درب التسامي الفصل 215 — مواساة

اقرأ درب التسامي الفصل 215 — مواساة باللغة العربية على مانجا تايم.

شقق جوليوس ورينيرا طريقَهما سريعاً في النفق. كان كوري بالطبع الصغير الذي يرافقانه. لا يتحدث كثيراً لكنه لا يبدو خائفاً أيضاً. جلس في ذراعي رينيرا شارد الذهن بلا حركة ولا التفات، سوى نظرات عابرة إلى الأضواء التي صنعها جوليوس. أقلق هذا الأمر جوليوس بعض الشيء. بوسعه تفهم صبي يبكي أو صبي متحمس، أما صبي يبدو كأنه آلة مطفأة فلا يستطيع. بدا الأمر كأن وطأة ما مر به قد غمرت عقله بالكامل وأخرسته.

لم ينفع شيء مما فَعَلته رينيرا. والشيء الوحيد الذي أبدى الصبي اهتماماً طفيفاً به حتى الآن هو كرات الضوء التي ابتكرها جوليوس لتنير طريقهما. كوّن أكثر من دزينة من الأضواء الصغرى التي أنارت النفق بأسره. حولت رحلتهما من أجواء مظلمة ومقبضة إلى أخرى تبدو أكثر بهجة. ليسا مسافرين في المجاري على الأقل. كان النفق مظلماً في ذاته، غير أنه نظيف بما يكفي. من يتولى أمره، لابد أنه بذل جهداً ليبقيه مرتباً.

وأثناء قيامه بذلك، لم يستطع منع نفسه من التفكير في الايام الأخيرة. وكلما أمعن في التفكير، صعُب عليه تصديق أن العجوز كان صادقاً معه تماماً. طوال معرفته بالشيخ هان، شعر جوليوس بأنه يرقص في راحة يد العجوز. لا ينبغي لي أن أقلق بشأن هذا الآن، ذكر نفسه. بدل ذلك، استدار وراقب كوري وهو يطيل التطلع إلى كرات الضوء الناعمة بانتباه. محسبًا أنه لا يملك ما يخسره، اقترب من كوري ببطء.

لم يعره الصبي أي اهتمام، وكأن شيئاً لم يكن. استغرق جوليوس وقته في صنع ما هو أثقل تعقيداً من تصاميمه المعتادة. عاد بذاكرته إلى أيام اعتاد فيها التمرن على صنع تماثيل جند مُشكّلة. بيد أن مهاراته مقارنةً بتلك الأيام أصبحت كالليل والنهار. صاغ طاقته بعناية، مستخدماً كل ما تعلمه حتى الآن. واستفاد من خصائص الطاقة اللينة ليصنع مفاصل بالغة الدقة للتمثال. بل استعمل إبرة دقيقة من الطاقة الحادة لنحت التفاصيل الصغيرة لوجه الجندي.

لم يكن رساماً، لكن العمل بدا أفضل بكثير من محاولاته السابقة. أعطى الجندي سيفاً ليمسكه، مع أنه ارتكب خطأ صنعه كالسيف الحقيقي تماماً في المرة الأولى. وذاك يعني أنه كان حاداً للغاية وأكثر خطورة من مجرد لعبة بسيطة، فاضطر إلى تعديله والتأكد من أن السيف لا يقدر على قطع الحجر. ربما لم يكن ذلك أفضل شيء يمكن تسليمه لصبي مصاب بصدمة نفسية. بعد بعض اللمسات الأخيرة، انتهى أخيرًا.

اكتمل الجندي وبدا رائعاً حقاً إن كان له أن يقول رأيه. حتى إنه أضاف ملابس لها خصائص مشابهة للقماش، مما يعني أن عباءة الجندي كانت ترفرف قليلاً كلما تحرك. كان الأمر زائداً عن الحاجة ولا يهتم له أحد، لكنه ظن أنها ستكون لمسة جميلة. استغرقته صناعته لدرجة جعلته لا يلاحظ أن كوري كفّ عن النظر إلى كرات الضوء ووقع أسير أفعاله تماماً. وعلى عكس الأضواء، لمعت بارقة حماسة في عيني كوري وهو يحدق في التمثال.

