منظور كاسيدوس إيستن بدا الفتى الماثل أمامه حالةً مثيرةً للاهتمام حقاً. لم تكن مهارة التحليل المعتادة لديه تعمل على الفتى، وهذا لم يكن بالأمر الغريب تماماً، فالكثير من الناس يملكون مهارات أو أدوات تحميهم من مهارات مثل [عيون الزفير]. على أي حال، فإن مجرد القدرة على إيقاف مهارة تخصّه كان دلالةً كبرى بحد ذاته. ولهذا انتهى به المطاف إلى بسط نطاقه عليهما. لقد كان الأمر مبالغاً فيه قليلاً من طرفه، لكنه أراد معرفة سبب وجود هذا الثنائي برفقة حفيده، أو إن كان الأمر برمته مؤامرةً ما.
وكما كان الفتى مثيراً للاهتمام، كانت الفتاة مثيرة للاهتمام أيضاً. لقد تلقت تدريباً جيداً بوضوح. تحكمها بالمانا وتحكمها بالهالة والقوة الإجمالية لروحها بالمستوى الثاني كان أمراً مهيباً للغاية. وقليلون هم في سنّها من يمكنهم الادعاء بأنهم ندّ لها. أو هكذا أظهر فحصُه السريع لنطاقه على الأقل. أما الفتى، فلم يستطع تكوين شعور واضح بشأنه. فعندما حاول التحري مستخدماً نطاقه، اصطدم بعائق.
لقد استطاع بطريقة ما مقاومة نطاقه، وهو أمر لا يحدث كثيراً. ليس من أي شخص أدنى من المستوى الخامس، وبالتأكيد ليس من شخص في المستوى الثاني. لهذا كان أول ما تحقّق منه هو ما إذا كان الفتى في الواقع في المستوى الثاني فحسب. لقد رأى كاسيدوس الكثير من الناس يحاولون تزييف مستوياتهم. وسواء كان ذلك بسبب أداة أو مهارة خاصة، لم يكن الأمر يهم. وعلى الرغم من ذلك، لم يكتشف أي مهارات ولم يكتشف أي أدوات أيضاً.
ومن كل ما استطاع رؤيته، كان هذا الفتى في المستوى الثاني حقاً وفعلاً. ألهذا السبب نفسه لا أستطيع استخدام [عيون الزفير] عليه؟ عادة، لم يكن ليُقدم على هذا الفعل، لكنه رفع حدّة نطاقه قليلاً. إن لم يستطع التسلسل عبر دفاعات الفتى فسيقوم ببساطة بسحقه بقوّته. غير أنه أثناء فعله ذلك، شعر بنبضة تنبعث من خاتم التخزين المعقود بإصبع الفتى. ولم تكن نبضة عادية فحسب، بل كانت شيئاً يألفه تماماً.
لقد شعرت تماماً مثل ذلك الشيء الذي منحه لصديق قديم قبل فترة. أرى أنه ما زال على عهده بتلك الحيل القديمة، هكذا فكر في نفسه ممتعضاً بلذة. ورغم أنه كان قد اتخذ قراره بالفعل بشأن ما سيفعله بالفتى، فقد ترك آرثر يواصل عبثه المعتاد. دعه يحاول انتزاع بعض الإجابات من الفتى. لقد كان يستخدم حتى تلك الحيلة السخيفة بالهالة ليحاول إخفاء الفتى وجعله يتكلم. تلك التي يطلق فيها العنان لهالته بينما يتظاهر بالاسترخاء.
لم يلوم كاسيدوس آرثر على هذه الحيلة، فقد كان دائماً ما يُذهل لمدى نجاحها مع الناس. لقد كان أكثر فضولاً حيال ردة فعل هذا الفتى. لماذا يُعطيه ذلك العجوز المتدخل تلك الأداة؟ لابد أن هناك سبباً. العجوز يفعل أشياء لأسباب محددة. أسباب لا يوافق عليها كاسيدوس دائماً، لكن كان هناك دوماً غرض مفهوم خلف أفعاله. وأراد أن يرى ما إذا كان آرثر قادراً على حمل الفتى ليُظهر له ذلك. لذا فقد جلس يراقب بينما حاول آرثر ترهيب الفتى المسكين، ثم ابتسم في قرارة نفسه حين صمد الفتى في وجه أحد أشرس شيوخ آل إيستن.
