كان مخطئاً. مرة أخرى. وممّا لا شك فيه أن هذا لم يعد مفاجأةً له ولا لأي أحد آخر. لم يكن الألم مؤقتاً بأي حال من الأحوال. بل كان ثابتاً ومؤلماً للغاية. هل ذكر أنه كان مؤلماً؟ كان اليومان الأولان هما الأسوأ. وبات يخشى الصباحات كلما استيقظ. ولم يكن مساعداً أبداً أن النوم الفعلي الذي يحصل عليه كان مذهلاً ومنعشاً. كان الأمر أشبه بالاستحمام بعد يوم مُرهق، ليفاجأ المرء بوجه مليء بالوحل فور خروجه من الحمام.
لم يكن الألم وحدَه الجزء الأصعب من وضعه الجديد. بل تمثّل التحدي العاطفي الأكبر الذي واجهه في اضطراره لشرح ظروفه الجديدة للأشخاص الذين يعرفهم. وفي حين كانت ليلي تعلم بالأمر مسبقاً، كان عليه إخبار البقية بالخبر السيئ. لم يشاركهم بكل شيء كما فعل مع ليلي، لكنه أخبرهم بما يكفي ليفهموا جوهر مشكلته العام. وقدّم لهم نسخة مختصرة عن تضرر روحه واضطراره للخضوع لبعض العلاجات لأجل ذلك.
كان ديريك وإدغار وكايل متعاطفين للغاية مع مشكلته. وحرصوا على أن يشعر جوليوس بدعمهم له، حتى إن ديريك عارض بأن يطلب المساعدة من جده. رفض جوليوس بطبيعة الحال، فهؤلاء لم يكونوا يعلمون أنه يحظى مسبقاً بمساعدة اثنين من أصحاب المرتبة السادسة. أما أوبري، فلم تكن لطيفة مثلهم.
بل حرصت على اغتنام الفرصة لتقول له "ألم أخبرك بذلك"
عدة مرات كلما أمكنها. لكن ذلك كان متوقعاً. أمّا ديكلان فكان شرح الوضع له أكثر صعوبة بعض الشيء. توجّه جوليوس إلى مركز الحراس بعد مغادرته مكان دانتي وأخبرها بالنسخة ذاتها التي انتهى بها الأمر لإخبار أصدقائه بها. وكانت المشكلة تكمن في أن ديكلان كان غاضباً من نفسه أكثر من غضبه من جوليوس. كانت راي وأوروس هناك، لذا كان من الجيد اللحاق به. وساعدا أيضاً في منع ديكلان من المبالغة في ردة فعله.
ظل نائب القائد يجلد نفسه لعدم مراقبته لجوليوس بشكل أفضل. ومهما قال جوليوس لمحاولة تهدئة الرجل، لم يكن ديكلان يصغي. لقد حمّل نفسه المسؤولية الكاملة عن تضرر روح جوليوس. أظهر ذلك حقاً مدى اهتمام ديكلان بجوليوس وجعل جوليوس يقدر الرجل أكثر ممّا كان يفعله من قبل. تكمن المشكلة مع ذلك، في أن الرجل قد عاد إلى مهام جليسة الأطفال، لكن بدرجة قصوى. أول ما فعله ديكلان هو استعادة بطاقة الدخول إلى الصدع.
وفي حين لم يؤثر ذلك حقاً على جوليوس نظراً لأنه لم يكن ليستخدمها في المستقبل المنظور، إلا أنه لا يزال يؤلمه أن تُسلب منه امتيازاته تماماً كما يسلب الأب جهاز غيم بوي من طفل لا يؤدي بشكل جيد في المدرسة.
* * *
كان قد استيقظ للتو، رامشاً ليزيل آثار النعاس من عينيه. أزال دراسيل عن وجهه، فقد علقت ذراع الروح بطريقة ما في فم جوليوس في منتصف الليل، ثم نهض من السرير. كان الوقت مبكراً لذا كان هنري لا يزال نائماً بعمق في السرير الواقع على الجانب الآخر من الغرفة. تحقق جوليوس من الوقت فلم يكن يتجاوز السادسة صباحاً. ممّا يعني أنه حصل على ثماني ساعات من النوم تماماً. وقد اكتشف سريعاً أن الجمع بين الألم المبرح طوال اليوم وجرعة الروح التي أعطته إياها أليس عملا بشكل جيد لإيقاعه في نوم عميق ومناسب.
