بعدما غادر الصدع برفقة دكلان، توجّه جوليوس نحو الحرم الجامعيّ فوراً. ودّ لو توقّف لرؤية راي وأورس، لكنّ بإمكانه فعل ذلك في وقت لاحق. كانت لديه خطط بالفعل لخوض صدع آخر، بمفرده هذه المرة. سيزورهما بعد ذلك. كان يشعر بسعادة غامرة في هذه اللحظة. منحه دكلان الإذن أخيْراً لخوض الصدع منفرداً. قدّر الرجل المسنّ أن جوليوس قادراً على تدبّر أموره داخل الصدع، وتقبّل حقيقة أنّه لا يستطيع مرافقته طوال الوقت لحماية يده.
سيفتقد جوليوس بالتأكيد صحبة دكلان، لكنّه سيستمتع أيضاً بالحرية التي نالها الآن. مجرد معرفة أن شخصاً بقوة دكلان يسند ظهره جعلت تجربة خوض الصداع تبدو أقلّ خطورة بكثير. لو وجد نفسه في مأزق حقيقيّ، لعرف أن دكلان سيتدخّل فوراً. أفسد ذلك نوعاً من الإثارة الكامنة وراء الهدف من خوض الصداع. لم يعجبه ذلك. ما أعجبه حقّاً، هو حقيقة بلوغ مهارة [الخطوة الخاطفة] المستوى الخامس عشر.
أعجبه ذلك كثيراً. في الواقع، كان هذا سبباً رئيسياً لعودته الفورية إلى الحرم الجامعيّ. أراد العودة بأسرع ما يمكن ليتمكّن من تفحّص خياراته. مع أن الأمر قلّل من متعة الاختيار نوعاً ما بعدما حسم أمره إلى حدّ كبير بشأن المهارة التالية. مع ذلك، لم يضرّ إلقاء نظرة والاستمتاع بالعملية على الأقلّ. عندما وصل، كان الحرم الجامعيّ يعجّ بالحركة والناس. توقع بما أنّه نهاية الأسبوع أن يكون العديد من الطلاب خارج البلدة يستمتعون بوقت فراغهم.
بدلاً من ذلك، رأى طلاباً يتنقلون أكثر من المعتاد. خطط لاستئجار غرفة تدريب، لكن نظراً للازدحام الشديد، درى أنّه سيتوجّب عليه الانتظار في طابور. إذ لم يرغب في فعل ذلك، اختار التوجّه نحو البقعة المرتفعة في مؤخرة الحديقة التي اكتشفها مؤخراً. عندما بلغها، تفاجأ برؤية وجه مألوف. إنّها فتاة النباتات من صف القتال التطبيقيّ. كان واثقاً بنسبة ثمانين بالمائة أن اسمها تيا. كانت على مقربة من مكانها وتقوم بنوع من التمارين مع بعض النباتات.
كانت تدور حولها مثل أفعى تلتفت حول فريستها. شعر ببعض التلاعب الدقيق للغاية بالمانا، وكان مراقبتها أمراً مثيراً للإعجاب حقّاً. قرص خدّه مذكّراً نفسه بأنه جاء لسبب محدد، لا لمراقبة الطلاب الآخرين، مهما كان ما يفعلونه جميلاً. توجه نحو زاويته المعتادة وجلس براحة. أخرج بعض المقرمشات وبدأ يمضغها بينما استعرض إشعاراته. لقد بلغت مهارة [الخطوة الخاطفة] المستوى الخامس عشر. هل تريد تطوير مهارة [الخطوة الخاطفة]؟
اختار "نعم"
بسرعة وانتظر. بدء تطوّر المهارة... مهارة [الخطوة الخاطفة] تتطور... التطورات الممكنة: [خطوة الوميض]، و[خطوة الانفجار]، و[الاندفاع الحركيّ]، و[الشحنة المفجّرة]، و[الوثبة الحركيّة]. تفحص خياراته بعناية بينما كان يمضغ مقرمشاته بصوت مقرمش عالٍ. لم يفاجأ كثيراً بالقائمة. كانت [خطوة الانفجار] متوقعة، أمّا [الاندفاع الحركيّ] فكان يكاد يكون الخيار نفسه الذي تلقّاه أثناء تطوره الأخير، لكنّه حركيّ هذه المرة بدل النّار.
