع واحد، كأنه دُهس لتوه بآلة رصف إسمنتيّة. كانت حركاته الوحيدة عبارة عن نفضان وتقلصات طفيفة ناتجة عن الألم المتبقي. لم يستطيع فعل شيء سوى الاستلقاء على ظهره يلهث من الإجهاد، وشعر بتعب لا يطاق. التعب فوق الإجهاد الناجم عن أحداث اليوم دفعه نحو الهاوية وجعل جوليوس يستغرق في النوم.
استيقظ موجوعاً لكنه استطاع التحرك أخيراً. فكّر في تفعيل مهارة [الاستعادة] غير أن ذكرى الألم المبرح ردته. افترض أن [الاستعادة] ستمنح فوائد إيجابية لما تفعله مهارة [التعزيز الحركي] لكنه لم يتيقن تماماً. كانت مخاطرة محسوبة قبل خوضها. وطّد عزيمته وفعل [الاستعادة]. تدفقت موجة مانا الحياة في عروقه فوراً. شعر بتلاشي الكثير من وجعه حتى لم يبقَ سوى حكة مزعجة تحت الجلد. أشبه بارتداء ملابس داخلية خشنة أصغر بثلاثة مقاسات لكنها تحيط بجسده كله.
باغته المنتن فجأة. شبيه بالبيض الفاسد والجبن المتعفن. أحاط به واختنقه برائحته الكريحة. قبض على أنفه ليسده فلامس شيئاً على يديه ووجهه. اكتشف أن جلده يغطيه غشاء شفاف من القطران الأسود. غطاه من الرأس حتى أخمص القدمين. صدرت الرائحة منه قطعاً. وكانت نتنة تماماً. نزل عن الرف وشق طريقه نحو بركة الماء الصغيرة بالأسفل. حاول جوليوس إزالة الطين المقرف الملتصق بجلده لكنه لم يزل بسهولة.
ساعد الماء قليلاً لكن فركه بأصابعك لم يجدِ نفعاً بعد دقيقتين. لم يملك شيئاً لفرك نفسه فقرر استخدام صخرة مسطحة وجدها مرمية هناك. تشبه حجر الخفاف إن فكرت في الأمر هكذا حدّث جوليوس نفسه. فرك جوليوس جلده بالصخرة بعنف متأكداً من خلوه تماماً. اسودّت البركة بالفعل ملوثة بتلك المادة الشبيهة بالقطران. استغرق الأمر نحو نصف ساعة حتى صار نظيفاً تماماً. أو لنقل نظيفاً قدر الإمكان بلا حمام حقيقي.
المشكلة الكبرى كانت ملابسه. تشرّبت سرواله المادة وحتى بعد فركه لفترة لا باس بها ظلّت تنبعث منه رائحة زقاق خلفي لنادي ليلي. خلع قميصه واستغنى عنه. لكنه لم يرغب بالتجرد تماماً فتحمل الأمر وأعاد ارتداء سرواله اللعين داعياً ألا يصاب بمرض مشئوم في أعضائه الخاصة. حين صار نظيفاً لاحظ اختلاف شعوره. صار جلده أقوى وأكثر مرونة من ذي قبل. لاحظ أثناء فركه شراسة تقشيره لجلده دون تمزيقه أو كدمه.
بالكاد أحس بالصخرة على جلده رغم قسوته عليه. شعر أيضاً بكثافة أكبر كأن عظامه تحولت إلى قضبان فولاذية بينما لم يشعر بمثل هذا الخفة في حياته قط. بدا أن [التعزيز الحركي] أثبت جدارة اسمه. أراد تفقد حالته ليرى إن انعكست التغيرات عليه. ظهرت إشعارات كثيرة فاتته على نحو مفاجئ.
