بدت مهارة مثيرة للاهتمام. دلّته المعلومات التي تلقاها عقب تطويرها على أنها توظف [الضربة العنفية] و[نشوة القتال] لتعزيز قدرته على القتال القريب. كانت مهارته النادرة الثانية، وإن كانت [الإدراك المكاني] مقياساً، فستكون مهارة بالغة الفائدة. مع ذلك، وعلى الرغم من رغبته الشديدة في اللحظة الراهنة، لم يكن بمقدور جوليوس تجربة مهارته الجديدة هكذا عشوائياً. وجب عليه إيجاد موقع آخر للمبيت.
فرائحة الدماء ستجذب من يعلم لمن. علاوة على ذلك، بدا تغيير الموقع أيسر من نقل الذبيحة بأكملها. بعد هنيهة، عثر على بقعة تبعد بضع أميال وبدت آمنة. كانت تجويفاً صغيراً بين جدول ماء وصخور. بدت أشد خفاءً من مخيمه السابق. أححض جوليوس الأرنب معه أيضاً. لا يزال متسخراً لكنه نجح في إزالة معظم التراب عنه. فضلاً عن ذلك، ظل جائعاً حقاً ولن يقف القليل من القاذورات في طريق ذلك. ألقى عليه نظرة أخرى قبل أن ينشئ شعلة صغيرة لتسخينه وقتل أي بكتيريا قد تكون عالقة به.
وما إن صار محروقاً بشكل لطيف مجدداً، حتى قضم منه. كان خشناً ومترباً بعض الشيء بسبب الطين المترسب على سطحه. لسوء الحظ، لم تكن الوجبة الأكثر استساغة، سيما مقارنة بحالها قبل تعرضه للهجوم، لكنها ظلت أول ما يتناوله اليوم. التهم جوليوس الأرنب سريعاً ثم استعد للنوم. مرّ بقية الليل هادئاً، باستثناء زئير بعيد متقطع وأصوات الأشجار الساقطة التي كانت توقظه بين الحين والآخر.
عندما استيقظ، توجه إلى الجدول واغتسل. فكر في العودة للاطمئنان على الجثة لكنه تردد. من جهة، راوده الفضول لمعرفة شكل ذلك المخلوق في ضوء النهار، لكنه اعتقد في الوقت ذاته أن ضواري أخرى قد تكون انجذبت إليها. عادة ما تكون نواة المانا بداخله ذات قيمة، لكن وجوده في قفر منقطة جعلها عديمة القيمة الحقيقية ما لم يعثر على حضارة. وعند إعادة التفكير، لم يحمل معه نقوداً. ولا امتلك شيئاً ذي قيمة للمقايضة به.
وإذ أخذ يمعن التفكير، أدرك أن تلك النواة ستكفي لشراء معلومات أو مؤن إن عثر على بلدة. بعد ميلين، وصل إلى مخيمه القديم. لا تزال الجثة في مكانها حيث تركها، مما أثار دهشته البالغة. ظن حقاً أن الجثة ستُؤكل بحلول ذلك الوقت، لكنها بدت سليمة تماماً. لم يلمسها حتى آكلو الجيف. بدا الأمر غريباً للغاية وبعث في نفسه الريبة. تفقد المحيط بهدوء، فانحنى جوليوس وأمعن النظر في المخلوق عن قرب.
صدق حدسه بأنها شبيهة بذئب. اتسمت ملامحه بوضوح بالكلبيات. حظي بكساء رائع من السواد الخالص الذي امتص الضوء وكان ناعماً لمسه. قدر جوليوس طوله بنحو ستة أقدام من الرأس إلى الذيل. المخالب الهائلة هي ما خطف انتباهه. شابهت المخالب سيوفاً صغيرة. لقد كان محظوظاً للغاية لعدم تقطيعه بتلك الأشياء، فلن يتطلب الأمر الكثير لتشطيره نصفين. انحنى جوليوس وبحث عن نواة المانا الخاصة بالمخلوق.