مدّ جوليوس ذراعه التي تحمل الجندي نحو كوري، عارضاً إياه على الصبي الصغير. وبدل أن يأخذه من يديه، استمر كوري في التطلع إليه فحسب. اضطر إلى دسّ التصميم في ذراعي كوري جسدياً قبل أن يمد الصبي يديه أخيراً لمسه. على أن كل جهوده قوبلت بما يرضيه، إذ تحلّت ملامح الصبي الفارغة تدريجياً بدهشة ورهبة. تعامل كوري مع التمثال وكأنه مصنوع من زجاج، جاهلاً أن جوليوس صممه ليتحمل أي هجوم من المستوى الثالث تقريباً.

حتى إنه بث فيه بعض المفاهيم، عارفاً تماماً أنه بالغ في الأمر لكنه أراد فعله على أي حال. التفتت رينيرا ورمته بابتسامة عارفة، غامزةً له بينما ابتسم الصبي بين ذراعيها للمرة الأولى. ولم يكن ذلك كل ما يملكه جوليوس للصبي. تولى ببرهة السيطرة على التصميم بلطف وجعله يحرك ذراعه مؤدياً التحية، مستغلاً المفاصل التي صنعها بعناية خير استغلال. أذهلت هذه الحركة الصغيرة الصبي فأطلق قهقهة عفوية وهو يراقب التمثال يؤدي سلسلة من الحركات الدراماتيكية الطريفة.

وهكذا جرت مغامرتهما عبر النفق والتسلل خارج ستونوول. يافعان يبتسمان وهما يراقيان صبياً صغيراً يقهقه طرباً.

* * *

"أأنتما جوليوس وغرايس؟"

سأل الرجل. خرج جوليوس ومن معه من النفق فوراً خارج أسوار البلدة. واضطروا إلى الانتظار قليلاً حتى يصل مرافقهم، لكنه ظهر أخيراً في المكان تماماً الذي أخبرهم به الشيخ هان.

"نحن هما"، أومأ جوليوس برأسه.

"أأنت من سيقلنا إلى بلوماند؟"

"أجل، هذا أنا. جئت لأخذ الصغير عائداً إلى عائلته في بلوماند"، قال وهو يلوح للصغير تلويحة خفيفة مع ابتسامة عريضة.

بيد أن كوري ظل مندمجاً بالكامل مع التمثال ولم يعر الرجل الجديد أي اهتمام. بدا الرجل حزيناً قليلاً لتجاهله لكنه استعاد ابتسامته بسرعة.

"أخبرني هان أنكما تبحثان عن توصيلة فحسب، أليس كذلك؟"

"أجل، آمل أن لا تمانع"، قال بأدب.

"أبداً، كلما كثر العدد طابت الرحلة. هيا، اتبعاني. العربة هناك تماماً"، أشار الرجل إلى ما بعد التل.

"اسمي داني بالمناسبة".

"سررت بمعرفتك يا داني، أنا جوليوس، لكنك عرفت ذلك مسبقاً"، قال ضاحكاً وهو يتبع داني.

وكانت رينيرا وكوري خلفه مباشرة، وما زال كوري ينخس التمثال بينما يتحكم فيه جوليوس ليوجّه للصبي ضربات خاطفة خفيفة بسيفه الكليل. حين رأى العربة أخيراً أُعجب حقاً. كانت عربة خضراء زمردية أنيقة تجرها دابة واحدة. وكانت الدابة نفسها مزيجاً مثيراً للاهتمام بين حصان وفهد. بدت عضلاتها نحيلة وخالية من أي ذرة شحم. وبدت الدابة كأنها نُسلت للسرعة. ولم تكن العربة ذات عجلات. فكحال الكثير من العربات التي رآها في هيستون، كانت معلقة في الهواء بسحر الرياح.

