درب التسامي الفصل 227 — المرتبة 3

اقرأ درب التسامي الفصل 227 — المرتبة 3 باللغة العربية على مانجا تايم.

لم يكن مفاجئاً بتلك الدرجة أن تكون هذه الكرة بالذات مصدر القلق الأكبر بين المهارات الملحمية الثلاث. كان هناك سبب يجعله يود إرجاء هذه للنهاية. غير أنه لم يكن ليتردد هذه المرة. كان يعلم غايته. أراد بلوغ المرتبة الثالثة بثلاثة مفاهيم وثلاث مهارات ملحمية. لم يكن هناك ما سيوقفه. سيفعلها أو يموت دونها. رفع مهارة [حكيم الشراسة] إلى أقصى مداها الممكن. بلغت الشدة حداً جعله يشعر وكأنه يغيب عن الوعي، لكنه كبح جماح نفسه وبات مستعداً.

لم يكن موجوداً في تلك اللحظة سواه وتلك الكرة. بمد ذراع عازمة، لمس الكرة بأصابع يده. لم تكن لديه فرصة نجاة. ما كان شيء ليعده لموجة القوة التي انفلقت. اجتاحته تماماً وشعر بروحه تشرع في الاحتراق. لم يكن ما يفعله ليوقف ذلك. لم يكن هذا جسده الحقيقي، بل كان مجرد تمثيل ميتافيزيقي له. وعليه، لم يكن هناك ما تستطيع مهارة [تجدد العنقاء] مداواته. كانت روحه تحترق وتصير رماداً حرفياً.

لم يملك إلا أن يقاتل باستماتة وبكل ما أوتي من قوة بينما يراقب روحه تحترق شبراً إثر شبر. مع ذلك، مهما بدا المشهد قاتماً، حرص على مواصلة القتال. لم يكن مهمّاً مدى قسوة الظروف، فلن يستسلم. ومع قوْل هذا، جرفت قوة مفهوم العنقاء كل جهوده وكأنها لا شيء. عجزت الإرادة القاسية عن صدها. كان يعلم باحتمال حدوث هذا، لكنه ظن أنه سيكون قادراً على التعامل مع الأمر ما دام قد بذل أقصى وسعه.

الواقع المزعج كان أن جسده وروحه لم يكونا قادرين على استيعاب الاندماج. لم يكونا مستعدين بالشكل الكافي لتحمل مثل هذا الضغط. على الرغم من مساعيه الحثيثة، لم يملك إلا أن يراقب بحرقة وشعوره بالسيطرة على روحه يشرع في الإفلات منه.

* * *

وجهة نظر رينيرا أطلقت نفساً لاهثاً. كانت تلك الخطوات الأخيرة هي الأصعب، بل وأكثر صعوبة بكثير مما توقعت. لم تكن تحذيرات أميليا أو عائلتها كافية لتعديلها لاجتياز رتبتها الثالثة. استدعى دمج مفهومها كل ما تملكه من إرادة. غير أنه في النهاية، نجحت في قهر محنتها. أصبحت الآن رسمياً في المرتبة الثالثة، بل ونجحت في الترقي مع مفهوم أيضاً. وهو أمر لا يستطيع الكثيرون ادعاء فعله.

لم تستطع منع نفسها من الشعور بالفخر بما انجزته. لقد كان دليلاً على العمل الشاق الذي بذلته طوال الأعوام الماضية. كانت ترجو أن تكون أمها وأبوها فخورين بها أيضاً. مع أنهم انكمشت ملامحها لتلك الفكرة. ربما كان ذلك مبالغة وتمنياً من طرفها. بصراحة، لعلهم سيثورون غضباً لكونها ترقت دون إذنهم أو إشرافهم. الأرجح أنهم بنوا غرفة كاملة خصيصاً لها كي تبلغ المرتبة الثالثة فيها. ورغم ذلك، فقد تحدثت مع أميليا بشأن مدى استعدادها.

