قال أوبري بصوت متحشرج: "ماذا؟ ومتى حدث هذا؟ ظننتُ أنه سيستغرق أكثر من شهر".
قال جوليوس بغطرسة: "ماذا يمكنني أن أقول؟ أظنني مجرد متفوق يتجاوز التوقعات".
لكمته في كتفه بقوة ردّاً على ذلك، لكنها أخفقت في إخفاء ابتسامة على وجهها. كان الستة يمشون على الشاطئ بعد تناول العشاء. أخذ يشرح لهم الخطوط العريضة لما حدث طوال المسير. لم يتاح له الوقت البارحة حين عاد من عند دانت. ثم انشغل الآخرون اليوم بالحصص وما شابهها.
سأل ديريك: "إذن نجحت حقاً في ترقية مهارة شفائك الفائقة أصلاً إلى رتبة ملحمية؟"
أجاب جوليوس ممدداً المقطع الأخير بنبرة مرحة: "أجل".
شعر بأوبري تمسك بكتفه وتقربه منها.
سألت مازحة: "إذن أي نوع من المهارات هي؟ هل حصلت على مهارة شفاء أشد تفوقاً الآن؟ ربما تمنحك الخلود؟"
دفعها ليبتعد عن قبضتها.
قال: "لا، ليس شيئاً كهذا. حصلت على خيار الترقية العامة"، ثم توقف برهة وأردف: "رغم أنهم عرضوا عليّ مهارة تتيح لي البعث، أو هكذا ظننت على الأقل".
توقف أوبري والبقية عن السير مفاجئين، ليجد جوليوس نفسه ماشياً وحده للحظة. التفت خلفه متسائلاً عن سبب توقفهم، فرأى وجوههم ترتسم بتعبيرات متباينة. بدت على ليلي وديريك ملامح توحي بأن جوليوس قد جنّ أو ما شابه. بينما حملت وجوه أوبري وإدغار وكايل سحنات أكثر إثارة للاهتمام.
سألهم: "ما الأمر؟"
قالت ليلي بصوت عالٍ: "لمَ لم تأخذ تلك المهارة؟"
سأل جوليوس مستغرباً رد فعلها قليلاً: "أترين أن كان عليّ أخذها؟"
رمقه ديريك بنظرة خاوية.
وقال: "بالتأكيد. تحاول عائلتي شخصياً دفعي للحصول على مهارة مشابهة. مهارات البعث نادرة، لكنها تنفع في الغالب. يصعب الأمر كثيراً على شخص يمتلك تقارب البرق مثلي، إذ تقترن مهارات البعث عادة بتقارب الحياة أو الموت أو النور، رغم وجود حالات شاذة. مثل مهارة تدعى [تجسد البرق]".
سألت أوبري: "ألم أكن أظن أن [تجسد البرق] ليست مهارة بعث؟"
أومأ ديريك لها.
وقال: "أنت على حق تقنياً. إنها ليست مهارة بعث بقدر ما هي مهارة تسمح لي بتخزين جزء من روحي في مكان آمن. غير أنها تمنحني فرصة ثانية حال حدوث مكروه لي، شريطة توفر الموارد والتحضيرات المناسبة".
يبدو حقاً أن ليلي وديريك يعتقدان أنه كان حريّاً بي اختيار مهارة [بعث الرماد]. فلمَ قد تعتقد آليس ودانت غير ذلك إذن؟ قاطعهم كايل قبل أن يضيف أحد شيئاً.
قال: "أخالفكم الرأي في الواقع".
سأل جوليوس: "أهلاً؟"
سألته ليلي بفضول: "لمَ تعارض؟ ألا يحاول والداك دفعك للحصول على مهارة بعث أيضاً؟"
أجاب كايل: "بلى، لكن هذا لا يعني أن على الجميع امتلاكها. إنها مجرد خطوة تقدمها الكثير من العائلات النبيلة لأطفالها لتمنحهم فرصة أفضل للبقاء. أريد واحدة تحسّباً لأي خطأ قد يقع في تجاربي. لقد مات كثيرون من عائلتي بسبب حوادث مؤسفة. لكن هذه ليست النقطة المهمة. النقطة هي أنني أفهم لِمَ اختار جوليوس الترقية العامة".
سأل ديريك كايل: "ماذا تقصد؟"
رمقه كايل بنظرة نفاد صبر.
وقال: "أقصد أنك قلتها قبل لحظات. وصفت مهارة شفائه بالفائقة. فلمَ قد يتخلى عن مهارة بهذه القوة في مقابل مهارة بعث؟ مهارة لن تستطيع شفاءه بالطريقة التي تفعلها مهارته الحالية".
تدخلت ليلي: "لكنه يستطيع دائماً الحصول على مهارة شفاء أخرى".