والفرق الوحيد كان أن هذه العربة، على عكس تلك، تجرها دابة حقيقية. ولربما كان جوفها الداخلي مفاجأة أكبر من مظهرها الخارجي. لابد من وجود نوع من التعاويذ المكانية التي وسعت المساحة الداخلية لتصبح ضعفي حجمها الخارجي على الأقل. وليس ذلك فحسب، بل اصطفت كراسي مريحة للغاية على طول الجدران.

"هذه عربة جميلة جداً"، قال جوليوس معجباً بصدق.

"أعلم هذا! ادخرت المال لفترة طويلة للحصول عليها. اعتدت امتلاك عربة قديمة، لكنها لم تكن تشبه هذه أبداً"، قال داني باعتزاز.

"أرى أنها تستحق العناء"، وافقه جوليوس.

أومأ داني بحماس.

"أتمنى لو أن زوجتي تفكر بالطريقة ذاتها. فهي تظن أنها مضيعة للمال وتقول إنه كان من الأفضل إنفاق المال على شيء عملي. لكنها ببساطة لا تفهم رغبات الرجال"، قال وهو يقبض إحدى يديه في الهواء دراماتيكياً.

ضحك جوليوس بلطف وتابع أطراف الحديث مع الرجل. مستكشفاً أموراً صغيرة عن بلوماند والمنطقة في أثناء ذلك.

* * *

لم تكن العربة جميلة فحسب، بل كانت سريعة. وعلم أن الدابة وحش يُعرف بالمهر الشبح. أو كما يحب داني أن يناديه، كولتون. لم يحصل نوع كولتون على اسم الشبح لأنه يستطيع التخفي أو امتلاكه لأي خصائص شبحية. كلا، بل يعود ذلك حصراً لمدى سرعة فصيلتهم. وحين يركضون بأقصى سرعة لا يرى من هم في المستويات الأدنى سوى طيف تلويني للوحش. كان كولتون وحشاً حقيقياً من المستوى الرابع تساوي قيمته أكثر من العربة نفسها.

وما تمكن داني من الحصول على كولتون وهو جرو بلا ثمن تقريباً، إلا لأنه امتلك صديقاً مقرباً يربيها لكسب العيش. ولم يكن كولتون القوي الوحيد هناك. فبالنظرة الأولى إلى هالته، بدا أن داني مجرد شخص من المستوى الثالث. بيد أنه عند التدقيق نظراً لوجودهما معاً في العربة، أدرك أن الأمر لم يكن كذلك. لابد أن داني تلقى تدريباً ممتازاً أو يمتلك غرضاً ما، إذ كان تحكمه بهالته استثنائياً.

ولا سبيل لعدم بلوغه المستوى الرابع على الأقل. بل إن جوليوس لن يتفاجأ إن علم أنه في المستوى الخامس، رغم شكه في ذلك. ولم يحاول السؤال عن ذلك أيضاً، إذ يُعد الأمر فظاً للغاية. كما لم يكن معرفة ذلك أمراً بالغ الأهمية لجوليوس. فلن يغير الكثير البتة. على الرغم من سرعتهما الفائقة عبر السهول، بالكاد شعر جوليوس بشيء داخل العربة. ويجرؤ على القول إنها كانت أنعم حتى من ركوب مركبة من عالمه القديم.

وفوق ذلك، كانت أسرع بكثير مما لو حاول اثناهما السفر بمفردهما. سُرّ أكثر بكثير لأن الشيخ هان عرض عليهما توصيلة الآن بعدما اختبر فوائدها. استغرقت رحلتهما نحو نصف يوم قبل بلوغ وجهتهما. وكانت الشمس لا تزال فوق السماء مباشرة وبوسعه رؤية المدينة تقترب في الأفق. تحيط بالمدينة أسوار عالية كحال ستونوول، لكن على عكس البلدة الاصغر، بدت هذه الأسوار مهيبة للغاية. لم يكن الأمر متعلقاً بحجم الأسوار بل بالطاقة التي شعر بها تشع من التعاويذ الحجرية.

