أخبرها بكل شيء. من لقائه بدانتي قبل شهرين تقريباً. وصولاً إلى لقائه بأليس وما أخبرته به. القول إن ليلى استشاطت غضباً يعد تقليلاً ممّا حدث. لم يكن يدري ممّا غضبت أكثر. في البداية قلقَت على حالة روحه وأرادت معرفة كل تفاصيل ظروفها. لكن عندما شرعت في إخبارها بتدريبه المتواصل ليلاً واكتساباته الأخيرة للمفاهيم جن جنونها. خامره شعور بأنه لو لم يكن مصاباً في تلك اللحظة لانهالت عليه ضرباً أو لقّنت عقله درساً قاسياً.
وبصراحة لم يكن ليلمها. لقد كان غبياً. وكان ذنبه وحده أن تصل روحه إلى هذه الحالة أصلاً. كان عليه أن يشعر بالامتنان لأن أليس قالت إن ثمة طريقة لإصلاح الأمر. وفي حين لم يكن يعرف كيف ستفعل ذلك بعد فقد بدت واثقة من أن الاحتمال قائم على الأقل.
وبّخَتْهُ ليلى للمرة العاشرة في غضون دقائق معدودة قائلة: "أخبرتك بأن حصولك على قسط حقيقي من الراحة أمر مهم".
كانت تتبع جوليوس حالياً نحو المكان الذي أنزلته فيه أليس أمام البوابات بينما أمطرتْهُ بتوبيخ لاذع طول الطريق.
واصلت ليلى تنفيس غضبها قائلة: "لا أصدق أنك لم تكن تنام على الإطلاق! نعلم جميعاً أنك كنت تتدرب بجنون لكنني لم أكن أعرف أنك بهذا الغبي. كان عليك إخبارنا!".
حاول جوليوس تهدئتها فقال مبرراً: "أخبرت أوبري بجدول نومي تقنياً".
لكن ذلك لم يهدئ الفاتنة الغاضبة بأي شكل من الأشكال. بل لعل الأمر زاد سوءاً. رأى عينيها الأرجوانيتين تتوهجان بخطورة للحظة وشعر بهالتها تخرج عن السيطرة قليلاً وهو أمر شاذ تماماً عنها. كانت ليلى تملك أفضل تحكم بالهالة شاهده خارج دكلان والأستاذ يوما.
التفتت نحوه بهدوء وسألته: "تقول إن أوبري كانت تعلم بأمر تدريبك؟".
انكمش في مكانه وقال متراجعاً عن كلامه السابق: "ليس كل شيء".
سألت ليلى بصوت خافت للغاية: "لكنها كانت تعلم أنك تتخلى عن النوم؟".
لم يمتلك الشجاعة للرد بالكلمات فكتفى بإيماءة بطيئة برأسه.
رأت إجابته فأومأت برأسها بدورها وقالت بغموض: "أرى ذلك".
اعتذر جوليوس لنفسه: أنا آسف يا أوبري! أينما كانت. لقد أطلق للتو ليلى غاضبة ووجهها نحو الفتاة الأخرى. جعله ذلك يشعر بالذنب تقريباً لكنه تذكر بعد ذلك كل سخرية أوبري فشعر بذنب أقل قليلاً. حدث نفسه: حسناً الأمر قد يكون أسوأ.
سأل محاولاً تغيير الموضوع قليلاً: "هل أنت متأكدة من موافقتك على فعل هذا؟".
كان قد أخبر ليلى بما يحتاجه منها بالفعل لكنه لم يكن قادراً على شرح السبب الكامل لذلك. وهو نفسه لم يكن يعرف الأسباب الدقيقة أيضاً. كان يعلم فقط أن أليس تريد منه مشاركة كل مهاراته وأنه لم يشعر بالارتياح ما لم يكن هناك نوع من الحماية.
التفتت تنظر إليه عابسة وقالت: "بالطبع أنا متأكدة. إن كنت تظن أنني لن أساعدك لمجرد أنني غاضبة منك فأنت أبلة أكثر مما ظننت".
نظر جوليوس إلى الأسفل وأخفى ابتسامة تسللت إلى وجهه. *** عندما وصلا إلى البوابات الأمامية أخيراً كانت أليس واقفة في المكان نفسه الذي تركها فيه جوليوس. لم يكن قادراً على استشعارها عبر [الإدراك المكاني] ممّا اثار إحباطه الشديد. كان يكره اضطراره للاعتماد على عينيه. أهكذا يجب على الناس العاديين رؤية العالم؟ أشعر بالأسف تجاههم نوعاً ما الآن. مع ذلك كان الأمر مفاجئاً عندما رأى ليلى تبدأ المشي بخطى أسرع قليلاً نحو أليس.
علت وجه الفتاة الصغيرة ابتسامة قوبلت بمثلها من أليس. التقت المرأتان في عناق ودي كبير. وعندما وصل إليهما سماهما تتحدثان بحماس إلى بعضهما البعض. هاه غريب.
سألت ليلى بحماس: "أليس! ماذا تفعلين هنا؟".