يختلف موقعها قليلاً باختلاف الفصيلة، لكنها توجد عادة في صدر أو رأس معظم المخلوقات. تُستخدم نواة المخلوقات بطرق شتى. والأكثر شيوعاً هو طحنها لصنع جوهر نقي، يمكن استخدامه لصنع عناصر تزيد من تقدم المهارات والنمو نحو الرتبة التالية. وبما أن جوليوس بات في الرتبة الأولى الآن، توجب عليه العمل نحو ترقيه إلى الرتبة الثانية. تمحورت الرتبة الأولى حول إنشاء نواة مانا، بينما تعلقت الرتبة الثانية بالصيرورة واحداً مع تلك المانا.
ستعزز هذه العملية الأفراد جسدياً متجاوزة الحدود البشرية، وما إن يتشبعوا تماماً بمانا الخاص بهم، حتى يخضعوا لتطور. ستتتبنى أجسادهم وتتغير لتعكس مانا نواتهم بشكل أفضل. على سبيل المثال، غالباً ما تملك الأجساد ذات الانتماءات الأرضية بنية أشد صلابة ومتانة. وكذلك، يصبح أصحاب الانتماءات المائية أكثر مرونة وقابلية للتكيف. غالباً ما تلجأ العائلات الثرية لاستخدام النواة ذات الانتماءات المماثلة لصنع جرعات أو مكملات تسرع تقدمهم.
ومع ذلك، عُرف أن أولئك الذين استخدوم النواة كطريقة للتقدم كانوا أضعف في المتوسط مقارنة بأقرانهم. إضافة إلى ذلك، يواجه من يختار هذا المسار عقبة في الرتب التالية. ولهذا السبب، تُستخدم هذه الطريقة للأشخاص غير المقاتلين وأصحاب مهن الحرف. افتقر جوليوس مجدداً إلى سكين، مما أجبره على التراجع خطوة واستخدام [صاعقة نارية] لفتح جوف الصدر بشكل أكبر. وكما هو متوقع، بدت مشهد مروعاً؛
تناثرت الدماء والأحشاء في كل مكان. لحسن الحظ، وبسبب كونها من الرتبة الثانية على الأقل، حافظت المانا على لحمها دون أن يبدأ في التعفن. لسوء الحظ، تطلب الأمر منه مد ذراعه في صدره المقزز. بعد قليل من العبث، عثر أخيرًا عما كان يبحث عنه. كانت كرة صغيرة بحجم حبة الرخام تحتوي على جوهر نقي ذي انتماء هوائي. امتلك جوليوس انتماءً هوائياً متوسطاً، لكنه لم يختر استخدام أي مانا هوائية في نواته ولم يخطط للقيام بذلك.
تمالكت نفسي بما يكفي، لا حاجة للجشع، حدّث نفسه. في اللحظة الأخيرة، انتهى به الأمر بانتزاع مخالب المخلوق أيضاً. لم تكن سكيناً تماماً، لكنها ستفي بالغرض حتى يجد أو يشترى واحدة بنفسه. ثم غادر المكان، محقباً بنواة واحدة ومخالب عدة. شق جوليوس طريقه عائداً إلى مخيمه الثاني وقرر إعداد إفطار سريع قبل انطلاقه. ظل جائعاً جداً وبات بحاجة لحمام آخر نظراً لتلطخه بالدماء. عثر على أرنب آخر وأجهز عليه بالطريقة ذاتها سابقاً.
تمكن هذه المرة من الاستمتاع به دون أن يقاطعه أي شيء يحاول التهامه.
استغرق الأمر ساعات عدة من السير قبل أن يلمح جوليوس تغيراً في التضاريس. افترست الغابة عن فجوة هائلة في أطرافها. خرج جوليوس إلى العراء. بعد مئات الخطوات لاحظ انخفاضاً طفيفاً في العشب فاقترب منه. أصابه ما رأى بالذهول. تبدت أمامه حفرة عملاقة تشبه فوهة خلّفها نيزك أو تلك التي عهدها في البراكين الخامدة. تكون الجوف بالكامل من صخور داكنة وأردواز. خمن عمق الحفرة بمئات الأقدام واستقر في قاعها نور ساطع ينشر توهجاً أزرق خافتاً.