وحين لاحظ أن آرثر على وشك التمادي أكثر مما يريح، تدخل أخيراً.
أمر بغتة: "أريد من الجميع مغادرة الغرفة عدا هذين الطفلين".
"..."
رأى الآخرين يرمقونه بنظرات تشكك ولم يمتثلوا لأوامره فوراً.
سألت بيث كأنها تستطيع إدراك سبب طلبه هذا منهم: "أتريد منا المغرفة، كاسيدوس؟"
وجّههم بحزم لا يترك مجالاً للنقاش: "أريد التحدث إليهما على انفراد".
آرثر الذي كان يضغط على الفتى توقف ورمق كاسيدوس بنظرة تحمل معنى: "ما الجحيم؟ كدتُ أنزع الإجابات من الفتى".
أرسل إليه كاسيدوس رسالة سريعة عبر هالته. لا تقلق. لا أظن أنهما أعداؤنا وقد يكون الفتى أكثر استعداداً للبوح بشيء إن كنا نحن الثلاثة وحدنا في الغرفة. فهم آرثر فوراً لحسن الحظ ولم يناقشه.
أجاب الرجل: "فهمتُ أيها السيّد البطريرك".
ثم نهض وغادر الغرفة دون كلمة إضافية. لهذا السبب أحب كاسيدوس آرثر، فالرجل وفيّ وماهر، وهما صفتان يصعب العثور عليهما صراحةً في أيامنا هذه. فهناك الكثير من الناس ممّن يقلقون بشأن تكديس الثروات وتعزيز نفوذهم على حساب فعل ما هو الأفضل للبيت أو للمنطقة. وبمجرد أن نهض آرثر، شكّل ذلك إشارة للآخرين ليحذوا حذوه. فغادر الآخرون، بما في ذلك ممثل نقابة المغامرين، الغرفة على الفور وأغلقوا الباب خلفهم.
ولم يبقَ سوى الطفلين وابنته التي بقيت في مكانها.
قال لها: "بيكا، أود التحدث إلى هذين الاثنين وحدي".
ردت بعناد: "لدي أسئلة أود طرحها عليهما بنفسي يا أبي. ولن أتراجع عن هذا".
لبرهة بدا وكأنه سيرفض التراجع، لكن عندما رأى تلك النظرة المعهودة على وجهها، قرر أخيراً العدول عن ذلك. لقد عرف متى ينتقي معاركه مع ابنة أخيه، ولم تكن هذه إحداهنّ مما شعر أنه سيظفر به.
قال وهو يرمقها بنظرة حازمة: "حسناً، لكنك لن تنبسي بكلمة مما يُقال لأي شخص خارج هذه الغرفة، أأنت واعية لما أقول؟ أنا جاد بشأن هذا".
بدا وكأنها أدركت جديته لحسن الحظ، فأومأت برأسها بحزم.
"وحاولي أن تكوني أكثر أدباً قليلاً إن أمكن. تشير كل الدلالات إلى أنهما أنقذا كوري. لذا، فإن إبداء بعض ضبط النفس، مهما بلغ تشكككم، سيكون أمراً مناسباً".
ترددت هذه المرة، لكنها أومأت برأسها في النهاية وبذلت قصارى جهدها للاسترخاء. التفت أخيراً إلى الطفلين اللذين كانا ينتظران أمامه. بدا الفتى هادئاً بشكل غريب مقارنة بالوضع الذي وجد نفسه فيه. بينما كانت الفتاة هادئة تماماً هي الأخرى، وبدت منزعجة بوضوح من طريقة معاملتهما، إلا أنها حافظت على رباطة جأشها بثقة. لا بد أنها من سلالة رفيعة. تصرفاتها هي بالضبط ما أتووقعه من شخص تدرّب على قواعد الإتيقيت.
