قال الماركيز إيستين لهما: "حسنًا، بما أن هذا قد انتهى، فأريد مناقشة شروط مكافأتكما على إنقاذ كوري".
أجابه جوليوس متجاهلاً الأمر: "لا حاجة لمكافأتنا يا ماركيز إيستين".
"أولاً، نادِني كاسيدوس، فقد استحققت هذا القدر على الأقل. ثم، لا مجال لأن أودع منقذي حفيدي بخفي حنين".
"لا لا، لا تقلق بشأن ذلك".
"أرجوك، أنا مُصرّ".
قال وقد بدا متلهفاً أكثر من اللزوم: "حسناً، أوافق".
طالما أخبره جدّه ألا يقبل المرء دعوة أحدهم في المرتين الأوليين. تفرض اللياقة أن يرفض المرء العرض مرتين، ولا يقبله سوى في المرة الثالثة.
"..."
شعر الماركيز بالحيرة أمام تبدل موقفه السريع، فرمقه بنظرة غريبة. حتى ابنته وريرا راحتا ترمقانه بنظرات عجيبة، كأنهما لم تستقرا أتسليتان أم تخيب أملهما.
هزّ جوليوس كتفيه مبرراً لنفسه: "يا رجل، الماركيز أصرّ".
وبّخته رينرا بلطف: "أجل، لكن ما هكذا يكون التوقح في الأمر".
احتج قائلاً: "لم أكن متوقحاً! انتظرت حتى عرض الأمر ثلاث مرات قبل أن أقبل".
فركت أرنبة أنفها: "نعم، لكن لا يمكنك القبول بوقاحة لمجرد أنه عرض ذلك ثلاث مرات. عليك قبول الأمر بشيء من اللطف والتواضع".
ربما كانت محقة في ذلك.
قال لها وللماركيز: "آسف".
لوح الرجل بيده: "لا تقلق. كنت سأكافئكما على أي حال، لذا لا بأس".
التفت ناظراً إلى رينرا: "أرأيت؟ إنه لا بأس بالأمر".
راقبهما وهي تنظر إلى الأرض وتتمتم مع نفسها.
وعد السيّد النبيل: "اطلب ثمنك، وسأبذل قصارى جهدي لتحقيقه".
فكّر جوليوس في الأمر لبرهة. لم يأتِ حقاً وهو يفكر في نيل مكافأة. كان أكثر ما يشغله هو مغادرة القصر بعد إيصال كوري دون أن يلاحظ أحد وجوده. لم يكن هذا الوضع برمته ضمن خططه. ولهذا نهض من المقعد الوثير الذي كان يسترخي عليه وبدأ يجوب الغرفة ذهاباً وإياباً. كان يعصر ذهنه باحثاً عن نوع المكافأة التي يريدها. عادة ما كان يلجأ إلى طلب خدمة، وشعر بجزء منه يميل حقاً للقيام بذلك.
مع ذلك، أراد أن يُجبر نفسه على طلب شيء يعينه الآن. فأغلب خدماته ظلت بلا استخدام ومكدسة في المخزن. ربما كان الحصول على شيء حقيقي أمراً جيداً عوضاً عن ذلك. ومع قوله هذا، كان هناك شيء واحد يبتغيه منذ مدة.
توقف عن السير والتفت إلى الماركيز: "أريد الارتقاء إلى المرتبة الثالثة".
كانت المرتبة الثالثة هدفاً أراد جوليوس بلوغه منذ فترة. فمهما بلغت روعة المهارات والمفاهيم، ظلت المراتب عماد القوة في هذا العالم. ومهما كثرت المهارات الجيدة التي يمتلكها، وجدت حواجز لا يمكنه تجاوزها بالمهارة وحدها. لقد أدرك هذا بعد أن مرّ دُستن بطوله على أرض الغرفة. احتاج إلى الارتقاء للمرتبة الثالثة إن أراد ازدياداً في القوة. كان هناك حدّ أقصى لما يمكن استخلاصه من المرتبة الثانية.
في الواقع، لقد تجاوز المرتبة الثانية بكثير منذ زمن. شعر بأنه حتى عندما ارتقى للمرتبة الثانية للمرة الأولى، كان وقتها يدفع حدود المرتبة إلى اقصاها، ويا للغرابة. أما الآن، فكان يعاني حقاً لإحراز أي تقدم. لقد بلغت مهاراته مداها الأقصى تقريباً. ولن تستطيع روحه تحمّل المزيد إلا بقدر يسير. وكان هذا سبباً رئيسياً لظنه بأنه لا يتلقى أي إشعارات باكتساب مهارات جديدة. لا مهارات قوية على الأقل.
