درب التسامي الفصل 174 — يستمتع بوقته

اقرأ درب التسامي الفصل 174 — يستمتع بوقته باللغة العربية على مانجا تايم.

استبدّ باليوس الذعر. تجوّلت عيناه ذهاباً وإياباً مستعيناً بمهارة الإدراك بكامل طاقتها للعثور على بغيته. عجز عن إيجاد البسطة التي لمحها فيها آخر مرة. راح يهرول حول الساحة التي تضمّ بسطات عديدة كدجاجة مقطوعة الرأس. شكّل هذا أسوأ سيناريو ممكن بالنسبة له. أخذ يتضرّع لعلّ البائع غادر مكانه فحسب، وألّا يكون قد توقف عن بيع سيخ اللحم. لعسن الحظّ، وبعد دقائق عدة من البحث المحموم والسؤال، ظفر بالبسطة في الطرف الآخر من الساحة.

سرّه أن البسطة قد توسّعت أيضاً. بلغت مساحتها ضعف ما كانت عليه حين أكل جوليوس هنا آخر مرة، والتفّ حولها جمع غفير. فاح عبي اللحم المشوي الحلو واللاذع والمدخّن من على الشوايات على مسافة أقدام كثيرة. اضطرّ للانتظار طويلاً في الطابور، لكن الأمر استحق العناء بحقّ. حاز حصصاً كافية لتنال كل مجموعة حصّة كاملة ويفيض منها المزيد. لم يدرِ متى يشعر بالرغبة في تناولها ثانية، ودائماً ما يُعدّ الاحتفاظ بالقليل من اللحم الشهي في حقيبته لفترات الطوارئ فكرة سديدة.

كانت الشمس تغرب في الأفق، فعاد أدراجه نحو الحرم الجامعي آكلاً سيخه وابتسامة عريضة ترتسم على محيّاه. أبلغ البقية مسبقاً بجلب طعام لهم، فكانوا بانتظاره في غرفة التدريب المعتادة. وصل ووجهه ملطّخ بالصلصة، وفي إحدى يديه سيخ خشبي فارغ انتهى للتو من التهام ما عليه. رمقه الآخرون بنظرات فضولية. عرفوا عادته وشغفه بالطعام، لكن نادراً ما بدا بهذا القدر من الفوضى. الشخص الوحيد الذي خلت نظراته من الفضول كان إدغار.

ما إن وقع بصره على وجه جوليوس الملطّخ والسيخ الخشبي حتى تعلت وجهه أشدّ تعابير الحماس التي قد تظهر على فتى عملاق مفتول العضلات. استخدم إدغار مهارة التعزيز الجسدي للاندفاع نحو جوليوس. انتفت الحاجة لتبادل الكلمات. أدرك جوليوس مهمته، وعرف إدغار غايته. أخرج سيخاً آخر من خاتمه بحركات مسرحية ولوّح به أمام إدغار. طبّق إدغار قبضتيه وانحنى قليلاً أمام جوليوس. وبإيماءة متعجرفة، منح جوليوس الإذن لإدغار لاستعادة عصا اللحم المقدسة.

تناول الفتى الضخم من السنة الرابعة السيخ بلطف من يديه وأقضم منه ببطء. تدفقت العصارة الساخنة وتناثرت على زيّ الفتى، لكنه لم يكترث. فقد استغرق تماماً في استطعام اللقمة مغمض العينين.

سألت أوبرا من مكان وقوفها: "أهذه هي السيقان التي لا يملّ إدغار من الحديث عنها؟"

كانت هي وليلي تتدربان على بعض الحركات التي تعلمتاها في حصة غابرييل. بدأت ليلي تتقن القتال بالأيدي بشكل جيد للغاية. لن تصبح أبداً المقاتلة الأفضل، لكنها قادرة بالتأكيد على تدبّر أمرها جيداً. برأيه، بدا أن هجماتها تحتاج إلى مزيد من الشراسة. فقد بدت أحياناً حذرة وجبانة أكثر من اللازم في القتال القريب.

علق دريك: "أظن ذلك. أتذكر بوضوح رؤية السيقان ذاتها ملقاة على أرضية غرفة إدغار من قبل".

سألت أوبرا بحماس أكبر قليلاً: "هل أحضرت ما يكفينا جميعاً؟"

هزّ جوليوس رأسه.

أجابها باِعتذار: "عذراً، لم أكن أعرف أنكم تريدون شيئاً".

اتهمته أوبرا: "لكنك قلت إنك ستحضر طعاماً يكفينا جميعاً".

أوضح جوليوس: "نعم، لكن البسطة كانت مزدحمة للغاية وشعرت بالحرج لطلب الكثير".