أما الفتى، فلا أستريبه. تشير آدابه إلى أنه من العامة، لكن الوقت لا يزال مبكراً للحكم. فعامة الناس لا يحملون عادة مؤشرات على مثل هذا التدريب المهيب.
سأل الفتى الذي بدا مرتبكاً للمرة الأولى طوال هذا الوقت: "لماذا أعطاك تلك العلامة؟"
* * *
منظور يوليوس علامة؟ لا أعلم شيئاً عن أي علامة.
سأل الرجل: "أنا آسف. من تقصد بـ (هو)؟"
لقد كان مرتبكاً أيضاً من السرعة التي جعل بها الرجل بقية الناس يغادرون الغرفة. لم يبقَ سوى أربعة منهم الآن، حتى الصغير كوري قد رحل. رأى الماركيز يرمقه بنظرة تقييمية. وكأنه يحاول معرفة ما إذا كان يوليوس يتذاكى أم لا. وواضح أن الرجل قد توصل إلى نتيجة مفادها أن يوليوس كان صادقاً.
سمع يوليوس الرجل يسأل: "إذن أنت تقول إنك لم تقابل أي... عجوز متدخل مؤخراً؟"
متدخل؟ لم يخطر بباله سوى شخص واحد عند ذكر تلك الكلمة. وحينها فقط تذكر البطاقة السوداء التي أعطاه إياها الشيخ هان قبل أن يودعه. لقد علم أن ذلك العجوز المعتوه كان يضمر شيئاً في رِأسه عندما أعطى ذلك ليوليوس. كان عليه أن يستجوب الأمر أكثر قليلاً قبل أن يقبلها. لا بد أن وجهه قد كشف أفكاره لأن الماركيز قاطع أفكاره بالفعل وضحك.
"هذا أنعش ذاكرتك، أليس كذلك؟ نعم، هان يفعل هذا النوع من الأشياء"، تحدث الرجل كأنه يعرف تماماً أي نوع من الأشخاص كان هو.
آه، إذن فهو يعرف هوية الشيخ هان، ابتسم يوليوس لنفسه. وجعله ذلك يقهقه وهو يدرك أن هذا الماركيز لم يكن يعرف الشيخ هان فحسب، بل عرفه أيضاً تماماً بالطريقة التي سيصفه بها يوليوس... متدخلاً.
سأل: "أتعرف الشيخ هان؟"
تمتم الرجل بينما لاحظ يوليوس تحول موقفه المتعمد السابق إلى آخر متذمر كأن تذكر العجوز جلب ذكريات سيئة: "شيخ، حقاً؟ هذا ما بات يدعو به نفسه هذه الأيام؟ لطالما ظن أنه أمر ممتع للغاية أن يتصرف كجد عجوز غامض".
لم يلمه يوليوس إن كان الأمر كذلك. فقد راوده شعور بأن الشيخ هان ترك هذا الأثر لدى الكثيرين.
اختبره يوليوس قائلاً: "قلت إنه أعطاني علامة؟ أتصدف أن تعرف ما هي تلك العلامة؟"
ابتسم الماركيز، وهو يعلم تماماً ما يسأل عنه يوليوس.
"بطاقة سوداء مصنوعة من معدن فريد".
حسناً، إذن فهو يعلم حقاً. أخذت أشتبه في أن الشيخ هان أعطاني هذه (العلامة) وهو يعلم تمام العلم أنني سأقابل هذا الرجل الماثل أمامي. والسؤال هو كيف كان متأكداً إلى هذا الحد من حدوث ذلك؟
تمتم يوليوس: "عجوز متخل حقاً".
"أشعر بالشعور ذاته. إنه هكذا تماماً".
اعترف يوليوس: "أشعر أن هذه قطعته الصغيرة من الانتقام لإزعاجي إياه".
في الواقع، قد يكون هذا أدق مما أظنه. يبدو كرجل تافه من هذا النوع، هكذا فكر وهو يهز رأسه.
"تقصد باقي الأطفال؟"
اتسعت عينا يوليوس.
"باقي الأطفال؟"
"نعم، أتصور أنك لم تنقذ كوري وحدك أثناء وجودك هناك. لا بد أنك أنقذت الأطفال الآخرين معه".