أخذ نفساً مهيئاً لنفسه ليُعدّها وفعّل جهاز التعذيب على معصميه مع أنين خفيف. ظل الألم سيئاً بالقدر نفسه، لكن لحسن الحظ، جعله الاستخدام المستمر له يتأقلم مع الألم بسرعة. كان الضغط المألوف وقوة السحق على روحه يصبحان جزءاً من روتينه. كان من المضحك مدى سرعة تأقلمه مع الإيقاع الجديد. لو لم يكن يتألم بهذا القدر، لضحك على المفارقة. وما إن بدّل ملابسه وارتدى زيه حتى رتب سريره وخرج إلى المكتبة للقائه الصباحي المعتاد مع غريس.
لم يخبرها بحالته كما فعل مع البقية. أخبرَها بأنه ليس على ما يرام حين لاحظت تعابير الألم على وجهه في أول صباح يعود فيه، لكن هذا كل شيء. لم يكن الأمر كأنه يعرفها منذ فترة طويلة. لكنه استمتع بصحبتها مع ذلك، لذا إن حدث وأتى الأمر، فلن يمانع في إخبارها ببعضه. فقط، لم يرى ضرورة لتفريغ مشاكله عليها بعد. لقد فعل ذلك من أجل الآخرين بشكل أساسي لأنه سيؤثر على جداولهم وما سيفعلونه مع جوليوس كنتيجة لذلك.
بينما مع غريس، كان جلّ ما يفعلانه هو الأكل والقراءة معاً، ولن تؤثر حالته على روتينهم بذلك القدر. حرص على تدفئة نفسه ببعض مانا النار لدى دخوله المكتبة. كانت الصباحات أبرد بقليل من المعتاد كلما اقترب الشتاء. تلك كانت أمراً آخر لاحظه بشأن جهاز الكبح الذي صنعه له دانتي. وبما أنه قيد روحه، فقد يعني ذلك أيضاً أن استخدام مهاراته أو مانا الخاصة به أصبح أكثر صعوبة بكثير.
وعنى ذلك بالطبع أن تدفئة نفسه حتى تطلبت جهداً أكبر ممّا ينبغي. ليس هذا فحسب، بل إن كمية المانا المتاحة له كانت أقل بكثير. لم تكن سعة المانا الخاصة به قد انخفضت بشكل دائم، لكن القدرة على الوصول إليها باتت شبه مستحيلة. لم يستطيع استخدام سوى جزء ضئيل ممّا كان قادراً عليه في العادة. وبالنسبة لشخص مثله، اعتاد على امتلاك تلك الكمية الهائلة من المانا، أثرت عليه هذه المعوقة أكثر ممّا اعتقد في الأصل.
لكن من الناحية الإيجابية، سيساعده ذلك على الأرجح في تقدير مخزونه الأكبر بمجرد انتهائه.
* * *
بعد أن التقى بغريس، كان عليه الذهاب إلى بقية حصصه. ظلت غريس ترمقه بنظرات مقلقة طوال الوقت، لكنها لم تتدخل. كان الأمر لطيفتً، فقد تظاهر اثناهما بأن شيئاً لم يحدث وظلا يخرجان كالمعتاد. ما كان صعباً هو ما تبقي من اليوم. وتحديداً، كانت حصة القتال التطبيقي هي الأكثر تأثراً بحالته الجديدة. كان التدريب البدني هو الأكثر عادية. وبغض النظر عن الألم الناتج عن الحركة المفرطة، فقد تمكن من إكمال الحصة دون مشكلة تُذكر.
ومضت مقدمة المانا والارتقاء بالمرتبة بشكل جيد بصورة مفاجئة أيضاً. لم تتطلب أي منهما الكثير منه، ووجد نفسه يتصرف كالكثير من الطلاب الذين سخر منهم في الأصل. بل ضبط نفسه نائماً في مناسبتين. حين وصل إلى القتال التطبيقي فقط أصبحت الأمور صعبة. ما زالوا يقاتلون الوحوش هذا الأسبوع، لكن جوليوس هذه المرة لم يكن مضطراً للتظاهر بالضعف. تطلب الأمر منه هذه المرة كل ما يملكه لمجاراة الوحوش فحسب.
