استيقظ جوليوس في فراغ تامّ. بدا الفراغ مألوفاً إلى حدّ ما، شبيهاً بذلك الذي أُرسل إليه حين التقى جاسپر للمرة الأولى. لكنْ، بخلاف ذاك الفراغ، بدا هذا الفراغ أكثر راحة بكثير. انتابته راحة منزله الخاصّ. كأنّ كلّ شيء في هذا الحيز يخصّه وحده. آخر ما تذكّره هو احتراقه حيّاً. ضحك بصوت عالٍ حيال ذلك. يا للسخرية، فبعد كلّ محاولاته لاحراق نفسه، تطلّب الأمر شخصاً آخر ليفعلها ويجهز عليه.
ما احتمالات حدوث ذلك؟ ألقى نظرة على الحياة الآخرة. أو ما افترض أنها الحياة الآخرة. فهذا هو التفسير الوحيد المنطقي في عقله. كانت لحظاته الأخيرة صراعاً من أجل البقاء، وها هو فجأة يجد نفسه هنا دون أدنى فكرة عن الكيفية أو السبب. وحين التفت متفرّساً، لمس عدة كرات متوهجة من الضوء. كانت نجوم ضوء رُسمت على لوحة الفراغ. لو لم يكن قد مات لتوقّف طويلاً ممعناً النظر في هذا المنظر.
لِمَ لا استمتع بها؟ حتى لو كنت ميتاً، فسيكون عاراً ألا أُقدّر هذه اللحظة، هكذا وبّخ نفسه. فاستوعب المشهد بأسره محاولاً تقبّل ظروفه. جرح كبرياءه بعض الشيء أن يموت بتلك الطريقة. لم يكن يهوى التباهي بمهاراته، لكنّه في الواقع كان فخوراً بقوته أشدّ الفخر. آمن حقاً أنه إن مات، فسيكون ذلك على يد كائن من الفئة الرابعة أو الخامسة على أقلّ تقدير. الموت بجهد أخير من كائن في الفئة الثالثة بدا...
تافهاً بعض الشيء. أراد أن يصرخ في الفراغ ليفرّغ إحباطه. كان لديه الكثير لينجزه. الكثير ممّا أراد تحقيقه. أراد استكشاف العالم الذي تمنّى ارتياده. والآن... بات عاجزاً. تلك هي الخسارة الحقيقية. لم يعد يمتلك الفرصة. لقد ظفر بفرصة ثانية مسبقاً، لكنّه شكّ في ظهور ثالثة من عدم. الحياة متقلّبة. الحياة تشبه شعلة تتراقص وتخبو، دون أن تدري متى يكون يومك الأخير. أمّا بالنسبة له، فقد أتى ذلك اليوم أسرع بكثير ممّا كان يأمل.
تمنّى لو أُتيح له وقت أطول لإتمام أهدافه. أتى الموت دون استئذان فخطفه. وها هو يتجه نحو حياة أخرى محتملة، ودون أن يظنّ هذه المرة أنّه سيحتفظ بذكرياته. لم يكن يؤمن حقاً بالتناسخ من قبل، لكنّه ما إن أدرك وجود السحر، حتى بات غير مندهش لمعرفة حقيقة الأمر. تنهّد بحرقة. هذه مجرد الدورة الطبيعية. دورة الحياة والموت. إنّه مفهوم وُجد قبلي وسيظلّ هنا طويلاً بعد رحيلي، هكذا فكر في قرارة نفسه بجدّية.
وفي تلك اللحظة حدث شيء ما. كأنّ أحدهم يمدّ يده إليه. تصاعد اتصال عميق الجذور في داخله وامتدّ ليقبض على الفراغ. لم يكن يدري عمَّ يبحث. لكنْ عوضاً عن إجهاد عقله بحثاً عن إجابة لفهم الأمر، اكتفى بالجلوس والتأمل. لاحظ أخيرًا أن الاتصال الكامن فيه امتدّ نحو أحد الأنوار في الفراغ. كان هذا النوار تحديداً أحمر قانياً تتوسطه دوّامة متعرّجة من الأسود والأبيض. في اللحظة التي تحول فيها تركيزه نحو هذا النور، كان كأنّ أحدهم قبض عليه ونقله ليقف أمامه مباشرة عن قُرب، لم يكن النور كبيراً، فربما بلغ حجم قبضته فحسب.
أصغر بكثير ممّا توقّع. عجز عن كبح فضوله فمدّ يده لينقر الكرة المتوهجة بإصبعه. في اللحظة التي لمسها فيها، شعر بعقله بأسره يرتبط بمحتويات الكرة. أدرك كنهها في الثانية ذاتها. كان شيئاً يألفه تماماً وقد أنقذ حياته مراراً وتكراراً. لقد كانت مهارة [تجدد الفينيق الزائف]. لم يفهم حقاً ما كان يجري. أيعني هذا أن جميع مهاراته تُمثَّل بتلك الكرات؟ لقد كانت الأنوار أكثر بكثير من عدد مهاراته.
