درب التسامي الفصل 189 — لست قويا بما يكفي بعد

اقرأ درب التسامي الفصل 189 — لست قويا بما يكفي بعد باللغة العربية على مانجا تايم.

أعجب جوليوس. كان بولُوكس أقوى ممّا ظنّ وتوقّع. واضطرّ حتّى إلى استعمال تكويناته. لم يكن ذلك أمراً يُؤخذ بخفّة. وثق جوليوس بقدرته على التعامل مع جميع أصحاب المرتبة الثانية من دون الاستعانة بتقارب النيران. لكنّ فتى الوحوش امتلك مهارة هيجان مذهلة توظّف الهالة. كانت بلا شكّ مهارة نادرة رفيعة المستوى. بل استطاع جوليوس استشعار اقتراب بولُوكس من بلوغ مفهوم بنفسه. لم يصله تماماً، غير أنّه مست بشكل ما مفهوم الإرادة الخاصّ به.

ومع ذلك، اختلفت قليلاً عن الإرادة الخالصة. كادت تبدو غاضبة أو محتدمة. عرف بوجود مفهوم الغيظ بفضل بعض القراءات التي طالعها، ودرى أيضاً بشيوعه في القبائل الشمالية. تلك القبائل ذاتها التي تستخدم الطاقة الحركية. ربّما أجدر بي البحث في مفهوم كهذا. سأضطرّ إلى سؤال الآخرين أو جليستي الأطفال الجدد من أصحاب المرتبة السادسة. أمعن جوليوس النظر في بولُوكس لتقييمه. أيقن أنّ المهارة لن تدوم طويلاً.

أحسّ بهالة بولُوكس تخبو ببطء مع استمرار النزال. خنّمن أنّ أمامه دقيقتين فحسب قبل العجز عن إبقاء المهارة نشطة. مع ذلك، تظلّ القدرة على مضاعفة قدراته الجسدية شتى مهارة قوية ضدّ أيّ خصم. ستفاجئ الكثيرين لا محالة، مانحة الفتى أفضلية. تساءل جوليوس عن وجود سلبيات للمهارة سوى فترة الضعف الحتمية فور نفاد طاقتها. يستحيل ألا تترك هكذا طاقة متقلبة ومتهورة مستخدمَها أضعف بعد خمودها.

يختار المقاتل الذكي الابتعاد عن بولُوكس إلى حين انتهاء المهارة، لكنّ جوليوس لم يره أمراً رياضياً كافياً. انتاب الفتى إلحاح غريب لمقارعة جوليوس. بدا وكأنّ لديه ما يثبته، سواء لنفسه أو لجوليوس، وصعب التمييز. ما زال جوليوس لا يبذل قصارى جهده، لكنّه شعر بأنّ أقلّ ما يمكنه فعله هو منح بولُوكس نالاً جيّداً. وهكذا فعل. بما أنّه اضطرّ بالفعل إلى استخدام تكويناته فمن الأفضل أن يستغلّها الآن.

اقتصر ما أراد كبحه على مفاهيمه، ومهارة الشفاء، والتقنية الجديدة التي تجمد خصومه. لن تضفي تلك القدرات متعة على القتال لأيّ منهما إن شرع في استخدامها. تقدّم جوليوس بخطوة وميضية وتلقّاه بولُوكس في المنتصف مسدّداً لكمة. أنشأ جوليوس لوح مانا أمام قبضة بولُوكس، غير أنّه خفّفه بدل صدّها بها. بدا الأمر وكأنّ القبضة غُمّدت في بطانية، وفور سيطرة جوليوس عليها، هوى بالتكوين رأساً نحو الأرض.

وتبعته ذراع بولُوكس. حتى مع اختلال وقفته تماماً، أُعجب جوليوس بقدرة بولُوكس على إبداء وميض دفاع. مع ذلك، لم يعنِ الأمر الكثير لجوليوس. انطلقت ساقه لتصطدم بورك بولُوكس مجدداً. لكنّه دعّم ساقه هذه المرة بتكوين تسنده حاجز القطع. واخترق هذه المرة حاجز هالة بولُوكس طارحاً الفتى عبر الغرفة. تخلّفه جوليوس وقبل تمكّن بولُوكس من النهوض عاود إطباق قبضته على ظهر الفتى بأسلوب يشبه غابرييل.