بدت [الشحنة المفجّرة] خياراً ممتعاً. استمتع بتخيل نوع الفوضى التي يمكنه إحداثها بمهارة كهذه. راوده شعور بأن هذا الخيار ظهر هنا نتيجة تجربته البسيطة مع الطاقة الحركية و[الخطوة الخاطفة] التي أسفرت عن دويّ هائل. الأرجح أن لها تأثيراً مشابهاً، لكنّه أكثر انفجاراً. ربما جاءت [الوثبة الحركيّة] من قفزته القمرية الأخيرة عندما كان يحارب الذئاب. احتمل أن تكون مهارة تتطور في نهاية المطاف نحو مهارة الطيران.
كاد ذلك يجعله يختار [الوثبة الحركيّة] قبل أن يتسنّى له التفكير. لكنّه كان رجلاً مختلفاً الآن. كان رجلاً يملك التركيز والعزيمة. وقد أكّد مفهومه الخاصّ ذلك. لن يسمح لنفسه بأن يتشتّت عن— تُبّاً، لقد أسقطت مقرمشاتي! حاول جاهداً إنقاذ كيس الوجبات الخفيفة الذي سقط من يده. علق القليل من التراب ببعض القطع التي أنقذها، لكنّه أنقذ غالبيتها لحسن الحظ. ما الذي كنت أقوله؟ على أي حال، لم يتردد في اختيار [خطوة الوميض]، مهما كانت جاذبية إمكانية الطيران، فقد وضع خطة مع غبريال بالفعل.
إن أراد أياً منها لاحقاً، فسيتعين عليه ببساطة العثور على مهارة أخرى يمكنه تطويرها لعلّها تمنحه الخيارات نفسها. تهانينا، تم اكتساب مهارة [خطوة الوميض] (نادرة). أسقط جوليوس المقرمشة التي كان يحركها نحو فمه على الأرض. حفرت ومضة ألم طريقها إلى روحه وأججت الألم العضليّ الذي كان يشعر به منذ فترة. بذل قصارى جهده لتجاهلها، لكنّ روحه كانت تتصرف بغرابة منذ فترة. لم يعرف السبب الدقيق، لكن منذ أن حصل على هذين المفهومين في الوقت نفسه، لم تعد روحه كما كانت.
سرى إرهاق عميق تغلغل في روحه بأكملها. وبرز بشكل خاصّ كلّما أجرى أيّ زيادات على مهاراته. أخذ نفساً عميقاً فتراجع أسوأ الألم. ثم انحنى والتقط المقرمشة الساقطة، داساً إياها في فمه بعد نفض الأتربة الزائدة عنها. لن يُهدر أيّ طعام على مرأى منه. أخرج أيضاً كُوباً من العصير المنعش ليُسوّغ به المقرمشات التي تثير العطش قليلاً، وكان على وشك تذوق جرعة طويلة ولذيذة عندما توقف.
إلى الجانب، رأى فتاة النباتات، تيا، تنتهي من تمرينها وتنظر إليه بنظرة غريبة. بل بالأحرى، لم تكن موجهة إليه، بل إلى طعامه. تلاقتا نظراتهما باختيزار ورأى جوليوس خديها تحمرّان خفة عندما أدركت أنه لاحظ تملّيها. اكتفى بالابتسام لردّة فعلها. لذا عندما استدارت مبتعدة عنه، أخرج حزمة أخرى من المقرمشات من مخزنه إلى جانب المشروب نفسه الذي جلبه لنفسه ونهض على قدميه. سار نحو اتجاهها ووضع كلا الغرضين على المقعد الذي يبعد عنهن بضع أقدام.
لم ينبس ببكلمة ولم ينظر إليها حتّى، بل ترك الهدية هناك لتلتقطها عندما يغادر. لم تقل شيئاً هي الأخرى، لكنّه لاحظ أنه بمجرد أن استدار حول زاوية شجرة، انقضت على الوجبات الخفيفة بابتسامة عريضة. وجد نفسه عائداً إلى الصدع من الفئة الثالثة نفسه في اليوم التالي. وبما أنه بات يمتلك الحرية للذهاب متى شاء، فسيستغل ذلك. على عكس أمس، تم نقله إلى جزء مختلف من الصدع. كان هذا القسم تحديداً أكثر كثافة بالأشجار، كبيئة غابية ما.