لذا لم يكن ذلك منطقياً حقاً. غير أن شيئاً آخر حدث عند لمس الكرة. وجد الاتصال الكامن في داخله والذي مدّ يده نحو الكرة ضالته. كانت داخل المهارة، وشعر باتصاله الداخلي يقبض عليها. ثم شعر بها تبدأ في محاولة التهامها، كوحش جائع. ما الذي يجري بحق الجحيم؟ فجأة، شعر بشيء ينفكّ من داخله. وبدقة أكبر، شعر بأنّ شيئاً ما يتحرر في كلّ مكان حوله. لقد خمن مكانه أخيرًا. اعتقد أن هذا هو حيز روحه.
لا عجب أن هذا المكان بدا مألوفاً ومريحاً للغاية. لقد كان حرفياً كلّ ما يمثله. كان التجسيد الحي لروحه. وكان هذا التحرر حصوله على شيء سعى إليه طويلاً. تنبيه: يجري رصد الرنين... جاري تقييم الخيارات... تم رصد اكتساب سابق لمفهوم النار. متطلبات مفهوم الحياة أو مفهوم الموت غير مستوفاة... تعذر تطوير مفهوم النار. جاري تقييم خيارات بديلة... تنبيه: تم رصد شظية. تنبيه: هل ترغب في استهلاك شظية الفينيق قسراً؟
جاري استهلاك الشظية... شعرت روح جوليوس بأكملها وهي تحترق. كان الأمر أشبه بإضرام النار في نفسه مجدداً، لكنه عوضاً عن الألم، غمره طوفان من النشوة عند حدوثه. بدا كأنه يُغسل بنار من الحيوية. وتلك الوحش الجائع نال وجبته طال انتظارها. تم استهلاك الشظية بنجاح... جاري تقييم المتطلبات... متطلبات الألفة النارية... مستوفاة. ألفة الحياة/الموت... مستوفاة. متطلبات التجربة السابقة للموت...
مستوفاة. متطلبات التجربة السابقة للبعث... مستوفاة. متطلبات المفهوم... تم قبول البديل. تدفقت القوة تغمره. شعرت روحه وكأنها تُغمر بجرعة هائلة من سيل من النار ومانا الحياة. تهانينا. لقد طوّرت مفهوم النار: الجمرة المتقدة إلى مفهوم الفينيق: البعث الرمادي. أطلق جوليوس ضحكة في الفراغ. يا لها من متطلبات عجيبة؟ لم يكتفِ الأمر باشتراط امتلاك أُلفة النار والحياة، بل تطلّب أيضاً خوض تجربة الموت والبعث.
ما احتمالات حدوث ذلك؟ لا عجب أن الحصول على مفهوم الفينيق كان بالغ الصعوبة. ومن ذا الذي يمكنه الادعاء بأنه مات ثم بُعث أيضاً؟ بعد أن فرغ من ضحكه، أطلق تنهيدة. لن يفيده هذا المفهوم كثيراً على أي حال. لربّما لو امتلكه قبل أن يحترق ويصير رماداً لناجا من ذلك الانفجار الانتحاري، لكنّ الأقدار شاءت بالطبع أن تمنحه إياه بعد أن مات. أو ربما لا... لِمَ قد أتلقى إخطاراً بعد أن أموت؟
لا مبرر لذلك إطلاقاً، فلو كنت ميتاً لكنت... ميتاً فحسب. اشتعلت شرارة أمل في داخله. ربما لم يكن قد مات بعد. ومع ذلك، يطرح هذا تساؤلاً حول سبب وجوده هنا. ألا يزال جسده حياً وكان فاقداً للوعي فقط؟ وإذا كان الأمر كذلك، فكم من الوقت تبقى له؟ وحيث إن هناك احتمالية لنجاته، نهض عن مؤخرته وبدأ في التحرك. أول ما فعله هو الاتصال بمفهومه عن الفينيق. إن أراد النجاة، فسيلزمه بعض العون من مفهومه الجديد.
في اللحظة التي اتصل فيها بمفهوم الفينيق، شعر بتدفق من القوة لا يشبه أيّاً من مفاهيمه الأخرى. كانت عنيفة ومُهدئة في آنٍ واحد بشكل غريب. بيد أن الجودة هي ما باغته. لقد جعلت مفهومه عن الحدة يبدو كمفهوم النار القديم مقارنة بها. عادة ما كان ليُزعجه معرفة أن أحد مفاهيمه قد يكون أفضل، لكنه شعر بالحماسة هذه المرة. هذا هو ما يحتاجه تماماً. إن أراد النجاة من هذا، فسوف يحتاج إلى الكثير من العون من مفهومه.