قطّبت أوبرا وجهها وعادت للتدرب مع ليلي، مبيّنة لها كيف تطرح خصمها أرضاً بساقيها بطريقة صحيحة أثناء الالتحام. شعر جوليوس باقتراب كايل متسللاً. كان يقرأ في الزاوية ويراقب بقية الفريق أثناء التدريب. بيد أن كايل وضع كتابه جانباً فور دخول جوليوس. بأقصى قدر ممكن من التكتم، ناوله جوليوس سيخاً ساخناً يخرج منه البخار. منحه الفتى تربيتة امتنان على كتفه، فبادره جوليوس بإيماءة متواطئة نحو أوبرا.

فكايل، الصديق الحقّ، استوعب الأمر فوراً. وضع أصابعه قرب فمه وأغلقه كالسحاب بابتسامة خفية. أخذ سيخه وعاد بسعادة إلى مكانه في الزاوية ليتابع القراءة في كتابه. لا بدّ أن أوبرا قد شمّت رائحة ما، فقد رآها تتوقف عن عرضها مع ليلي وتلتفت صوبهما. رفعت رأسها إلى الأعلى وراحت تستنشق الهواء كالكلاب. ثم رأت السيخ في يد كايل وركضت بغضب نحو جوليوس والمانا تسري في عروقها.

* * *

نجح في تهدئة أوبرا بإلهائها. أخبرها بالخبر السار؛ أن روحه لم تعد في تلك الحالة الحرجة. ابتهج الجميع لسماع ذلك. حتى أوبرا سرّت لأجله، بل ربما كانت أشدّهم فرحاً، متناسية تماماً غضبها السالف منه. أوضح أيضاً أن الجرح لم يلتئم تماماً بعد. فاحتياجه لتطور مهارة الشفاء شرط أساسي ليعود لترميمه بالكامل.

قالت أوبرا بعد أن فرغ من كلامه: "أه، كادت تفوتني. لديّ شيء لك"، وناولته مكعباً صغيراً.

رمقتها بنظرة حائرة لكنه تناوله وفحصه. حمل المكعب المعدني طبقات عديدة من النقوش الرونية على سطحه. كما نبض بالمانا والهالة، ولا ريب في أن أياً ما كان هذا الشيء، فهو ثمين. بدت صناعته فائقة الاتقان.

سألها: "ما هذا؟"

تجنبت النظر في عيناه وتمتمت بصوت خفيض: "ربما تحدثت عن بعض مشاكلك لأمي. أرسلت هذا البارحة. يبدو أنه أداة مستخدمة في تحالف الصباح الساطع. تُستعمل لمساعدة مرشحيهم الرئيسيين على تحمّل ضغط الروح الهائل في تدريباتهم، وظنّت أنه قد ينفعك".

منحها جوليوس ابتسامة لطيفة. نادراً ما كانت أوبرا عاطفية، لكن عاطفتها بدت محببة دائماً حين تظهر.

همس: "لم تكنِ بحاجة لفعل ذلك من أجلي".

تأففت أوبرا: "لم أفعله من أجلك. أخبرتها ببعض التفاصيل الصغيرة لا أكثر. هي التي أصرّت، وقد تعلمت ألا أجادلها في أمور كهذه".

سأل: "من أين حصلتِ على شيء مماثل؟"

أجابت بكتفين مرتخيين بلا مبالاة: "ذكرت أنها انتزعته من مرشح قتلته منذ فترة، ولم تجد له فائدة، لكنها أملت أن يساعدك".

إذن، هذه غنيمة حصلت عليها والدتها؟ سأل نفسه بسخرية.

"لا أعرف مدى الفائدة التي ستجنيها منه الآن بعد أن تحسنت حالتك، لكنها أرسلته بالفعل لذا ربما من الأفضل أن أعطيك إياه".

مشى جوليوس نحو الفتاة ومنحها عناقاً كبيراً ودافئاً.

قال لها: "شكراً لك".

تجمدت مكانها وبادلته تربيتة محرجة على الكتف لكونها غير معتادة على مثل هذه المشاعر. لم يعلم إن كان سيساعده، لكنه قدّر هذه اللفتة بأكثر مما تعلم. وربما يعينه ذلك حين يتعلق الأمر بتطوير مفهومه. كما خطرت بباله فكرة أخرى. شرحت له أوبرا باختصار طريقة عمله فأخفاه لاستخدامه لاحقاً، بينما استمرّ في الابتسام لها طوال الوقت.

* * *

انحنى أسفل رمح غوبلي التخوم المندفع. تمثّل التغيير الجديد في حصة القتال التطبيقي في تقديم وحوش شبيهة بالبشر. وحين ذُكر الأمر، ظن جوليوس أنه يقصد الغوبلين كالذي قاتله في صدع المستوى الثاني. لقد أصاب نوعاً ما. فقد واجه الصفّ بأسره سلالة متحورة من الغوبلين تُدعى غوبلين التخوم. وهي وحوش تنشأ في بيئات مانا عالية الكثافة الأرضية. وعلى عكس السلالة العادية، بدوا أشدّ قوة وأذكى.