إن أراد تعلم بعض المهارات الأقل رتبة، فربما استطاع ملء ما تبقى من خاناته. ومع ذلك، أراد ادخارها لشيء أهم. لقد كان يحاول دفع قوته البدنية إلى المستوى التالي. وهو أمر أدركه أيضاً أثناء قتاله مع دُستن. كانت المهارة التي أحدثت أكبر قدر من الضرر هي [أسلحة الغموض]. لم يكن هناك أدنى شك في ذلك. تلقى دُستن العديد من هجماته وجهاً لوجه، لكنه حرص دائماً على تجنب بُناه المصنوعة.
وكان الأمر ذاته منذ فترة أيضاً. فقد أظهر في صدع التوول أن بُناه كانت أقوى هجماته. غير أنه كان في الوقت الحالي مقاتلاً قريباً المدى أكثر. بصراحة، قد لا يكون هذا أفضل قرار، من الناحية المنطقية. فمع تحكم جوليوس في المانا ومهارته ذات الرتبة الملحمية، كان سيصبح ساحراً بعيد المدى مذهلاً. ومع ذلك، وجد نفسه يستمتع بإلقاء نفسه في خطوط القوارب الأمامية أكثر بكثير من الوقوف في الخلف وإطلاق مسامير الموت.
وبرأيه، كان الاستمتاع بأسلوبه أهم بكثير مما يبدو منطقياً. لقد آمن إيماناً راسخاً بأنه إن أحب أسلوباً ما، فبإمكانه أخذه إلى مدى أبعد بكثير من أسلوب اختاره للعملية البحتة. ولهذا احترم أشخاصاً مثل ساره، التي أصرت بعناد على التدرب على شيء يعده الناس سخيفاً، مثل [صاعقة المانا]. كان تلقي الضربات والعراك بالأيدي هو ما يستمتع به، ولم يكن يخطط للتوقف عن فعل ذلك. ليس بشكل رئيسي على الأقل.
ومع قوله هذا، احتاج إلى ايجاد طريقة ليزداد قوة في جانب القتال القريب. لقد أجرى مقارنات واسعة النطاق بين مهارة تعزيزه البدني ومهارة إدغار أثناء تدربهما معاً. كانت مهارة الرجل الضخم أفضل بكثير من [تعزيز الحركة] لدى جوليوس. وعلى الرغم من أن الطاقة الحركية كانت إحدى أفضل القرابات عند الحصول على مهارة تعزيز بدني، شعر جوليوس أن مهارته كانت...
حسناً، على حد تعبير دانتي "ناقصة".
من جهة أخرى، تمكن إدغار من ابتكار مهارة دمجت كلتا قرابته في مهارة قوية واحدة. اجتمعت الأرض والنار في مهارة تعزيز بدني وضعت إدغار على قمة غولدنكريست والمراتب الثالثة عموماً. وحتى الآن، لم يصادف جوليوس أحداً يمتلك مهارة جسدية متينة كهذه. مع ذلك، تجلت بارقة أمل لجوليوس حين عُرضت عليه مهارة [جسد العنقاء]. إن استطاع بطريقة ما تعلم مهارة تعزيز جسدي على غرارها، فقد يكون ممكناً له إيجاد سبيل لدمج تلك المهارات.
وبذلك يتمكن من تسخير جميع قرابته. لم يعجبه فكرة امتلاك مهارة تستخدم قرابة واحدة فقط. كانت الطاقة الحركية قوية، لكن إن استطاع تطبيق بعض جوانب قرابته الأخرى، اعتقد أنه سيتمكن من القفز بقوته أشواطاً. في الوقت الحالي، جاء الكثير من قوته من الكم الهائل من المانا التي يمتلكها. كان قادراً على ضخ الكثير من المانا في [تعزيز الحركة] لدرجة تجعل الأمر غير ذي بال. ومع ذلك، ومثلما رأى مع دُستن، كان هناك حدّ.
فقد نفدت ماناه بسرعة كبيرة. فالبُنى إلى جانب تقنياته الأخرى المستهلكة للمانا، جففته تماماً. إن أراد التحسن، فسيتعين عليه تنقية بعض مهاراته. ربما كانت المهارة الأولى التي يجب عليه إيجاد حل لها هي مهارة تعزيزه البدني. وللقيام بذلك، كان عليه الارتقاء إلى المرتبة الثالثة. لم يكن يظن أنه قادر على فعل ذلك دون الحصول على مزيد من المساحة في روحه. علاوة على ذلك، كان قريباً جداً من المرتبة الثالثة بالفعل.
لقد كان يستشعر ذلك منذ فترة. فقد خضعت روحه لتهدئة كافية وكل ما احتجبه الآن هو جمع الأجزاء معاً. قبل أشهر قليلة، أدلى البروفيسور يوما بتعليق عابر حول أهمية الرؤى لمن أراد إطلاق شرارة ارتقائه إلى المرتبة الثالثة. ذكر أن رؤية كل شخص كانت مختلفة. لم تكن هناك قواعد حقيقية تحكم الأمر، بل كان شيئاً يحدث مطولاً ببساطة عبر خوض تجارب الحياة. ولهذا بلغ معظم الناس المرتبة الثالثة بحلول وقت وفاتهم.