[الاستعادة المستوى 3 -> المستوى 6]
[التعزيز الحركي المستوى 1 -> المستوى 5]
صعق جوليوس. كسب [التعزيز الحركي] أربعة مستويات رغم حصوله عليها للتو. لم يستخدم المهارة حتى وبلغ ثلث الطريق نحو رتبته التالية. كسبت [الاستعادة] ثلاثة مستويات أيضاً. بدا استخدام [الاستعادة] بالتزامن مع [التعزيز الحركي] قد فعل الأفاعيل للمهاررتين. شعر أيضاً بوجود فوائد أخرى لدفع نفسه لم تظهر في حالته. تمكن جوليوس وسط الألم الشديد من الإحساس بوضوح بمانا الحياة وهي تعزز العملية أيضاً.
اعتقد أنه سيكتشف بعد بعض التجريب إن كان الأمر يستحق عناءه. كان يتضرع ليكون الألم مجدياً. الاسم: جوليوس فون هيبيريوس الرتبة: 1 المهارات:
[الإدراك المكاني المستوى 18]
(نادر)
[الرقصة الوحشية المستوى 4]
(نادر)
[الضغط الحراري المستوى 7]
(غير شايع)
[سهم النار المستوى 9]
(غير شايع)
[الاستعادة المستوى 6]
(غير شايع)
[التعزيز الحركي المستوى 5]
(غير شايع)
بدت حالته مبهرة بحق، إذ حاز ستّ مهارات إجمالاً وبقيت له أربع خانات فارغة لمهارات إضافية. وظلّ راغباً في مهارة دفاعية، كحاجز أو درع. بيد أن [تعزيز الحركية] منحَه ثقة أكبر في تحمّل مزيد من الضرر، رغم أنّه لم يختبرها بعد. فضلاً عن ذلك، كان يدرس بجدّية إضافة مهارة تختصّ بالحركة. أثناء القتال مع العمالقة، لكان جوليوس قد أفاد بشدّة لو استطاع الانسحاب من مواجهة خصومه. لقد نجح في دفع نفسه إلى الوراء مستخدماً الطاقة الحركية، غير أن تلك الطريقة كانت بالغة الإهدار.
أولاً، لم يكن قادراً على تحديد موضع هبوطه بدقة، وثانياً، لم تتحمّل جسده الاستخدامات العنيفة لمانا الحركة. مع ذلك، وبينما كان يمعن النظر في الأمر، بدا أن [تعزيز الحركية] ستتكفل على الأرجح بحلّ المشكلة الأخيرة. ورغبةً في اختبارها، مشى جوليوس من البركة نحو مساحة فسيحة تبعد بضع خطوات. بدأ ببطء مسرباً قدراً يسيراً من المانا إلى ساقيه. إلا أن جسده، عوضاً عن تلقي تدفق المانا البطئ، امتصّها كما تمتص رمال الصحراء الماء.
انتهى به المطاف بضخ كمية تفوق توقعاته بكثير، ولكنّه لأسباب أدهشته شعر بأن كل شيء على ما يرام. عند هذا الحدّ، شابه الأمر الكمية التي كان يغذي بها ساقيه أثناء قتاله للعمالقة. من قبل، احتاج جوليوس إلى ضخ [الاستعادة] في ساقيه لتعويض الأضرار التي تلحقها بهما الطاقة الحركية. أمّا الآن، فلم تكن تمزق عضلاته أو تفرض عبئاً قاسيًا على عظامه. شعر كساقيه تنبضان بطاقة ترقب بفارغ الصبر لحظة الإفطلاق.
كأن أحدهم وصل بطارية سيارة بقدميه. ألقى بنفسه في اندفاعة سريعة للأمام، محرراً الطاقة الحركية المكبوتة. لاحظ جوليوس أنّه لم يفلح في السيطرة على إطلاق الطاقة الحركية بالقدر الكافي. غير أن ذلك كان أمراً متوقعاً، بالنظر إلى أنّه لم يعد يملك [إطلاق الحركية]. ومع قوله هذا، شعرت ساقاه بحالة ممتازة بعد ذلك. لعله استطاع تكرار التقنية ذاتها مراراً وتكراراً الآن حتى نفاد المانا لديه.