وبالحديث عن الوحوش، تعثر للخلف متراجعاً إثر ضربة رأسية من هذا الغوريلا المتحول الذي كان يواجهه. لم يكن سريعاً، لكنه لم يكن كذلك أيضاً، كان يتحرك كدبس بارد. وحتى مع استخدامه [تعزيز الحركية] بأقصى ما يستطيع، لم يتمكن سوى من ضخ طاقة حركية تكفي لتفاديه بالكاف بالكاد. علقت تكشيرة كريهة على وجهه وهو يشن هجوماً. لمر يرغب في إطالة أمد القتال لفترة أطول. فكلما طال أمده، زاد شعوره بالإسهال وساءت فرصه في الفوز.
شعر جزء منه بسخافة بالغة لصعوبة تعامله مع هذا القرد البدين. لكن جزءاً آخر منه كان يستمتع بذلك هائلة. وعلى الرغم من الألم الشلل الذي كانت تعاني منه روحه، لم يشعر قط بأنه أكثر حيوية بينما كان الغوريلا ذو الأظافر الطويلة يكاد ينتزع وجهه. بدا الأمر وكأنه كما كان قبل حصوله على كل مهاراته الفاخرة وتقدمه. بدا وكأنه قتال حقاً، قتال حقيقي حيث كان الطرف الأضعف. لقد اعتاد جداً على قتال الوحوش حين كانت لديه قوة جسدية ومانا فائقة، لدرجة أنه نسي شعور أن يكون الطرف المستضعف مجدداً.
ولم تكن النزالات ضد الآخرين وغابرييل تحسب. لذا، وبقدر ما كان محرَجاً لمعاناته في مواجهة وحش وضيع من المرتبة الثانية، فقد طغى على ذلك شعور الإثارة الذي غمره وهو يشعر بريح مخالب الوحش تخطئ وجهه بفارق شعرة. ولم ينظر حتى إلى زملائه الذين علت وجوههم نظرات حكم حين صمد بالكاد. كما لم يلاحظ ابتسامته المحمومة وهو يقاتل الوحش بيأس. لم يكن لديه الكثير من الوقت ليُمعن التفكير في الأمر، فقد كان مشغولاً جداً بالبحث عن أي ميزة يمكنه إيجادها.
كان قلبه يتسابق داخل صدره، ليس بسبب الخوف، كلا، لم تسمح له [حكمة الشراسة] بأن يدع الخوف يؤثر عليه هكذا، بل كان الابتهاج الذي يتسلل من خلاله. لأنه في تلك اللحظة بالذات، وجد ثغرتة. وجّه الغوريلا الأحمق ضربة اجتياح واسعة أخرى، لكنه كان قد فعل الشيء ذاته مرتين بالفعل في القتال. عرف جوليوس ما سيلي ذلك. وقرر أنه إن لم يستطِع التغلب عليه بالقوة، فسيتغلب عليه بالدهاء. انزلق بخفة أقرب إلى الغوريلا بينما كان يطلق نفسه من قدميه في نفس القفزة السابقة، متجنباً مخالبه بالكاد.
ثم بكل الطاقة الحركية التي كان يدخرها طوال القتال، وجّه ضربة قاسية إلى جانب رأس الوحش. شعر بشيء يتصدع تحت قبضته، لكنه لم يتراجع بعد. سرعان ما حاصر الوحش المذهول ولم يمنحه ثانية واحدة للوقوف على قدميه. أفرغ كل ما يملكه. كانت كل ضربة موجهة إلى مكان ضعيف. شعر بالعظام تتصدع واللحم يُسحق بهجومه حتى نفد كل ما لديه في النهاية. سقط على الأرض كدمية متحركة قُطعت خيوطها. لم يبقَ شيء في الخزان.