سألت أليس في الوقت ذاته: "ليلى؟! أأنت الشخص الذي جلب هذا الفتى؟".
سألت ليلى أليس: "نجل، لقد أت إلى سكنى طالباً المساعدة في إعداد طقس من أجلي. هل أنت الشخص الذي كان يتحدث عنه؟".
قاطعها جوليوس عندما وصل قائلاً: "أتعرفان بعضكما البعض؟".
التفتت إليه ليلى وقالت بسعادة لجوليوس: "بالطبع! أليس صديقة مقربة لعائلتي. أعرفها طوال حياتي تقريبا! كان عليك إخباري بأنها هي من تساعدك".
علّق جوليوس: "لم أكن آخذ علماً بأنكما تعرفان بعضكما".
جعله ذلك يشعر براحة أكبر بكثير حيال مشاركة "أسراره"
حتى تحت قسم لأليس. كانت ليلى في نظره حَكَمَة ممتازة على الطباع.
أعلنت ليلى بفخر: "نعم أليس هذه هي مستشارة السحر المكاني التي تعتمد عليها عائلتي في بعض مشاريعنا. إنها إحدى أبرز الخبيرات في مجالها".
أضافت أليس بابتسامة: "اجهشي بالصمت ستجعلين هذه العجوز تحمرّ خجلاً. هناك الكثيرون غير ممن هم أوسع علماً بنظرية المكان مني. بالكاد أستطيع تسمية نفسي خبيرة".
تمتم جوليوس بصوت عال متبوعاً بالحيرة: "عجوز؟".
تفاجأ بأنها تصف نفسها بالعجوز. التفتت أليس برأسها نحوه بسرعة فرمته بنظرة غاضبة منعته من قول أي شيء آخر. رفع يديه مستسلماً على سبيل المزاح.
أثنت ليلى على المرأة قائلة: "كفي عن هذا يا أليس. لم يكن جدي لييعتمد عليك لو لم تكوني الأفضل".
قالت أليس بفرح وهي تجذب ليلى لعناق آخر: "أيتها المشاكسة الصغيرة! كيف حال والدتك؟".
أخبرت ليلى المرأة الكبيرة: "هي بخير وقد ظهرت بضع مشاكل مؤخراً لذا فهي أشد انشغالاً من المعتاد. لكن يجب عليك الذهاب لرؤيتها فهي تستحق استراحة".
راقب جوليوس الاثنتين وهما تتبادلان أطراف الحديث كصديقتين قديمتين. لم يكن لديه أدنى فكرة أن الأمور ستؤول إلى هذا الحد. وقف هناك بارتباك دون أن يدري ما يجب عليه فعله.
*** سألت ليلى بقلق: "الأمر سيء إلى هذا الحد؟".
شرحت أليس وهي تبدو منزعجة قليلاً وترميه بنظرة جانبية مغتاظة: "نعم. إنه أحد أسوأ الحالات التي رأيتها في رتبة 2. لحسن الحظ لديه بضع مزايا قد تجعل مساعدته ممكنة. مع ذلك سأحتاج لمعرفة قدراته قبل أن أمضي قدماً. وهو لم يشعر بالارتياح دون وجود عقد ساري المفعول".
كان الثلاثة قد عادوا إلى منزل دانتي. وكانوا جالسين هذه المرة على الشرفة. أحضر دانتي باهتمام بعض المرطبات والوجبات الخفيفة ليستمتعوا بها أيضاً. عاد الرجل العجوز إلى الداخل للعمل على بعض المشاريع بينما ناقش الثلاثة التفاصيل. وكما قال من قبل لم يكن ملماً كثيراً بالقدرات المتعلقة بالروح ولم يهتم بها كثيراً أيضاً. ومع ذلك عرض بشكل مفاجئ أن يخضع لقسم بنفسه. قال إنه لن يكون أمراً كبيراً وتعامل مع الأمر ببرود تام.
لكن جوليوس خامره شعور بأن العجوز المتجهم كان مهتماً بمعرفة بعض مهارات جوليوس أكثر ممّا أبدى. كان الشاي جيداً لكن أليس كانت ترمق جوليوس بنظرة مترقبة. تنهد وأومأ برأسه لها. أحضر ثلاثة أكواب من الشوكولاتة الساخنة واحداً لكل منهم. أطلقت ليلى هتافاً متحمسة عندما فعل ذلك فقد كانت متلقية لهذا المشروب مرات عديدة من قبل وأحبته بشدة. وكانت تضع اللمسات الأخيرة على طقس أيضاً.
لقد وجدت لنفسها قسماً من الشرفة سيؤدي الغرض بشكل مثالي وشرعت في العمل عليه بسرعة. في الواقع لم تستغرق وقتاً طويلاً لإكماله أيضاً. وعندما انتهت خرج دانتي وتجمع الأربعة جميعاً داخل الدائرة. ومع ذلك وعلى عكس تجربة جوليوس الأخيرة حمل هذا الطقس طاقة أكبر بكثير. تدفقت خطوط كبيرة ولامعة من المانا النابضة إلى داخل دائرة السحر بمدّ خطير من المانا. لم يعلم كيف استطاعت ليلى صنع شيء قادر على تحمل كل تلك الطاقة لكنها فعلت ذلك وسط دهشته العارمة.