ضحك يوليوس وهز رأسه لمدى سهولة رؤية الرجل من خلال الأمور. بصراحة، لم يرى سبباً كبيراً لإخفاء الكثير عن هذا الرجل. فمجرد قدرته على استشعار علامة الشيخ هان تحدث نيابة عنه. وحقيقة أن عائلته بدت وكأنها أشخاص طيبون حتى الآن قد ساعدت أيضاً. أخبرته حدس يوليوس أنه يستطيع الوثوق بهذا الرجل.
"نعم، لم أكن وحدي مع ذلك. كان هناك شخص آخر يعمل لصالح منظمتهم وساعدني في إنقاذ كوري. إنه يستحق الإشادة أكثر مني، إن كنت صادقاً".
"أه؟ أحدهم غيّر رأيه؟"
"نعم، بدونه لما أُنقذ كوري".
"سأتأكد من مكافأته بالشكل اللائق إن صادفته يوماً. ملك اسم؟"
شَفّ يوليوس شفته بتردد.
"اسمه داسن وكان الحارس في المستوى الرابع المفترض أن يشرف على المستودع الذي احتجزوا فيه كوري. وقد ذكر أنه اضطر للعودة إلى المنظمة للكذب بشأن ما حدث. لذا فأنا لا أريد حقاً أن ينتشر اسمه بينما ما زال بينهم".
"تلك كلمتي بأن سره في امان. وستحرص ابنتي على فعل المثل".
"سيكون ذلك مقدراً للغاية".
لوح النبيل بيده.
"هذا أقل ما يمكنني فعله من أجلك بعد إنقاذك لحفيدي. إن احتاج أي مساعدة في الهرب من المنظمة، فيمكنه القدوم إلينا لطلب العون".
ابتسم يوليوس.
"إن رأيته مجدداً، سأحرص على إخباره بذلك. أظن أنه قد يقبل عرضك هذا".
كان على وشك الاسترسال لكنه توقف مفكراً في أمر ما.
"ما اسم هذه المنظمة على أي حال؟ لم أسمعهم يطلقون على أنفسهم أي اسم".
أومأ الماركيز برأسه.
"يتسمون بأسماء عدة، بناءً على منطقتهم، لكن من خلال ما تمكنتُ أنا ورجالي من العثور عليه، فهم جماعة ضخمة تتواجد داخل مناطق عديدة في الإمبراطورية، وليس فقط منطقة إيغوس. ومع ذلك، فحسب ما يمكننا استنتاجُه، فإن قيادتهم تطلق على نفسها اسم المجمع. لا نعرف أين نشأوا، لكن لابد أنهم يضمون عدداً من النبلاء الأقوياء والجماعات كجزء من دائرتهم. وإلا، فلا سبيل لأن يحظوا بمثل هذا الحضور الواسع".
كانت منطقة إيغوس هي المنطقة التي تقع فيها بلوماند حالياً. تماماً كما كانت سيليستيا هي المدينة الرئيسية لمنطقة فالوربيري، كانت بلوماند هي المدينة الرئيسية لهذه المنطقة. وكانت كل منطقة واسعة بما يكفي وحدها، مما يعني أن هذه الجماعة كانت ضخمة للغاية إذا كانت قادرة على الامتداد عبر مناطق متعددة. وبات بإمكانه أن يرى لماذا كان الماركيز قلقاً بشأنهم ويرغب في معرفة المزيد.
توجّه الماركيز نحو كرسي ليجلس وأشار ليوليوس بالجلوس إلى جانبه.
وعد ماركيز إيستن: "إن كان هناك أي شيء يمكنك إخباري به عما لاحظته أو عما تعرفه عن أنشطة هذه الجماعة، فسأحرص على مكافأتك جيداً لقاء ذلك".
لم يرَ يوليوس سبباً للتردد. فهو لم يكن يحب المنظمات التي تختطف أصدقاءه أو أطفالاً آخرين كثيراً. ولذا فقد شرح ما حدث في ستونوول للنبيل الماثل أمامه.