لهذا السبب كانت واثقة من خطوتها التالية. ومع ذلك، شعرت بالسوء حيال عدم السماح لأميليا بالتواجد هنا في هذه اللحظة. إن كان هناك شخص واحد يستحق الوقوف بجانبها، فهي أميليا. هزت رأسها وأخذت نفساً عميقاً طويلاً. مع أن ذلك كان خطأ فادحاً. اختنقت فوراً بالنتن الذي غزا أنفها، وتملكتها التنهيدة ممتعضة إذ هاجمتها الرائحة. شمت رائحة سمك فاسد وفاكهة حلوة لسبب ما في آن واحد. كان المزيج مميتاً بشكل غير معتاد.

ثم نظرت إلى أسفل لتدرك أنها مكسوة بطبقة رقيقة للغاية من التراب الداكن المنقط. خمنت أنه توجد بداخلي شوائب أكثر مما ظننت، فكرت وهي تعقد حاجبيها. في البداية، اعتقدت أنها قامت بعمل جيد في طرد أي شوائب وتطهير نفسها قبل الارتقاء، لكن بدا أنها كانت مخطئة. لقد استهلكت زهرة روح بلورية كل شهر طوال العام الماضي تحضيراً لترقيها المرتقب. كان ذلك على أمل أن يسرع العملية ويسهلها.

وكانت باهظة الثمن أيضاً. كل زهرة كانت تساوي نواة من المرتبة الخامسة تقريباً بمفردها. ومع ذلك، فقد أجدت نفعاً على الأقل. الكمية التي أخرجتها كانت أقل بكثير مما يفرزه الناس عادة. لم تستطع إلا تخيل كمية الشوائب التي كانت ستكون لديها لو لم تتناول زهور الروح البلورية. لم يكن الأمر ضروريّاً بحتّاً، لكنه يساعد بشكل كبير في دمج نواة المرء وروحه بجسده. فكلما قل عدد الشوائب مسبقاً، قل الجهد اللازم لإزالتها أثناء ترقي المرء.

توجهت فوراً نحو منطقة الاغتسال المخفية في ركن الغرفة لفتح الدش ومنح نفسها فرصة تنظيف جيدة، حريصة على حبس أنفاسها حتى يختفي كل ذلك التراب عن الأنظار تماماً. وما إن نظفت حتى تبدلت لثياب نظيفة وأخرجت قطعة كعكة من خاتم تخزينها. كانت هي ذاتها التي عرفها بها جوليوس في ذلك الوقت البعيد. وكانت تحتفظ بقطعة لتلك اللحظة بالذات. عندما لامس طعم الشوكولاتة الغنية والإسبريسو المر لسانها، أنحت طرباً.

كانت بالجودة نفسها التي كانت عليها عند تجربتها للمرة الأولى. سحت لأنها قررت الاحتفاظ بقطعة مخزنة لمثل هذه المناسبات. لقد كانت مجرد أمر آخر تحتاج فيه لتقديم الشكر لجوليوس. وإتياناً على ذكر جوليوس، تساءلت عن حاله. بفكرة سريعة، أخرجت ساعتها من الخاتم وتطلعت إلى التاريخ والوقت. توقف عضها للحظة وعقدت حاجبيها. بحسب الجهاز، فقد مضى أكثر من ثلاثة أيام منذ دخلت الغرفة. كان ذلك أكثر مما توقعت.

من منظورها، لم يدو الأمر سوى بضع ساعات على الأكثر. حقيقة أن أياما مرت منذ بدأت ترقيها كانت أمراً صادماً نوعاً ما. غير أنها هدأت حالما شرعت في المضغ مجدداً. فالنكهة الشهية التي غرقت فيها فمها ملوكها بشكل رائع. وبينما كانت تستمتع بقطعتها، نظرت إلى أسفل و قبضت قبضتها الفارغة بقوة. بدا جسدها مذهلاً. شعرت بكل عضلة قوية للغاية، كثيفة، ومفعمة بقوة خفية. لم تعد قدرتها على استشعار نواتها قائمة، بل شعرت بكل مانا الخاص بها يسرى عبر لحمها في نسيج معقد من الخيوط.