لشعر الأستاذ الأصلع بالفخر لرؤية تقنية جوليوس المحسّنة. أقحم جوليوس ساقيه بين ساقي بولُوكس مانعاً إياه من نيل أيّ رافعة. وضغط بكتفه على أضلع بولُوكس، دافعاً فتى الوحوش أعمق في الأرض. ونجح جوليوس بعدها في صُنع قيد يلتف حول ساقي بولُوكس، محرّراً ساقيه. أبدى بولُوكس قتالاً عنيفاً. منحته مهارته فرصة للردّ على قدم المساواة نسبياً. وبدا الفتى أقوى قليلاً من جوليوس من حيث القدرات الجسدية البحتة.

لكنّ ذلك لم يهم. فما إن ثبت ساقي الفتى. انتهى الأمر بالفعل. تسلّق جوليوس صدر بولُوكس وأرسل دفعات من الطاقة الحركية إلى جسد الفتى. لم يتوجّب على جوليوس القلق بشأن الكبح المفرط، فسيتولّى السوار أيّ ضرر يستطيع جوليوس إلحاقه. أدخل جوليوس ذراعه تحت ذقن الفتى الآخر أخيراً. ومثّلت ذراع واحدة لتثبيت الكتف، بينما استخدم الأخرى للخطاف تحت رقبة بولُوكس وشرع في الخنق. لحظة شعور بولُوكس بمدى عمق خنق جوليوس له، نقر ذراع جوليوس مرّتين.

لن يختنق بولُوكس حقاً، بيد أنّ السوار كان ليفعل فور وشوكه على الإغماء فلا مبرر لمواصلة القتال. أفلت جوليوس فوراً وابتعد عن بولُوكس. ثم مدّ يده عارضاً إياها على خصمه الساقط. لحسن الحظّ لم يبدو بولُوكس متذمراً من الهزيمة فتناول يده مع قهقهة قصيرة.

قال بولُوكس هازّاً رأسه: "علمت ذلك".

أثنى عليه جوليوس: "أبلأت بلاء حسناً. مهارتك تلك بالغة القوة".

هزّ بولُوكس رأسه: "لم تكن تحاول حتى".

هزّ جوليوس رأسه هذه المرة: "بل كنت أفعل، قدراتك الجسدية تشكل تهديداً حقاً".

قال بولُوكس بابتسامة متشككة: "أتقول إنّك بذلت قصارى جهدك؟".

أخبره جوليوس متصنعاً حكمة الحكماء: "بالطبع لا. لن يكون ذلك ممتعاً لأيّ منا. توجد أشياء معينة لا يمكنك قهرها بالقوة البحتة".

حدّقه بولُوكس بنظرة خاوية: "ماذا تقصد بذلك؟".

هزّ جوليوس كتفيه وابتسم بتهكم. ارتسمت على وجه بولُوكس ملامح التفكير وصمت لبرهة.

استنتج أخيراً على ما يبدو: "أتعني امتلاكك مفهوماً؟ ظننت الأمر ممكناً، لكن بصراحة، يستبعد حدوثه في المرتبة الثانية لذا فلست متأكداً".

قال جوليوس بغموض: "من يدرى".

منحه بولُوكس ابتسامة متحمسة: "أيمكنك تعليمي؟"

سأل مستعجلاً.

"أعلمك ماذا؟"

"كيفية اكتساب مفهوم. حاولت عائلتي تعليمي إياه، لكن بدا أنني أفتقر للموهبة".

سأل جوليوس: "إذن لمَ تظنّ بقدرتي على فعل ما عجزوا عنه؟".

منحه بولُوكس نظرة أأنت جاد.

"لأنّك تمتلك موهبة جلية فيه. ربّماحظيت بفرصة أفضل إن ساعدتني".

اكتفى جوليوس برميه بنظرة باردة.

هدده بولُوكس بوقاحة وابتسامة عريضة: "إن لم تفعل فسأخبر الآخرين".

رفع جوليوس بصره نحو السقف وأرسل دعاء. أرجوك أيّها الملوك، امنحوني القوة لكي لا أخنق هذا الفتى.

* * *

أفلح أخيراً في مقاومة الإغراء. صعب الأمر لكنّ امتلاكه لمفهوم الإرادة لم يكن عبثاً. وعَد بولُوكس بإيجاد بعض الوقت للعمل عليها إذ لم يحرص على توضيح انعدام اليقين. ولم يكترث بولُوكس للأمر وموافق بسعادة. بعد ذلك، افترقا ومُلئ عطلة نهاية الأسبوع حين أشرقت الشمس صباح اليوم التالي. بدأت عطلته هادئة للغاية. أمضى بعض الوقت محاولاً استكشاف مفهوم الفضاء لساعات معدودة ممارساً التمارين التي أرتها إي إياها، غير أنّه لم يبلغ شيئاً بصراحة.

