لم يكن أمام جوليوس خيار آخر في الواقع. كانت على حقّ. كره الاقرار بذلك لكنها أصابت. سيعمل غالباً على تطوير مهارته الشفائية على أمل أن يحل ذلك أزمة روحه.
سيكون أعزل أمام صبرها بانتظار أن تشفي روحه "طبيعياً"
كما وصفته. وفي حين استمر عجزه عن التيقن حقاً من صحة ما أخبرته به عن روحه، لم يجد سبباً يدفعها للكذب عليه.
"لا أعتقد أن بمقدوري فعل ذلك"، أجابها بصدق.
لابد أنها استشعار ترددها الحقيقي لأنها استرخت قليلاً واقتربت منه.
"الطريقة الوحيدة لنجاح هذا الأمر تكمن في معرفتي الدقيقة بقدراتك. أنا أدرك معظم مهاراتك بالفعل لكني أحتاج معرفة كل تفصيل، نقاط قوتك، نقاط ضعفك، وأي شيء آخر قد يساعدني في تقييم حالتك بدقة أكبر"، شرحت له بنبرة غاية في الإخلاص.
أومأ برأسه موافقاً ليعلمها بفهمه للأسباب. مع ذلك، رفض مشاركة كل أسراره مع شخص التقى به للتو قبل أقل من ساعة. لكن فكرة أشرقت في عقله.
"هل ترفضين عقد عهد تعاقدي معي؟"
سألها. التفتت لتنظر إليه بنظرة مستاءة.
"أنت، تريد مني عقد عهد تعاقدي معك؟"
جهل ما بدر منه لإغضابها فاكتفى بالإيماء برأس بخفة نحوها. قطبت جبينها نحوه.
"ولماذا أربط روحي بصاحب رتبة ثانية؟ أنا من أقدم المساعدة إن لم تكن دريت."
وشك في الرد لكنه عض على لسانه. كانت محقة، فهي من تملك كل الأوراق الرابحة.
"لم لا تفعلين ذلك فحسب يا أليس؟ ليس وكأنّه يخطط لاستخدام الأمر ضدك"، تدخل دانتي.
رمت أليس دانتي بنظرة حادة محذرة إياه بالصمت وإلا. رفع الرجل المعني يديه مستسلمًا ساخراً وأبقى فمه مغلقاً. التفتت المرأة أخيراً نحو جوليوس.
"حسناً، أنا موافقة على ذلك. لكن سيكلفك الأمر شيئاً إضافياً."
"وما تكلفتي السابقة؟"
"كنت سأجعلك تخبرني بكيفية تمكنك من تعلم مهارة الإدراك تلك. أردت كل تفصيل عن كيفية حصولك عليها"، أخبرته.
"هذا كل ما في الأمر؟"
سأل جوليوس متفاجئاً. توقع ما هو أببعد من ذلك بكثير. شيئاً أقرب لبيع روحه للشيطان. لربما أخبرها بكل شيء منذ البداية لو جاءت لتعليمه بعض الأشياء.
"هذا فحسب، هكذا تقول؟"
ضحكت بتهكم غير مصدقة.
"أنت تجهل مدى قيمة مهارة كهذه أليس كذلك؟"
اكتفى جوليوس بهز كتفيه. علم يقيناً أنها مهارة ذات قيمة، لكن صعوبة تصديق عدم تعلم أي شخص في هذا العالم الواسع لذات المهارة طوال تلك السنين بقيت قائمة.
"لا مانع لدي من إخباري بكيفية حصولي على تلك المهارة تحديداً. لا أعدك بقدرتك على استنساخها، لكنني لن أخفي عنك شيئاً. والآن، ما الشروط الأخرى التي تملكينها للموافقة على العهد؟"
سألها. اكتفت بالابتسام له.
"أريد الوصفة."
ماذا؟ تريد الوصفة؟ فكر جوليوس مع نفسه، غير متوقع لذلك الطلب إطلاقاً.
"أتريدين الوصفة؟"
سأل متأكداً من سماعه بوضوح. عرف بالتأكيد أي وصفة تقصدها، لكن أذنيه رفضتا التصديق. أدخل أصابعه في أذنيه ونظفهما للتأكد من خلوهما من أي عائق.
"نعم، شرطي لإبرام العقد هو منحني وصفة الشوكولاتة الساخنة تلك"، قالت بابتسامة متحمسة.