كل نفس تنفسته امتصاص المانا المحيطة ومعالجتها تلقائياً بواسطة جسدها. لم تعد بحاجة لاستخدام نواتها للقيام بذلك. مدت يدها بمهارة [فنون الضوء الساطع] وأنشأت كرة من ضوء تطفو في كف يدها. الفارق كان مذهلاً. تدفقت كل المانا بسلاسة أكبر بكثير والأهم من ذلك، بشكل أسرع. كانت كمية المانا التي يستطيع المرء إنتاجها في لحظة واحدة إحدى أكثر الجوانب تقييداً للوجود في المرتبة الثانية.

وبما أنه كانت هناك نواة بعد، فقد استغرق توجيه المانا منها إلى جسد المرء أو للتلاعبات الخارجية وقتاً. غير أن ذلك بات أقل إثارة للمشكلة من الآن فصاعداً. طالما شعرت أن المانا تستمع إليها، أكثر بكثير من معظم الناس. ورغم ذلك، لم تبدُ أبداً متجاوبة قدر استجابتها في هذه اللحظة بالذات. ضحكت وقهقهت مطولاً وهي تقضي وقتاً طويلاً في العبث بمانا الخاصة بها، ممتنة لوصولها إلى المرتبة الثالثة.

حتى إنها لم تلاحظ الإشعار الذي ظهر.

* * *

وجهة نظر جوليوس بعد أن غاب عن وعيه، بدا ما تلاه كغشاوة مبهمة. لم يتذكر شيئاً، وكل ما استطاع تذكره كان ذكريات وإحساسات مبهمة. كان الأمر أشبه بالاستيقاظ من حلم دون معرفة ما كنت تحلم به. الشيء الوحيد الذي عرفه هو أنه نجا. أو هكذا ظن على الأقل. لم يستطع رؤية أي شيء أو حتى فتح عينيه بعد. لم يبدُ عقله وجسده في الصفحة نفسها. كان كمن عاد إلى جسده، ولكن ليس تماماً. كانت الأمور لا تزال ضبابية بعض الشيء وكان بحاجة لجمع شتات نفسه.

هكذا، حاول تقييم وضعه. أولاً، لم يعد داخل مساحة روحه، كان ذلك واضحاً تماماً. لقد كان إحساساً مغايراً تماماً لما كان عليه داخل مساحة روحه. ومع ذلك، كان ما يقلقه أكثر من عدم القدرة على فتح عينيه، هو عجزه التام عن استخدام أي من مهاراته. بدا الأمر وكأن نوعاً من الاتصال بينه وبينها قد قُطع. وهذا يعني عجزه عن استخدام [الادراك المكاني] للتعرف على ما يحيط به. تركه ذلك أعمى تماماً للمرة الأولى فيما بدا وكأنه الأبد.

لقد اعتاد لدرجة كبيرة على القدرة على رؤية كل ما حوله لدرجة أنه بمجرد زوال ذلك، صار كمن حُبس في فراغ من الظلام. لا يعلم ما سيحدث أو ما يحيط به. جعله ذلك بصراحة يشعر بقليل من العجز. لكن عوضاً عن الذعر، ذكر نفسه بضرورة الهدوء ومنح الأمر بعض الوقت. افترض أنه لا يزال في غرفة الزراعة، لكنه لن يعرف ذلك حتى يتمكن من تأكيده. مكث حيث كان لفترة من الوقت، دون تحريك عضلات وانتظار صبور لمعرفة ما إذا كان أي شيء في حالته قد تغير.

لكن بمجرد انقضاء وقت لا بأس به ودون أن يشعر بتحسن أي شيء، قرر محاولة القيام بشيء ما. مع أنه قد لا يشعر بالاتصال بمهاراته، إلا أنه لا يزال يشعر بضعف بالاتصال بمانا الخاصة به. رغم صعوبة مد اليد إليها. مما دفعه للتركيز حقاً ومحاولة الإمساك بما استطاع الوصول إليه. لسوء الحظ، بغض النظر عن الطريقة التي جربها ومهما بلغت عزيمته، بدا أن المانا تواصل الانفلات بين أصابعه. كان الأمر مزعجاً لدرجة عبثية، لكنه استمر بإصرار.

كان عناده أقوى بكثير من أي شيء كان يمنعه من التواصل مع مانا الخاصة به. لم تكن هناك طريقة ستأخذ ذلك منه. في النهاية، وبعد ما بدا كأيام، تم