أخذ يتصور مفهوم الفينيق وهو يمدّه وروحه بالقوة. بدا الأمر سهلاً بشكل مدهش. كأن المفهوم كان يعلم مسبقاً إلى أين يريد الذهاب. شعر بشيء فجأة. بشيء في أعماق الفراغ السحيق. أدرك غريزياً أن هذا جسده في العالم الحقيقي. المشكلة هي كيفية العودة. أخذ يغذّي مفهومه على طول هذا الخط المتصل بجسده إلى جانب [تجدد الفينيق الزائف]. اتضح أن جسده لا يزال موجوداً، لكنه كان معلقاً بخيط رفيع.
وعلم أنه لا بدّ أن القليل من المانا قد بقي لديه، لكنه أمل أن يساعده مفهومه الجديد في ذلك. وساعده بالفعل. غير أن ذلك لم يكن كافياً بعد. لقد احتاج إلى شيء أكثر، إلى شيء أشد قوة. في تلك اللحظة تحديداً، شعر جوليوس بالاتصال بينه وبين دراسيل ينفجر مجدداً. ظهر ضوء أخضر يانع يتدلى بين النجوم ليمنح جوليوس الطاقة الإضافية التي يحتاجها. ثخن الخط مع تدفق المزيد من جوهر دراسيل فيه.
لكنّ هذا لم يكن كلّ ما في جعبة جوليوس. لم يدرك حتى ما كان يفعله إلا حين استرجعه لاحقاً. شرع في ضخ جوهر حياته داخل المهارة، معززاً إياها مؤقتاً إلى مستويات تفوق المعتاد. وإلى جانب مفهومه الجديد ومعونة دراسيل، استطاع شحن جسده بالمهارة بأقصى طاقة. بذل قصارى جهده. استخدم إرادته العاتية ليدفع نفسه إلى ما وراء حدوده بكثير. سنحت له فرصة وسيلعن الحظ لو أهدرها. كان حيز روحه يهتز حرفياً من شدة دفعه.
تمكن أخيرًا من دفع تلك الصخرة الضخمة متجاوزة الخط، وفجأة استُبدل الفراغ المظلم المرصع بالنجوم بنور أبيض عمياء بَصره. *** الألم. هذا أول ما أحسّ به عند استيقاظه. الألم فحسب. لا ينبغي أن يكون جديداً أو مفاجئاً في هذه المرحلة، لكنه ظلّ يشعر بأنّ الأمر بات مبالغاً فيه وأقرب إلى المعتاد. تفقد حالته بسرعة. عجز عن الإبصار، فلا بد أن النيرات أتلفت عينيه. مع ذلك، ظلّ يمتلك [الإدراك المكاني]
ليتنفس الصعداء بارتياح عارم. فحص جسده مستخدماً تلك المهارة. ما وجده لم يكن جيداً. جعله عاجزاً عن الكلام لفترة لا بأس بها، إذ سرقه الذهول عن الإحساس بالألم. لم يدْرِ كيف ما زال حياً. لم يتبقَ له أيّ أطراف. لم يكاد يملك صدراً أو رأساً كذلك. كان يشبه أساساً قطعة دجاج محترقة تحت كومة من الرماد. لحسن الحظ، كان لا يزال حياً وهذا كل ما يهم، فأطلق تنهيدة ارتياح خرجت على شكل سعال أزيزي.
كانت مهارة شفائه تعمل بأقصى طاقة، لكن تعزيز الروح لم يعد موجوداً. يعني ذلك أنه كان يتعافى ببطء شديد. لم يكد يتبقى لديه أيّ مانا، وأي ما كان يجدده طبيعياً كان يُرسل فوراً إلى جسده. لحسن الحظّ على مفهومه الجديد. ساعد مفهوم الفينيق في خفض تكلفة المانا وجعل المهارة أكثر فعالية بكثير أيضاً. ولعلّ هذا هو السبب الوحيد لبقائه حياً. غير أنه لم يملك شيئاً آخر يفعله في الوقت الراهن.
استطاع فقط الاستلقاء هناك، مدفوناً تحت تلّ من الرماد بينما يعالج نفسه ببطء. ومع بقاء الألم حاضراً، طغى الارتياح الهائل الذي شعره في تلك اللحظة. أراد أن يضحك، لكنّ أحباله الصوتية كانت لا تزال في حالة مزرية. لم يمت، ممّا يعني أنه ما زال يمتلك فرصة لإنجاز أهدافه. لم ينتهِ وقته في هذا العالم بعد. قاطعه عن تأملاته إشعار.
[حكيم الوحشية مستوى 4 -> مستوى 6]
[تهذيب الروح مستوى 1 -> مستوى 5]
[تعزيز الإرادة مستوى 16 -> مستوى 17]
[تجدد الفينيق الزائف مستوى 19 -> مستوى 20]
أوه، هذا رائع بحق. بالطبع أكافأ على كوني على وشك الموت مجدداً، هكذا سخر في سرّه بازدراء. كان هذا العالم قاسياً. يكافئ الألم والمعاناة والموت وتخطّي الحدود. شجّع النزاعات وكان همجياً في جوهره. ومع قوْل هذا، لم يملك جوليوس إلا أن يعشقه.