أخبرته أليس مسبقاً بكبح توقعاته، فكونه ظفر بمفهوم الفينيق الصعب، لا يعني يسراً أكبر لمفهوم الفضاء. عُرف المفهوم بصعوبته البالغة التي يعجز كثر عن اكتسابها. أتمّ بعدها بعض المهام اللازمة لبعض صفوفه، ولم يستغرق ذلك سوى ساعة. وقضى بقية الوقت برفقة الآخرين مجرباً هوايات جديدة. تلقّى أخباراً سارّة مع ذلك. فرغم عدم عثور ليلي على شيء يذكر بخصوص ما جرى في الضيعة، نجحت في جمع المزيد من المعلومات حول أنشطة آل غرايسون في هيستون.

ووفقاً لمصادر ليلي، وسع البيت الدوقي عملياته ونفوذه. وحاولوا ترسيخ أقدامهم في رابطة المغامرين الحالية ومختلف الصناعات الأخرى في هيستون. وسيسمح لهم شراء المباني والشركات داخل المدينة بوضع بصمتهم والتأثير على بعض الصفقات الجارية في هيستون طمعاً. ظنّت ليلي أنّها لعبة نهمة للسلطة قد ترتدّ على آل غرايسون. وتُعدّ هيستون أرضاً حيادية لسبب وجيه. ولن ترضي القوى الداعمة للمدينة هكذا تحرّكات.

أطلعت ليلي جوليوس أيضاً على تفاصيل غابت عنه. فلم تضمّ هيستون حاكماً أو نبيلًا رفيع المستوى يسيطر على المدينة على غرار المدن العادية في الإمبراطورية المضيئة، بل ضمّت مجلس لوردات يديرها. بدا هؤلاء اللوردات سطحياً لعامة مواطني الإمبراطورية مجرد نبلاء منخفضين نسبياً يديرون المدينة. غير أنّ ليلي شرحت له تعقيد الأمر أكثر بكثير. فمثلما حظي مطعم العجلة الذهبية بدعم نسّاك أقوياء، حظيت بقية المدينة بالمثل.

بسط أولئك الأفراد الأقوياء سيطرة راسخة على هيستون. ولم يمثّل مجلس اللوردات سوى ممثلين للقوة الحقيقية خلف هيستون. أشخاص يعجز الإامبراطور نفسه عن إغضابهم بسهولة. وعلى صعيد طريف آخر، علم أخيراً أنّ الاسم الأول للدوق غرايسون هو دولان، وهو أمر غريب إذ لم يعتبر جوليوس الدوق شخصاً حقيقياً طوال هذا الوقت. بل مثّل بالنسبة إليه مجرد عقبة أخرى تعترض طريقه. وعلى أيّ حال، أنجب دولان غرايسون أبناءً وأحفاداً كثر.

لكنّ واحداً منهم على وجه الخصوص بدا طموحاً للغاية. وكان الابن الثاني ويسلي غرايسون رأس الحربة الأساسي للعديد من عمليات آل غرايسون. وعنى ذلك أيضاً احتمال تدبير ويسلي لما جرى في الضيعة. وبدل الدوق غرايسون، ظفر جوليوس بهدف آخر في مرماه. شعر جزء منه بارتياح طفيف. استحق الدوق دولان غرايسون لقب الدوق لسبب وجيه. فمثّلت قوته كصاحب مرتبة سادسة حجر الأساس لقوة الإمبراطورية.

ويعني الوقوف ضده مقارعة أحد أبرز الأفراد. بينما ظلّ ويسلي غرايسون في المرتبة الرابعة. ومع ذلك، عُعد فرداً شديد الموهبة قادراً على بلوغ المرتبة السادسة. ممّا يعني دعم العديد من أفراد العائلة له تحسّباً لوراثته لقب الدوق. غير أنّ امتلاك المرتبة السادسة وإمكانية بلوغها أمران مختلفان تماماً. وبدأ جوليوس يلمح خطة تتشكل في ذهنه. ومع ذلك، سيصبر بانتظار فرصته. ولم يبلغ المرتبة الثالثة حتى، لذا امتلك متساعاً من الوقت قبل بلوغ قوة كافية لمواجهة ويسلي وأنصاره.