سأل كايل بنبرة خبير كمن يطرح سؤالاً خداعياً: "أحقاً يستطيع؟"
بدا أن ليلي صمتت عند سماع ذلك.
جادل ديريك دون أن يلحظ رد فعل ليلي: "سيظل الأمر أسهل من ظفر المرء بفرصة لتعلم مهارة بعث أخرى، هذا مؤكد".
قال كايل باقتضاب: "لست متأكداً من ذلك تماماً".
"لِمَ؟"
التفت كايل إلى جوليوس برمقة متسائلة.
"أيمكنني إخبارهم؟"
أحقاً يعلم؟ لم أخبر أحداً باسم مهارتي الدقيق سوى ليلي. ومع ذلك، لم ير سبباً لعدم الثقة بهم. لم يظهروا تجاهه سوى الاعتمادية والصداقة المخلصة. فوق ذلك كله، تحلى باللياقة الكافية ليستأذن. أومأ جوليوس لكايل إيماءة خفيفة، فقد اراد معرفة ما إذا كان كايل يدرك كنهها. ابتسم له كايل بامتنان.
سأل ديريك: "ألم تتساءل يوماً عن سبب احتواء مهارة شفاء جوليوس على جانبي الحياة والنار؟"
أجاب ديريك: "بالطبع، لكن توجد مهارات شفاء كثيرة تجمع بين عنصري النار والحياة. ليست الأكثر شيوعاً لكنها تُرى بما يكفي لتنفي عنها صفة النُّدرة المطلقة".
سأل كايل: "وكم من تلك المهارات يمتلك قوة جوليوس في الرتبة النادرة؟"
عندها توقف ديريك فيما يبدو. رمق جوليوس الذي اتخذ ملامح بريئة متظاهراً بعدم علمه بالمحادثة. لكن ذلك لم يزد ديريك إلا شكّاً في جوليوس.
سأل صديقه ببطء: "ما الذي تحاول قوله؟"
شرع كايل يخطو بخطوات مترددة على الرمال.
"ظننتها مهاررتين مختلفتين في البداية. فكم مرة تجد مهارة تشفي بنطاق واسع إلى هذا الحد وبمثل هذه الشدة؟ لكنني علمت بخطئي. إنها مهارة واحدة حقاً".
قالت أوبري بنفاد صبر: "ألا يمكنك قول ما هي فحسب؟"
أخبرها كايل: "أعتقد أن مهارة شفاء جوليوس تضم شظاية طائر النار".
واو، اترك الأمر لكايل ليصيب كبد الحقيقة مباشرة. مع أنني لا أستطيع إبداء الدهشة، فهذا الفتى دقيق بشكل مقلق في هذه الأمور.
أكدت أوبري بحزم: "ماذا؟ ولِمَ قد تظن ذلك؟ مهارات طائر النار توجد واحدة من كل مليار".
سأل كايل بتعمد: "وهل ستتفاجأ حقاً لو حصل جوليوس على إحداها؟"
لم تبسُط أوبري حرفاً ردّاً على ذلك، بل بقيت صامتة تغرق في التفكير.
سأل ديريك: "ما الذي يجعلك تصدق ذلك إذن؟ ألمجرد أن مهارته قوية وترتبط بالنار والحياة؟"
أوضح كايل: "ليس هذا فحسب. فنطاقها الواسع بشكل غير عادي يدل على أنها مهارة تعتلي سلم الرتب مقارنة بالمهارات النادرة الأخرى. يجعل هذا القائمة ضيقة للغاية، ولكن حين ذكر جوليوس أنه قد يتمكن من شفاء روحه بتطوير مهارة شفائه، شعرت بثقة كبيرة حيال نوع المهارة التي يمتلكها".
التفت الجميع نحوه متطلعين إلى إجابة أو تأكيد على زعم كايل. رمقهم بابتسامة خفيفة.
وقال: "كانت مهارتي السابقة للشفاء تدعى [تجدد شبيه طائر النار]".
استمتع نوعاً ما بوقع انصعاق بعضهم حتى انفتحت أفواههم.
هتف أوبري بصوت عالٍ بحرقة: "بحق الجحيم كيف حصلت على مهارة شفاء لطائر النار وهي نادرة؟"
صحح لها جوليوس: "شبيه طائر النار".
"أخرس".
اكتفى بابتسامة مغرورة لها.
لكن قبل أن تتمكن من لكمه، قاطعهما إدغار متسائلاً بنبرة متقطعة الأنفاْس: "أيعني هذا أنك حصلت على مفهوم طائر النار لتطور مهارتك الملحمية؟"
رمق الفتى الضخم بابتسامة متفاجئة.
"أجل، هذا ما رغبت بإخباره لكم في الواقع".