لم تكن هذه هي التفرقة الوحيدة أيضاً. الفارق الرئيسي الذي لاحظه فوراً هو عدد الوحوش التي استطاع استشعارها في جواره. وُجِد ما لا يقلّ عن نصف دزينة من الوحوش المنفصلة المختبئة في الأشجار أو الشجيرات ضمن نطاق مئة خطوة منه. لحسن الحظ، بدا جميعها باستثناء اثنين ضعيفة للغاية اعتماداً على هالاتهما فقط. من بين الاثنين اللذين اهتمّ بهما، كان أحدهما من فصيلة مشابهة للثعبان الذي واجهه في الأخدود.
غير أن هذا الثعبان كان أكبر وأسمك بكثير من سابقه. أما الوحش الآخر فكان طائراً من نوع ما. كان يجلس في قمة شجرة سامقة ولم يبدو عدوانياً إلى هذا الحدّ ويا للسخرية. لقد لاحظ جوليوس فوراً لكن لسبب ما، اكتفى بالجلوس فوق الغصن متطلعاً نحو الغابة. أما الثعبان، فكان عدوانياً بكل ما للكلمة من معنى. كان يتسلل ببطء نحوه من شجرة إلى شجرة، مستخدماً الأوراق الكثيفة لإخفاء تحركاته.
لم يدع جوليوس الكائن يقترب أكثر. أرسل رمحاً صغيراً وسمّر رأسه بلحاء الشجرة التي كان يتسلقها. لم يقتله فوراً، لذا أرسل قرصاً من المانا المشحذة وشقّ رأسه وجزءه العلويّ عما تبقى منه. جمع النواة ومضى في طريقه. لم تزعجه الوحوش الأخرى ولم يشعر برغبة في إزعاجها بدوره. كان هذا الصدع من الفئة الثالثة مختلفاً تماماً عن الصدوع الأخرى التي خاضها، بل وحتى مقارنة بصدع الغول من الفئة الثالثة.
كان هذا الصدع يكاد يكون نظاماً بيئياً متكاملاً لن يتفاجأ المرء بوجوده في العالم الحقيقي. وفقاً لخبرته المحدودة حتى الآن، اشتبه في أن هناك أنواعاً معينة أكثر عدوانية من غيرها. تماماً مثلما تكون غابة حقيقية مليئة بالوحوش. ولهذا السبب لم يهاجمه ذلك الوحش الكبير الشبيه بالسنجاب ذي الأسنان الكبيرة من الفئة الثانية فور رؤيته. ربما كان ذلك لأنه شعر بأن جوليوس أقوى منه أو ربما كان عاشباً فحسب.
بينما توغّل جوليوس عميقاً في الغابة، واجه عدة وحوش إضافية. لم يكن أي منها قوياً أو فريداً بشكل خاص، لكنها هاجمته أولاً، فتعامل معها بحسم. لقد كان الأمر، بصراحة، مخيباً للآمال بعض الشيء. ولهذا اتخذ القرار بعدم استخدام [أسلحة الغموض] والتركيز على استخدام [خطوة الوميض] لقتال هذه الوحوش. علم أن دكلان لم يكن ليوافق على ذلك من قبل، لكنه لحسن الحظ لم يكن موجوداً هنا الآن.
لكنه شعر بقليل من الملواة وقرر أنه يريد تحدياً ما. ومن هنا جاءت استراتيجيته الجديدة. كانت الاستراتيجية بسيطة للغاية. استشعار عدوه ثم السماح له بالاقتراب بالقدر الكافي لكي يستخدم جوليوس مهارته الجديدة للقضاء عليه. عثر على متطوع- ضحيته الأولى بسرعة كبيرة. كان وحشاً صغير القامة مقارنة بالكثيرين مما قاتلهم، بحجم كلب متوسط الحجم لكنه بدا كراكون. ومع ذلك، بناءً على تحركاته الأولية وهو يطارده، ظنّ أنه سريع للغاية.