حدث الأمر في أحيان كثيرة بعد أحداث صادمة مثل فقدان عزيز أو النجاة من مأساة. لم يكن متشابهاً قط لكل شخص، لكن حقيقة واحدة ظلت ثابتة... ارتبط الأمر بطموحات الشخص. وهذا ما علق فيه جوليوس. شعر بأنه وصل إلى هناك. شعر كأنه ينظر إلى الجانب الآخر من السياج، لكنه عجز عن رفع ساقه لتجاوزه إلى الطرف الآخر. ولهذا سأل الماركيز المساعدة. ربما امتلك الرجل طريقة تجعل ارتقاء جوليوس أسرع أو أسهل.
فهو في النهاية نبيل من بيت تعود جذوره لقرون من التاريخ.
"هذا كل شيء؟"
ارسمت على وجه الرجل ملامح جعلت من الواضح أنه كان يتوقع شيئاً مختلفاً عما طلبه جوليوس.
تدخلت رينرا بسلاسة: "هذا طلب واحد فقط".
لاحظ أن نبرتها ظلت نبرة أميرة. كان الأمر مثيراً للإعجاب حقاً في مدى سرعة تصرفها بمثل هذا الاختلاف عند الحاجة. كما فوجئ هو الآخر بتصريحها. طلب واحد فقط؟ لقد كنت سعيداً جداً بهذا القدر فحسب. رغم أنه لن يكون أمراً سيئاً لو تمكنت رينرا من انتزاع المزيد من هذا الرجل. فانا لست ماهراً في التفاوض، ولهذا أحب مراكمة الخدمات، هكذا فكر لفترة وجيزة.
تحولت نبرة صوت الماركيز بدورها بشكل مشابه: "ماذا تريدون أيضاً إذن؟"
فعوضاً عن النبرة العادية التي اتخذها معهما، تحول ليصبح أكثر جدية بقليل.
أعلنت مباشرة: "نريد حق الوصول إلى صدع التحدي الخاص ببيتكم".
وحين ذكرت ذلك، رأى الأب وابنته يتصلبان. لم تعد في الغرفة أجواء مريحة. بل غدت متوترة. أما جوليوس، فلمש يكن لديه أي فكرة عما يتحدثان عنه. صدوع التحدي؟ لم يسمع بها قط. أكانت نوعاً من الصدوع السرية التي يملك النبلاء حق الوصول إليها؟ أعجبه وقع الفكرة. وأعجبه كثيراً جداً. أحسنتِ يا رينرا! أثنى عليها. كان سيطلب المساعدة للارتقاء إلى المرتبة الثالثة، سواء أكانت نصيحة شخصية أم كنزاً طبيعياً خاصاً يسهل ذلك.
لكنه سرّ بتدخل رينرا. ولن يتذمر البتة من الحصول على المزيد من جراء هذا. إن تمكنا من نظير حق الوصول إلى شيء يبدو بروعة صدع التحدي فسيكون في غاية السعادة. الشيء الوحيد هو أنه لم يدرِ أكان اثنان هؤلاء يتقبلان الطلب بشكل جيد. فما زالا لم يجيبا وكانا ينظران إلى رينرا بعبوس.
سأل الماركيز رينرا بعينين باردتين: "ما الذي تعرفينه عن صدع التحدي الخاص بنا؟"
هزت رأسها: "ليس الكثير، لكنني أعلم أن بيتكم يمتلك واحداً. تلك هي المكافأة الأخرى التي نطلبها. فوق توفير جرعات ارتقاء عالية الجودة وغرف معزولة لكل منا للارتقاء إلى المرتبة الثالثة، نريد حق الوصول إلى صدع التحدي. ما قولك؟"
سألت رينرا. حلّ صمت خاطف على الغرفة. لم يستغرق سوى لحظات، لكنه بصراحة بدا أطول بكثير.
نطق الماركيز أخيراً: "حقيقة أنك واثقة جداً من امتلاكنا لصدع تحدٍ تثير ريبتي قليلاً، لكنه ليس طلباً غير معقول. سيتعين عليّ استشارة بعض شيوخ عائلتي بشأنه، لكني لا أرى في الأمر مشكلة طالما أمكن الاتفاق على تفاصيل معينة".
أعطت رينرا جوليوس ابتسامة متحمسة. لم تكن لديه أي فكرة عما طلبته للتو، لكن بدا أنه أمر جيد، فبادلها الابتسامة ببسمة عريضة من تلقاء نفسه.