غلب الفضول طابعه على جوليوس فقرر شق طريقه نزولاً عبر المنحدر الحاد نسبياً ليقترب أكثر. تمهل في هبوطه وانتبه لموضع قدميه. تحللت بعض القطع الصخرية وكان انزلاقه وشيكاً إن غفل للحظة. حين بلغ مشارف القاع تبيّن مصدر الضوء الأزرق. كانت كتلة طاقة دوّارة تبث دفئاً من قاعدتها. ساوره الفضول حيال هذا الشيء وراودته رغبة عارمة في لمسه لكنه أدرك حماقة الأمر. مع ذلك استمر شيء ما في محاولة حثه على الاقتراب.
أشبه بصوت خافت في عمق رأسه يأمره باللمس. شعر باختلال في الأمور فحاول الابتعاد فوراً والفرار إلى أقصى مسافة ممكنة. انطلقت الطاقة بغتة على هيئة خيوط دقيقة والتفت حول ذراعيه. حاول جوليوس الإفلات بكل طاقته عبثاً. لم تفلح حتى المانا الحركية المنبعثة من أطرافه في تحريره. أمسكته بقبضة حديدية وجذبته نحو المركز. جرب كل ما خطب بباله للنجاة بلا فائدة إذ جذبه التيار حتماً إلى جوفه.
هوى جوليوس على وجهه واستشعر ملمس العشب تحته فنهض واستطلع ما حوله. ماذا جرى للتو؟ قبل لحظة كان يُسحب نحو الكرة الزرقاء المتوهجة وها هو الآن في سهل عشبي ما. تلقى إشعاراً على غير توقع. دخلت فجوة. تحذير! الفجوة تبلغ مرحلة الفيضان. لن تتمكن من المغادرة حتى تنظف الفجوة. فجوة؟ أكان ذلك الشيء الأزرق فجوة؟ لم يخطر ببال جوليوس قط أن الفجوات قادرة على جلب البشر قسراً. تتخلق الفجوات نتيجة تراكم مستمر للمانا وتجمعها في مكان طوال مدة طويلة ولهذا كثر وجودها في البراري أو بعيداً عن التجمعات السكانية الكبرى.
الفجوات أبعاد جيبية تحوي وحوشاً وموارد. تمثلت المهمة الأساسية لنقابة المغامرين في رصد أكبر عدد ممكن من الفجوات وتطهيرها. تتسبب الفجوات في فيضانات الوحوش الحاصلة حين تُهمل نظافة الفجوات طوال فترة زمنية محددة. يؤدي هذا إلى تسرب المانا خارج الفجوات وتشكيل منفذ هروب للوحوش المحبوسة داخله. تتكرر فيضانات الوحوش كثيراً وتعد الوقت الوحيد الذي ينحي فيه الجميع انتماءاتهم السياسية أو خصوماتهم جانباً لصد حشود الوحوش.
لم يسمع جوليوس قط عن فجوات تسحب بشراً كما حدث معه. بدا أيضاً أنه عاجز عن المغادرة حتى ينظف الفجوة. مثلت هذه المشكلة الكبرى. تُحفظ الفجوات أحياناً بحثاً عن مواردها المفيدة ولتدريب الممارسين الشباب. مع ذلك تظل فرصة المغادرة قائمة متى ما اشتد الخطر. لا أظن هذا الخيار متاحاً لي. تبّاً لفضولي الأبمق. كان بمكانی الانصراف دون تقصٍ لكنني أردت استجلاء كنه الضوء الأزرق المشؤوم هكذا وبّخ جوليوس نفسه عقلياً.