قال ديريك كمن استقام الأمر في ذهنه أخيراً: "لهذا كنت واثقاً جداً من تعلم مهارة تشفي أضرار الروح في الرتبة الملحمية".
بدا على وجهه الذهول ليتحول سريعاً إلى حيرة.
وأردف: "رغم أنني ما زلت لا أفهم لمَ لم تختار مهارة بعث".
ذكّره أوبري: "إنه يمتلك مفهوم طائر النار يا ديريك. لا أظنه سيواجه صعوبة في تعلم مهارة تشتهر بها طيور النار أكثر من غيرها".
أقر ديريك: "أظن ذلك".
التفت الفتى الأشقر الوسيم إلى ليلي.
"لمَ لا تبدين متفاجئة كالبقية؟ كايل أفهمه، أما أنت فلا تبدين مذهولة".
قالت أوبري وهي تبوز شفتيها: "غالباً لأنها على علم بالأمر منذ فترة".
أخبرتهم ليلي وكأن الأمر غاية في البساطة: "كنت مقيدة بقسم".
سأل كايل باستفهام: "لكنك ما زلت ترين أنه كان عليه اختيار مهارة البعث؟"
رمقت ليلي جوليوس بنظرة ضيق.
وقالت بوضوح: "أعتقد أنه كان يجب عليه الحصول على تلك المهارة لأنني لا أود رؤيته ميتاً. ونظراً لعدم امتلاكه لأي غريزة لحماية نفسه، أرى أن ما فعله ما زال خطأ فادحاً".
تذمر جوليوس بخفتة: "هذا جارح"، ولم يكن خافتاً بالدرجة الكافية طبعاً.
سددت ليلي كامل نظرات غضبها نحوه.
"أحقاً؟ وما الذي كنت تفعله لتعلم مفهوم طائر النار ها؟ ألا تظن أن آليس لن تخبرني؟"
لم يملك سوى الصمت وفمه المفتوح ليكون الرد الوحيد. أخبرتني آليس؟ لست غاضباً، بل مذهول فحسب. إن كانت ليلي تعلم فكنت أظن أنها ستواجهني عاجلاً. هزت ليلي رأسها فحسب.
قالت بغضب: "هذا ما ظننته. لم أقل شيئاً لأنها وعدتني بأن الأمور ستسير على ما يرام، لكن هذا لا يغير مدى حماقة وخطورة ما اقترفته".
سألت أوبري: "ماذا فعل؟"
بادر بالرد سريعاً: "لاشيء".
قالت ليلي بتذمر: "أحرق نفسه حياً".
استدار كل واحد منهم ليرمقه بأفواه مفتوحة مرة أخرى. غير أن الدهشة استبدلت بتعبيرات منزعجة وقلقة. وحتى إدغار، الداعم الدائم لبرنامجه التدريبي القاسي، غاب عن الكلام.
سأل ديريك: "لِمَ؟"
تساءل كايل بحماس يفوق البقية قليلاً: "هل نجح الأمر؟"
شتمته أوبري: "يا له من غباء مطلق".
تجاهل جوليوس أوبري وديريك، موجهاً كلامه إلى كايل: "لا، لم ينجح للأسف. لكنه أفلح في اكتساب مفهوم النار".
أضاف تلك العبارة علّها تشفع له في تبرير أفعاله. لكنها لم تفعل، ولم تتوقف نظرات الاستنكار. رفع جوليوس يديه بطريقة استعطافية.
قال محاولاً تحويل الأنظار عنه إلى الفتى الآخر: "دفاعاً عن نفسي، لقد استوحيت الفكرة من ديريك".
أتى الأمر بنتيجة مضحكة وناجحة للغاية. فتحولت نظرات الاشمئزاز لدى ليلي وأوبري إلى لوم موجه لديريك.
سأل ديريك مذعوراً محاولاً إبعاد نفسه عن دائرة النار: "متى أعطيتك هذه الفكرة؟"
أخبره جوليوس بصدق: "حين ذكرت أن جَدّك وضعك داخل عاصفة برق لتساعدك على تعلم مفهومك".
لطم ديريك وجهه بكفه.
"لم أؤذ نفسي حقاً لفعل ذلك. لقد أعدّ عاصفة اصطناعية تحاكي البيئة، لكن لم يكن الأمر كأنني أصعق بالبرق فعلاً. كنت في أمان تام".
قال ببساطة: "آه".
لم يخطر ببالي هذا قط.
إذن فكرتي "العبقرية"
أتت نتيجة سوء فهم؟
سألت ليلي بغموض: "أترين الآن لمَ تمنيت لو أنه حصل على مهارة البعث؟"
رمق كايل جوليوس بنظرة معقدة.
وقال: "أجل، ربما كانت مهارة البعث خياراً أفضل".