تشبه جلودهم الحجارة وخلوا من الطباع الوحشية للغوبلين العاديين. ما جعلهم خصوماً أشدّ خطورة منذ البداية. ولحسن الحظ، عنى هذا الذهن الأهدأ أنهم أكثر ملاءمة لتدريب الطلاب. ظل يرتدي جهاز القمع في تلك اللحظة رغم عدم حاجته إليه بعد الآن. استعمله لعدة أسباب؛ فأولاً، قمع المانا لديه ومثّل تمريناً جيداً للتحكم بها. وثانياً، أتاح له تدريب مهاراته الأخرى من دون القلق بشأن ارتقائها في المستوى.

أراد تفادي أيّ ترقٍّ في المستوى لحين حصوله على مهارته الجديدة، لكنه رغب في التدرب قليلاً، فكان هذا هو الحلّ. وثالثاً، ظنّ الأمر أكثر إمساً بهذه الطريقة. وإلا لكانت المعارك قد انتهت سريعاً جداً. وبهذه الطريقة على الأقل، أُجبر على تركيز انتباهه بالكامل. جدير بالذكر أيضاً أن تأثيرات الألم المنبعثة من الجهاز لم تعد حاضرة كما كانت من قبل. وبدا أن الحصول على [تهذيب الروح]

ساعد كثيراً في ذلك. وبينما بقي بعض الألم، تكفل جهازه الجديد ببقية الأمر. بدى المكعب المعدني الذي منحته إياه أوبرا شديد البساطة في الاستخدام. ومثله مثل جهاز القمع، تطلب فقط ضخّ هيلته الخاصة لتفعيله. لم يعرف بعد كيف يعمل بدقة، لكنه أرسل تأثيراً مهلئاً ومبرداً لهالة روحه. مما ساعد كثيراً في التخفيف من الألم المتبقي كلما ارتدى الجهاز. عنى هذا تمكنه من ارتداء جهاز القمع بلا خشية من الألم.

تبّاً! ذكّر نفسه بحزم بضرورة التركيز أكثر حين كاد رمح الغوبلين يطعنه في صدره، رغم أنه خدش كتفه على أي حال. ضخّ طاقة حركية عبر جسده بالقدر الذي سمح له جهاز القمع بالتحكم فيه، وأدار كتفه جانباً مع هجوم طعنة أخرى. ثم هوى بيده على عود الرمح الحجري. وسدد بسرعة ركلة أمامية نحو صدر الغوبلين المكشوف. استعان بتطبيق الهالة والطاقة الحركية لفعل ذلك. وتعلّم أنه بينما لم تكن الزيادة كبيرة مقارنة بالجهد المبذول، فعندما يكون مقيداً هكذا، تصبح كل قطرة ذات شأن.

وتعلم أيضاً أن استخدام هيلته على هذا النحو له تأثير على مهارات الدفاع لدى خصومه.

فلو ركّز على استخدام مفهوم الإرادة القاطعة، استطاع "قطع"

صلاتهم بمهاراتهم الدفاعية عند تسديد ضربة. لم يدم ذلك طويلاً، لكن في القتال، قد تصنع ثانية أو ثان تقريباً فارقاً حاسماً. خفّت تقنية التعزيز الحجري للغوبلين ووجّه جوليوس لكمة أخرى نحو صدره. ولم يتحمل جسده الأضعف بكثير هذه الضربة كسابقتها. شعر بقبضته تحطم الجلد الحجري وترسله محلقاً للخلف. لم يمنحه أي مساحة. اندفع للأمام وواصل تسديد اللكمات. كان الغوبلين قد استعاد مهارته للتو وأخذ يدافع عن نفسه بشراسة، لكن الأوان قد فات.

لقد انتصر بالفعل، وما عاد الأمر سوى إنهاء المعركة بنظافة. استغرق الأمر نصف دقيقة أخرى، لكنه أوهنه في النهاية وحطم وجهه. أخذ نفساً عميقاً هادئاً حين انتهى. لقد تحسن كثيراً خلال هذه الفترة رغم توقفه عن التدرب بجنون. تحسنت قدرته على مقاتلة خصوم المستوى الثاني بجهاز القمع بصورة هائلة. لم يعد يخسر أي قتال ووجد نفسه قادراً على الوقوف حقاً على قدميه بعد المعارك. لم ترتفع مستوياته، لكن تقنيته ومهارته الخالصة تطورتا.

حتى إن جوشوا وجيمس كانا يثنيان مراراً على تحسنه. وقد شجعاه الاثنان بقوة، حتى حين خسر بعض المعارك. تمنّى لو تمكن من قول الشيء نفسه عن بقية الطلاب. لا يزال بعضهم يراقب الكثير من معاركه، لكن ليس بالعدد المعتاد. بدا أن التخبط والتعرض للضرب كان أكثر إثارة لاهتمامهم مقارنة بانتصاره الفعلي على الوحوش. رغم ذلك لم يدع الأمر يزعجه. فقد كان يستمتع بوقته.