جهل جوليوس رتبة الفجوة أو تفاصيلها حتى. اتبعت نقابة المغامرين إجراءات قياسية لتحليل الفجوات ومعرفة رتبتها ومقدار خطورتها ضمن تلك الرتبة. ربما كانت فجوة من الرتبة الخامسة فئة ألف. استبعاد الأمر وارد لكن جوليوس ظل جاهلاً بكل شيء. من حسن الحظ أنه لم يتعرض لهجوم من أي وحش ولم يتحسس حضور شيء في محيطه المباشر. مع ذلك ظلت وضعيته بالغة الخطورة. تطلب الأمر وضع خطة أو منح الأولوية لجمع أكبر قدر من المعلومات قبل التورط في أي مواجهات.
إن تجاوزت الفجوة الرتبة الثانية وهو المرجح فسيحتاج جوليوس لاستثمار كل ما يملكه تحت تصرفه. ألقى نظرة أولى على حالته ليستجلي وضعه الخاص. الاسم: جوليوس فون هايبروس الرتبة: 1 المهارات:
[الإدراك المكاني مستوى 18]
(نادر)
[الرقصة الوحشية مستوى 1]
(نادر)
[الضغط الحراري مستوى 3]
(غير شايع)
[سهم النار مستوى 2]
(غير شايع)
[الإطلاق الحركي مستوى 4]
[الشفاء مستوى 1]
كان جوليوس راضياً عن مهاراته الحالية لا سيما وأنه لا يزال في الرتبة الأولى. أراد مع ذلك ابتكار مهارة دفاعية فضلاً عن تطوير مهارة الاستشفاء لديه. تساعده الأولى على تفادي الضرر بينما تعينه الثانية على التعافي منه. كان يتوقع بالفعل مكوثه في هذا الصدع وقتاً طويلاً لذا فإن امتلاك هذه النوعية من المهارات سينقذ حياته في مواقف عدة. امتلك مسبقاً بعض الأفكار لكلتيهما. فكر في المهارة الدفاعية بحيث يمتص الطاقة الحركية عوضاً عن إطلاقها.
يبطل بفاعلية أثر ضربة الخسم الموجهة إليه. لم يظن مع ذلك أن هذا سيلغي التأثيرات العنصرية كالحرارة. انتظر... أم بوسعي فعلها؟ تولد النار أو بالحري الحرارة نتيجة الحركة الشديدة للجزيئات. حين أحرق شيئاً يفترض إذن أن تولد نظرياً طاقة حركية من حركة الجزيئات. يعني هذا إمكانية إزالة الحرارة عبر إزالة الطاقة الحركية وفق ما أدركه جوليوس بعد تفكير. اكتسب هذا الأمر أهمية بالغة نظراً لصعوبة تحكم جوليوس بالنيران التي يثيرها شخص آخر مقارنة بتحكمه بالنيران الطبيعية وتلك الناشئة عن طاقة حركية طبيعية.
تدخل الإرادة هنا حيز التنفيذ إذ يتطلب السيطرة على نيران الخصم تقويض إرادته قبل التمكن من سرقة ألسنته اللهبية. تنجح الفكرة ربما إن استطاع سحب أو امتصاص الطاقة الحركية للنار ذاتها. بدت نظرية مثيرة عليه تجربتها فور لقائه مستخدم نار آخر مستقبلاً. علاوة على ذلك تمثلت إحدى التطبيقات الراهنة لهذه الفكرة في إضافة طاقة حركية إلى مهارة [سهم النار]. تزداد الحرارة المتولدة نظرياً في حال زاد حركة جزيئات النار.
عمد جوليوس إلى تكثيفها بالفعل لكن ماذا لو زادت حرارة النار نفسها؟ أيكون التأثير تراكمياً أم مضاعفاً؟ أدرك وجوب عدم تحمسه المفرط هذا وقلقه حيال خططه بدل استغراق الوقت في وضع نظريات حول المهارات في ظل ظروفه العصيبة لكنه شغف حقاً بالسحر وما إن تنطلق أفكار كهذه حتى يعجز عن كبحها أو كبح نفسه. تملكه الهوس وغدا كل ما عدا ذلك بلا قيمة في تلك اللحظات. تشتت همومه كافة برهة كأن لم تكن.