سابقاً، لم تحتمل ساقاه خطوة الاندفاع الخاصة به إلا بعد أن تلتئم بما يكفي عبر [الاستعادة]. وهو ما تطلب ثواني معدودة من التعافي. في الوقت الحالي، بدا جسده قادراً على استيعاب قدر أكبر من المانا متفاعلاً معها بسلاسة بالغة. لطالما وجد تأخير طفيف عند استخدام هذه التقنية، لكنّها أصبحت فورية الآن. وعلى الرغم من التراجع الملحوظ في سيطرته على الإطلاق، غمرته سعادة غامرة بالنتائج.
ذكّرته هذه التجربة بالسبب الذي دعاه إلى الاستغناء عن [التلاعب بالمانا]. سيبدو الأمر أفضل على المدى الطويل إن لم يعتمد على مهارة في أمر يعدّ جزءاً لا يتجزأ من التحكم بالطاقة الحركية. غالباً ما غاب عن بال جوليوس عدم امتلاكه لمهارة [التلاعب بالمانا]، لكنّه كان يمتن كل يوم حقاً لهذا الأمر. لقد تقيد بحدود المهارة مع غالبية مكوّناته إن لم يكن جميعها. على سبيل المثال، مثلت [كرة النار]
مهارته الأقوى هجومياً، غير أن هناك أموراً تعذر عليه تغيّرها فيها. تسلسل التفعيل، وكمية المانا التي تستهلكها، والبنية العامة ظلت ثابتة في كل مرة. وحال أراد تعديلها، تعين عليه تغييرها بعد اكتمال صنعها بالفعل. اتسمت معظم المهارات بهذا النهج، حيث يضحّي المرء بالمرونة في مقابل الاعتمادية والسرعة. ومع ذلك، وبرأيه، تتحول المهارات بالنسبة لقدرة أساسية كالتلاعب بالمانا أو الطاقة الحركية إلى عكاز.
آمن بأن تلك المهارات ستحد من قدراته وستفقده الكثير من قابليته للتكيف على المدى البعيد. لم يسمع جوليوس بأي شخص آخر يعمد إلى تعديل [كرة النار] أو ما شابهها من مهارات. لكنّه بالمقابل لم يسمع بأحد خلا من [التلاعب بالمانا]. إن أراد أحدهم تغيير مهارة ما، فعل ذلك خلال ترقية المهارة أو تطورها. ورجح أن الاعتماد المفرط للناس على [التلاعب بالمانا]، أو افتقار المهارة ذاتها لقيود في استخدامها، حال بينهم وبين القدرة على تعديل مهاراتهم كما فعل هو.
بدا الأمر أصعب بكثير بلا مهارة وتطلب تدريباً مضاعفاً، لكنّه تمسك بموقفه القائل بأن الأمر يستحق العناء. لو لم يتدرب بهذه القسوة، ويمارس أساليبه بطرق إبداعية ومليئة بالتحديات، لما استطاع ابتكار [كرة النار] المركبة. لظل عالقاً في استخدام [كرة النار] العادية، وقد رأى ما فعلته بتلك العمالقة. أو بالأحرى، ما لم تفعله. فقد تلقت العملاقة أربع كرات نار في وجهها ولم يرفّ لها جفن حتى.
بلا سبيل أفضل لإلحاق الضرر، لكان جust جثته تشوى فوق نار المخيم، لتملا بطون زمرة العمالقة. أمّا الآن، فكل ما احتاج إليه هو التدرب على استخدام الطاقة الحركية دون الاستعانة بالمهارة. وتوقع أن يكون الأمر أيسر مقارنةً بالوقت الذي تعلم فيه التلاعب بالمانا يدوياً، لأن جوليوس استمر في استخدام المانا ذات الجانب الحركي لتوليد غالبية طاقته الحركية. واقتصر الجزء الضئيل منها على ما استمده من البيئة المحيطة.
وفي الأثناء، عقد العزم على البقاء في هذا الوادي بالذات حتى يحكم السيطرة على قدرات التلاعب الحركي، إلى أن تعود على الأقل إلى مستواها السابق. لقد بدا ضرورياً تخصيص بعض الوقت لاستكشاف قدراته الجديدة، لشعوره بأن الأمور توشك على الازدداد صعوبةً بكثير في القادم من الأيام.