أطلق دانتي تأوهاً مشمئزاً من جانبه.
"أهذا جادّ؟!"
أدارت رأسها بسرعة نحوه.
"ماذا؟ ألديك مشكلة مع طلبي؟"
ثبت العجوز هذه المرة في مكانه. عقد ذراعيه ورمقها كأنها تعاني تلفاً دماغياً.
"نجل، بلى. تجعلين الأمر يبدو معضلة كبرى لعقد مرتبط بالروح ثم يقتصر الأمر على بعض الشوكولاتة الساخنة لتستسلمي؟ أي صنف من أصحاب الرتبة السادسة أنت؟ أنت عار علينا جميعاً."
"لا تحكم علي بسبب طلبي الشخصي. أنت لم تجرّبها حتى، لذا اخرس ولا تقل شيئاً. ولا تنسَ ذلك الوقت حين منحت نواة رتبة خامسة لصاحب متجر معكرونة!"
أشارت نحوه بغضب. أرجوك، أأنت جاد؟ فكر جوليوس مراقباً تشاجرهما كزوجين عجوزين. ومن بحق الجحيم يدفع نواة رتبة خامسة مقابل القليل من المعكرونة؟ لعلني أعمل في المجال الخطأ.
"كم مرة ستعيدين طرح الأمر؟! أخبرتك، لم أملك شيئاً آخر أدفعه. ولم أكن لأرفض دفع ثمن وجبة الرجل"، جادلها.
"كان بمقدورك إعطاؤه جوربك المتسخ ليرضى بسعادة. لظل مع ذلك أرخص بمائة مرة من تكلفة الوعاء"، ردت أليس لاذعة.
"من تظنينني؟ أأعطي أحدهم جوربي المتسخ مقابل وجبة شهية كهذه؟"
سأل دانتي مستاءً كأن مجرد الفكرة أثار اشمئزازه.
"مهلاً..."
حاول جوليوس التدخل. تجاهلاه واستمرا في الجدال ذهاباً وإياباً.
"مرحباً؟"
تجاهلاه أيضاً. نفد صبره أخيراً من التجاهل فصنع كرتين غير حادتين من المانا اللينة. أطلقها مباشرة نحو المتشاجرين. وخلافاً لتكوينات المانا السابقة التي أنشأها، قطعت هاتان التكوينات مسافة أبعد لعدة أقدام قبل تبددهما إلى جزيئات مانا غير ضارة. مع ذلك، بدا الأمر كافياً لجذب انتباههما.
"هاه، إذن تلك هي مهاراتك الملحمية الأخرى"، قالت أليس بنبرة مسترخية كأنهما لم يكونا يتشاجران للتو.
"جيدة حقاً، فهي تحمل مفهومين. رغم أن مفهوم النار يبدو باهتاً بعض الشيء مقارنة بالآخر"، أضاف دانتي بنفس القدر من الاسترخاء.
"مهلاً! لا تسخر منها!"
دافع جوليوس عن مفهومه. فقد بذل أقصى جهده ولم يستحق تقليل عجوز مثله من قوته. اكتفى دانتي بهز كتفيه.
"لا تلمني على امتلاك مفهوم باهت."
مع ذلك، بدت أليس مهتمة فجأة.
"أنت محق. يبدو «باهتاً» حقاً."
ظهرت على وجه جوليوس ملامح الإحباط.
"ليس أنت أيضاً."
أطلق دانتي ضحكة مجلجلة. تجاهلتهما أليس واستطردت.
"اعتقدت بالأساس أنه مفهوم أضعف، لكنني أعتقد أن هناك ما يميزه."
توقف دانتي عن الضحك فجأة حين سمع نبرتها.
"ما تعنيه؟"
سأل مهتماً. تجاهلته مجدداً متجاهلة استياء دانتي والتفتت إلى جوليوس.
"أتملك مهارة متفوقة ذات جوانب نارية؟"
كيف عرفت؟ لم يجبها.
"أنا مستعد لإخبارك بكل شيء عن مهاراتي فور أدائك للقسم"، ذكرها.
نقرت على لسانها وأومأت متفهمة.
"حسناً، لئلا نضيع المزيد من الوقت إذن."
التفتت إلى دانتي.
"أتعرف أحداً مستعداً لإعداد الطقوس؟"
هز دانتي رأسه نفيًا.
"ليس هنا. أنت تعلمين أنني لم أعد منخرطاً في تلك الأمور."