وكان محقّاً تماماً. أقبل الكائن كالبرق. توهج فرائه الأسود بالمانا نتيجة استخدامه لمهارته. امتدت المانا السوداء من مخالبه إلى شفرات طويلة، مما فاجأ جوليوس. لقد تأخر قليلاً في تفعيل مهارته فأصيب بجرح طفيف من الشفرات. اختفى الكائن في الأحراش الكثيفة واستعد لهجوم آخر. بالمقابل، كان جوليوس يعالج الجرح فوراً. لا بد أن الوحش امتلك نوعاً من المهارات الخبيثة التي تغطي الشفرات.
استطاع أن يشعر بحزمة من المانا البغيضة تتسرب إلى عضلاته بل وإلى روحه. بل ربما كانت مهارتين متميزتين. إحداهما لإضعاف قدراته الجسدية بينما بدت الثانية وكأنها تلتهم مماناته. لحسن الحظ بالنسبة له، امتلك [تجدد شبه العنقاء] الذي تغلب على المانا السامة وتخلص منها قبل أن تلتهم الكثير من مماناته. لقد كانت مهارة رائعة بالنظر إلى أن شفاءه واجه صعوبة في التعامل معها أكثر مما توقع.
أدرك أنه كان عليه تغطية جسده بدرعه، لكنه اختار عدم فعل ذلك خلافاً لتقديره الأفضل. أراد اختبار نفسه ومهارته الجديدة. كانت [خطوة الوميض] تثبت بالفعل أنها تحسن هائل مقارنة بنسختها السابقة. استغرقت وقتاً أقل للتفعيل وبدت المسافة التي استطاع قطعها وكأنه لم يكن يسافر عبرها أساساً. بدا الأمر وكأن المسافة قد اختزلت إلى النصف إن كان ذلك معقولاً. لم يكن لديه أي وقت للتفكير في الأمر بعد الآن حيث هجم عليه الراكون السام مرة أخرى.
هذه المرة مع ذلك، كان أفضل استعداداً لسرعته ومهاراته. أمال رأسه إلى الجانب وسمح لمخالبه الممدودة بالمرور بجوار وجهه. ومع ذلك، كان قد أعد قبضة بالفعل وحطم أسفل ظهر الراكون في منتصف الهواء. لمفاجأته، تقبّل الراكون القبضة بشكل أفضل بكثير مما ظن. وجدت فقاعة ما تغطي لحمه وبددت الكثير من قوة الضربة. ومع ذلك، كان خفيف الوزن نوعاً ما لذا أطاحت به لكمته عبر مساحة الغابة المفتوحة.
لم يسمح له بالعودة إلى قدميه مع ذلك. فّعل [خطوة الوميض] واندفع إلى موقعه. تجاوز الحد قليلاً لذا اضطر لتفعيلها مجدداً، لكن تلك اللحظة الإضافية سمحت للوحش بالعودة إلى قدميه. كان متأرجحاً قليلاً على قدميه لكنه حاول الهرب مع ذلك. فجر كرة صغيرة من الطاقة الحركية كان قد صنعها في بداية القتال لإفقاد الوحش توازنه فتعثر بقدميه قبل أن يتسنى له الاختباء مجدداً. هذه المرة لم يتجاوز [خطوة الوميض].
هبط فوقه مباشرة وهوى بقبضة مليئة بالطاقة الحركية مباشرة على صدر الراكون. هذه المرة مع وجود الأرض تحت جسده، لم يكن للقوة مكان تذهب إليه. وانفجار الوحش كبالون. كان الأمر مقرفاً للغاية وغطاه بحزمة من السائل الأسود. حاول إزالة أكبر قدر ممكن منه عن نفسه، لكن ذلك كان عبثاً. اضطر لإخراج عنصر الاستحمام الارتجالي من خاتم تخزينه ومنح نفسه غسلاً. لم يفعل الكثير للرائحة لكنه كان أفضل من لا شيء.
بمجرد أن انتهى، حزم أمتعته، وجمع نواته، وتابع استكشاف الصدع. طوال الوقت متجاهلاً الوخز المؤلم الذي شعره به في روحه.