علاوة على ذلك وبما أنها تضمنت اثنين من رتبة 6 فقد يعني ذلك أنها تتطلب أيضاً مصدرا أعلى للطاقة لتشغيلها. لحسن الحظ عرض دانتي جوهر رتبة 5 استطاع تلبية الشروط بسهولة. بدا الأمر سريالياً رؤية عنصر باهظ الثمن يُسلم بهذا التيسر العفوي. ومن ناحية أخرى ذكرت أليس أن الرجل أعطى جوهر رتبة 5 مقابل وعاء من النودلز من قبل لذا لم يكن عليه أن يتفاجأ كثيراً. لحسن الحظ لم يضغط الطقس نفسه بقوة كبيرة على روح جوليوس وإلا لما كان القيام به ممكناً.
ومع ذلك فقد ربط خيطاً آخر من روحه بالثلاثة تماماً مثلما حدث في المرة الأولى التي خاض فيها هذا الطقس. بمجرد انتهاء الأمر أطلقت أليس أنيناً مشمئزاً.
صرخت: "تباً! أكرّه تلك الطقاس!".
قال لها دانتي: "كفي عن التذمر. الأمر ليس سيئاً إلى هذا الحد".
أشارت قائلة: "على لسانك! لست أنت من لديه عشرات الأقسام المرتبطة بروحه. كل قسم يجعل الأمر غير مريح أكثر بقليل".
هز دانتي كتفيه رداً على ذلك دون أن يجادلها في نقطتها.
سأل جوليوس: "الأمر سيء إلى هذا الحد؟".
على حد علم لم تكن هناك سلبيات كثيرة لاستخدام الطقس.
أسقطت أليس كتفيها وقالت: "لا، الأمر ليس بهذه السوء. إنه مزعج أكثر من أي شيء آخر. وكلما زادت الروابط التي تنشئها زاد وضوحها. إنه يشبه وجود رمال في بنطالك. حبّات قليلة لن تلاحظها ولكن بمجرد أن تحصل على العشرات منها تبدأ تشعر بالحكة هناك".
علّق جوليوس: "هاه. يبدو ذلك مزعجاً حقاً".
قالت أليس بانزعاج: "أعلم أليس كذلك؟! إنه أمر مقيت!".
منحها إيماءة متفهمة وأخرج شيئاً من جيبه وقال لها: "خذي هذا فقد يجعلك تشعرين بتحسن".
ناولها قطعة الورق ومعها بضع جرار من السائل البني الداكن. نظرت إليه أليس بحيرة لكنها أخذت قطعة الورق منه برفق. فتحت الورقة وقرأت محتواها قبل أن ترتسم على وجهها ابتسامة عريضة للغاية.
سألت بحماس: "وهذه هي الوصفة الدقيقة التي استخدمتها لصنعها؟".
أومأ بثقة وقال: "نعم، بل لقد أضفت المكان الدقيق الذي اشتريت منه الشوكولاتة. لا أعرف ما إذا كان لا يزال هناك ولكن يمكنك دائماً التحقق من الأمر. لقد أعطيتك بقية مخزوني تحسباً لعدم وجوده هناك".
قالت برفق: "شكراً لك".
اكتفى بالإيماء برأسه لها مع ابتسامة خاصة به. في الحقيقة صُدم قليلاً لرؤية شخص يُعد من أقوى الأشخاص في الإمبراطورية ينظر إلى جرة من شراب الشوكولاتة كما لو كانت كنزا من رتبة 6. ومن ناحية أخرى سواء أكانوا أقوياء أم لا فقد كان ذلك مجرد تذكير بأن هؤلاء الناس ما زالوا بشراً. ما زالوا يحبون الأشياء بغض النظر عن قيمتها المادية. لقد كان تذكيراً جيداً له بأن ليس كل شيء في العالم يدور حول القوة.
في بعض الأحيان يمكن أن تكون جرة شوكولاتة أكثر فاعلية من كل قوة العالم.
سمع ليلى تسأل بصدمة عما جرى للتو: "ما هذا؟".
شرح للفتاة المرتبكة: "لقد وعدت بإعطاء وصفة الشوكولاتة الساخنة الخاصة بي مقابل قيامها بالطقس".
التفتت ليلى إلى أليس بعينين واسعتين وقالت: "أعطاك إياها حقاً؟ لم أستطيع الحصول عليها منه لفترة طويلة!".
ثم التفتت لتنظر إلى جوليوس وبدت الخيانة واضحة في عينيها.
هز كتفيه باعتذار وقال لها: "كان ذلك شرطها الوحيد".
قطبت ليلى جبينها والتفتت إلى أليس مطالبة: "من الأفضل لك أن تخططي لمشاركة تلك الوصفة".
صاحت أليس بتبرم: "هاه؟! مستحيل! احصلي على خاصتك!".
ضحك جوليوس ببساطة على المرأتين اللتين تتشاجران حول الشوكولاتة.