تنهدت أليس.
"أظن أنه يمكنني إحضار شخص أعرفه ليقوم بها لأجلنا. رغم احتمال انشغاله."
"انتظر"، تدخل جوليوس.
التفت الاثنان نحوه.
"أنا أعرف من يمكنه إعدادها لأجلنا."
رمقته بشك.
"أتعرف من يفعلها؟ أمتأكد، فهذه أمور شديدة التقدم."
أومأ برأس واثق.
"نجل، لقد أعدت واحدة لي من قبل. والأهم من ذلك، يمكنني الوثوق بها."
منحته أليس نظرة تقييمية قبل أن تهز كتفها.
"حسناً، إن كنت واثقاً. أين تلك الشخصية؟"
"في قمة الذروة."
"حسنًا، فلنذهب لإحضارها."
"ماذا؟ كلانا؟"
سأل جوليوس.
"بالطبع، سيكون نقلك هناك أسرع"، قالت كأن الأمر بديهي.
قبل أن يلفظ بحرف آخر، أمسكته أليس من كتفه وشعر باحتوائه داخل طبقة من المانا. ثم شعر فجأة وكأنه يُعصر خارج أنبوب كمعجون أسنان. تطلع حوله متفاجئاً بما رأى. وجد نفسه أمام بوابات المدرسة. لقد نقلته آنياً مباشرة إلى المدرسة خلال ومضة. رمقها بنظرة متحمسة بينما سألت عيناه ألف سؤال. لم تنبس بكلمة لكنها رأت نظرته واكتفت بابتسامة خبيثة نحوه. مدركة رغبته العارمة في معرفة طريقتها في ذلك.
"لا بد أن توافقك عالية، فالأغلبية يتقيؤون في المرة الأولى"، علقت.
"توافق؟"
سأل بارتباك. لم تجبه بل أشارته نحو البوابات بإيماءة نفاد صبر. أراد معرفة قصدها لكنه تمالك نفسه وعقد العزم على سؤالها لاحقاً. فقد امتلك ما هو أهم للقيام به، كالعثور على ليلي. بينما كان يهرول نحو مهاجعها أخرج حجر الاتصال من خاتمه وبعث برسالة إلى ليلي. أدرك احتمال استمرار الفتاة في النوم، لكنه تمنى خلاف ذلك ليجنبه عناء الذهاب إلى مهاجعها. مع ذلك، لم يفاجئه صمتها وغياب ردها.
فالفتيات يحببن النوم طويلاً في عطلات نهاية الأسبوع بعدكل شيء. شق طريقه عبر الحرم الجامعي متعرجاً وسط حشود الطلاب. بدا مزدحماً بما أننا في عطلة نهاية الأسبوع، وكان معظم الطلاب في طريقهم للاستمتاع بأيام إجازتهم. لكنه وصل أخيراً إلى مهجع ليلي. كان مبنى مخصصاً خصيصاً لطلاب السنة الرابعة. زاره جوليوس مرة واحدة من قبل وتذكر بوضوح كونه أرقى بكثير من مهاجع السنة الأولى التي أمضى وقته فيها.
شعر بقليل من الحسد تجاههم. تجاوز زوجين من الطلاب الأكبر سناً عند دخوله المبنى. رمقوه بفضول لكن دون إيقافه أو منعه من الدخول. لاحظ تعرف البعض عليه من وقته الذي أمضاه مع الآخرين. عندما بلغ باب ليلي وأوبري، طرق الباب بقوة. وانفتح بسرعة مثيرة للدهشة. لم يستغرق سوى دقيقة أو نحو ذلك. وحين انفتح الباب، ظهرت ليلي ناعسة. تناثر شعرها الأشقر وبدت عيناها البنفسجيتان نصف نائمتين بعد.
مع ذلك، ما إن رأت هويته حتى استيقظت فجأة. لابد أنها شعرت ببعض المشاعر القلقة التي تغلي داخل صدره فبحثت عنه بقلق. ومنذ حصوله على [حكيم الهمجية]، غدا رصد مشاعره أكثر صعوبة عليها، لكنها استطاعت رؤيتها إن لم يخفها بنشاط. وهو ما لم يفعله في تلك اللحظة.
"ما الخطب؟"
سألت بسرعة.
"أحتاج مساعدتك"، قال جوليوس ثم شرح لها حاجته منها بأسرع ما يمكن.