كان يستطيع الإحساس بوهجها عملياً من العربة. واستطاع إدراك أن رينيرا تشعر بالأمر ذاته أيضاً. كانت عيناها مسمرتين على الأسوار تماماً كعينيه. بدت بلوماند إحدى أكبر المدن في المنطقة الشمالية الشرقية. وهو أمر منطقي بالنظر إلى أهميتها للمطقة. اضطروا إلى إبطاء السرعة لوجود قرى صغيرة متناثرة حول المدينة، تشبه إلى حد ما قرى هيستون. ومع ذلك، على عكس هيستون، لم تكن هذه القرى بمثل تلك الروعة.

كانت أقل نقاءً بشكل ملحوظ، لكن ليس على نحو سيء. بل أشبه بنظرة واقعية لما تبدو عليه القرية حقاً. طالما بدت هيستون كأنها جزء من أرض خرافية. وبدت المدينة دائماً فائقة الجمال والنظافة بحيث يصعب اعتبارها عادية. لذا، بدا رؤية مدينة وقرى كهذه بمثابة نسمة هواء عليلة في نواحي كثيرة. استقطبت عربتهما قدراً كبيراً من انتباه الناس. فقد كانت العربة الخضراء الزمردية أنيقة للغاية، وبدا داني متبسماً وهو يغتنم الانتباه مفتخراً بركبته.

ولم تكن تلك العربة الفاخرة الوحيدة هناك. وكلما اقتربوا من المدينة، رأوا أعداداً متزايدة باطراد من العربات. وكان من بينها عربات فائقة الأناقة حقاً. ولابد أنها تخص نبلاء أو عائلات ثرية أخرى. ومع ذلك، تميزت عربة داني بكونه واحداً من القلائل الذين يربطون وحشاً في مقدمتها حقاً. بلغوا بوابات المدينة دون مشكلات في النهاية. وبعد انتظار دورهم للتفتيش، مرر داني ما بدا وكأنه ترخيص أو تصريح ما وسُمح له بالعبور دون أسئلة تذكر.

حين دخلا، استغرق جوليوس وقته في تأمل المدينة. لم تكن بلوماند تشبه هيستون تماماً، لكنها حتماً تحمل سحرها الفريد. فقد منحه الطراز المعماري الأنيق وشوارع الحجر النظيفة نسبياً انطباعاً جيداً عن المدينة فوراً. علاوة على ذلك، عجّ المكان بالكناس يتجولون، يتسوقون أو يقضون يومهم في الخارج. وبدوا جميعاً سعداء للغاية، على السطح على الأقل. قادهم داني عبر طرقات عديدة واستقر به المطاف في منزله.

وتأكد داني من استقرار كولتون في الاسطبل الموجود في الملكية ورحب بهما للداخل كي يرتاحا. ترددا في البقاء في البداية، إذ كانا يخططان لاستكشاف المدينة قبل حلول الظلام. غير أن كلمات داني التالية أقنعتهما سريعاً جداً.

"تعدّ أنجيلا بعضاً من يخنتها الشهيرة، وستحزن كثيراً إن لم أدعوكم جميعاً لتذوقها".

فور سماع أمر الطعام، وافق جوليوس ورينيرا فوراً، مما دفع داني إلى الضحك. وتبع اثنان منهما داني بخفة، وما زالت رينيرا تحمل كوري المشتت في ذراعيها. اضطر جوليوس إلى مسح لعابه وهو يتخيل يخنة دسمة ولذيذة تملأ بطنه، فقد كانت الأيام القليلة الماضية غريبة ومريحة لوجبة دافئة كهذه.