كان الأمر الأكثر إحراجاً هو أن ذلك لم يكن كافياً لقتل القرد الغبي. فقد كان قريباً من حدوده هو الآخر لكنه استطاع الزحف إلى قدميه وبتسديدة مطرقة بطيئة وضعيفة بشكل مضحك، أسقط ضربة على ظهره. لحسن الحظ، تفعّلت الدفاعات التلقائية للسوار وحمته من أي ضرر حقيقي. وسرعان ما اختفى الوحش متحولاً إلى جزيئات من المانا وعائداً إلى الدائرة. كانت الخسارة مريرة بالتأكيد. لم يكن يحب الخسارة، بل كان يكرهها.
لكنه كان قتالاً ممتعاً أيضاً، لذا لم يستطع الانزعاج كثيراً. عليه فقط تقديم أداء أفضل في المرة القادمة. والمثير للدهشة أن روحه لم تألمه بهذا السوء أبداً بعد هذه القتالات الصعبة. وكأنه بمجرد انتهاء القتال، شعر بانتعاش تقريبي وسط حيرته الحقيقية. لم يكن يرفع مستوى مهاراته أو مفاهيمه، لذا كان الأمر منطقياً نوعاً ما. لكنه كان يظن أن دفع نفسه بهذا القدر سيتسبب بألم أكبر.
تجاهل النظرات الغريبة التي تلقاها من زملائه وخرج من السلبة قبل أن ينهار على مقعد قريب. شعر بدراسل وهو يغرس بعضاً من جوهره فيه. ثم أصدر أجيناً ودفع ببعض مانا الحياة إلى [تجديد الطائر شبه الوهمي] الذي كان استخدامه أصعب بكثير أيضاً. في الأصل، كان يخطط لعدم استخدام جهاز قمع الروح بالقدر الذي فعله. أخبرته أليس أنه سيضطر لاستخدامه لساعتين على الأقل يومياً ليعمل بالشكل المتوقع، لكنها ذكرت أيضاً أنه لا ينبغي أن تكون هناك سلبيات كثيرة لاستخدامه لفترة أطول طالما بوسعه تحمله.
الكبيرة الوحيدة هي أنه كان عليه التعامل مع الألم لفترة أطول. وقد ذكرت تحديداً أنه طالما لا يستخدمه أثناء نومه ويسمح لنفسه بالتعافي منه، فلن تكون لديها أي مشاكل في الكيفية التي يقرر بها استخدامه. ومع ذلك، وعلى طريقة جوليوس المعتادة، اعتبر ذلك تحدياً. لمَ لا يستخدمه بالقدر الذي يستطيع تحمله بأمان؟ فكلما استخدامه أثناء النهار، عجل بالحصول على مهارة [مقاومة الروح] وقصر الوقت الإجمالي الذي سيضطر فيه لارتداء هذا الشيء البشع.
ومع ذلك، حرصت ليلي حقاً على تعطيل الجهاز كل ليلة كي لا يُغرى باستخدامه بدلاً من النوم. لم يرتده قطعاً حين كان يقاتل لأنه ظن أن القتالات معه أكثر إثارة. كلا، سيكون ذلك جنوناً. لم يكن بذلك القدر من الجنون. راقبت ليلي عن كثب أيضاً. وكلما بدا مرهقاً للغاية، قامت بتعطيله مستخدمة الجهاز الذي أعطته إياه أليس. لكن بعد نقاش طويل معها حول شعور الألم الذي يصبح أسوأ بعد إعادة التفعيل عقب استراحة، سمحت له ليلي باستخدامه لفترات أطول.
ومن المفارقات أن الاضطرار لتشرح أداءه الأخير في الحصة لأشخاص مثل جووشوا وجيمس كان مزعجاً أكثر من الجهاز نفسه. من الواضح أنهما كانا قلقين بشأنه، لكن جوليوس لم يشعر بالارتياح لمشاركة التفاصيل معهما بعد. وبالطبع، جعلهما ذلك أكثر فضولاً وضغطا عليه للحصول على مزيد من التفاصيل. حاول قدر الإمكان تفادي الأمر، لكنه شعر بأنه سيضطر في النهاية لإخبارهما بشيء ولم يكن يتطلع حقاً لذلك.