اخترق الرصاص القادم من مهاجم مجهول درعه بسهولة مدهشة. سهولة تفوق ما توقعه. لكن الأمر عزّز شكوكه أكثر. مهما يكن هذا الوحش، فهو يملك مهارة فريدة تخصّه أو شيئاً مرتبطاً بمفهوم ما. رغم أن درعه كان مشبعاً تماماً بمفهومه الحاد أو مفهوم النار، ظلّت المهارة تستخدم كلا المفهومين. عنى ذلك أيضاً أن القدرة على اختراقه تعني عادةً أحد أمرين. إما قوة ساحقة. وإما مفهوماً خاصاً به.
وبالنظر إلى الكتلة الصغيرة نسبياً للشيء، مال نحو الاحتمال الثاني. أبطأ درعه الرصاصة بالقدر الكافي لكيلا تخترقه تماماً، فاستقر الجسم الشبيه بالرصاصة بداخله. غير أن فحصاً سريعاً للجسم المستقر في صدره أظهر أنه مصنوع من نوع ما من المعدن. كان كثيفاً وثقيلاً بشكل صادم بالنسبة لحجمه. تمتع أيضاً بقدرة فائقة على توصيل الطاقة، وشعر بسلاسة سريان الطاقة عبر الجسم الصغير. لاحظ أن دكلان خطا خطوة قلقة نحوه عندما رأى جوليوس يتعرض لكمين، لكن موقفه الهادئ لا بد أنه أكد لدكلان أنه بخير.
خلع خوذته عن وجهه ومنح دكلان نظرة ذات مغزى. كانت نظرة تخبر دكلان ألا يتدخل مهما حدث. رأى أن دكلان كان مرتبكاً أكثر من أي شيء آخر، لكن الرجل المسن أومأ برأسه باختصار رداً عليه. ابتسم جوليوس لنفسه عندما رأى ذلك. كانت لديه خططة تنطوي على القليل من المخاطرة، لكنه اعتقد أن لها فرصة جيدة للغاية. قد تكون إحدى فرصه الوحيدة لجذب هذا الوحش المجهول إليه. ابتعد عن دكلان قدر الإمكان.
لمريد أن يخيف العجوز ذو الرتبة الرابعة هذا الوحش. ثم دفع كمية صغيرة من الطاقة عبر مهارة تجدد العنقاء المزيف وشعر بالمهارة تدفع الرصاصة خارج الجرح وتشفيه. لكنه لم يسمح لها بشفائه تماماً. أبقى النزيف مستمراً بدرجة خفيفة فقط. تظاهر بالإمساك بصدره حيث أصيب وتصرف وكأنه يتألم. هيا، التهم الطعم، صلّى في سرّه. لحسن الحظ، لم يضطر للانتظار طويلاً إذ جاءت الضربة التالية من خلفه.
هذه المرة أيضاً لم يحاول تفاديها تماماً، فتحرك بالقدر الكافي لتصيبه في أسفل ظهره. سقط على ركبة واحدة وأمسك بموضع الألم، حارصاً على شفائه بالقدر الذي لا يعيق حركته، مع إبقاء النزيف. بدا الأمر طريفاً بعض الشيء من نواحٍ عدة. لم يتوقع أن يأتي يوم يصارع فيه مهارة الشفاء الخاصة به لكيلا تشفيه. كانت مهارة تجدد العنقاء المزيف تحاول شفاءه بموافقته أو بدونها. ولم يمنعها سوى إرادته وحدها.
رغم أنه لم يكن أفضل ممثل في العالم، فقد بذل قصارى جهده للتظاهر بأن الهجمات تؤلمه حقاً. مع أنه، صراحة، لم يكن تمثيل ذلك عسيراً جداً. كان يتلقى الرصاص حرفياً من وحش القنص الغبي هذا. لحسن الحظ، بعد عشر طلقات أو نحو ذلك بدا أن الوحش اعفى أن ذلك يكفي. كان جوليوس يحبو على الأرض بينما يتساقط الدم منه ككيس دم ممزق. بدا كشخص على حافة الموت. أحس أخيراً بالوحش يدخل نطاق إدراكه.
كان بالفعل وحشاً شبيهـاً بالطيور. لكنه اختلف عن أي طير رآه من قبل. بدا أضخم وأبطأ مما كان يتوقع. شبة بصيغة غريب بومة سمينة ممزوجة بجعة. طير بحذر شديد وهبط على بُعد أقدام قليلة من جوليوس. ظل متظاهراً بأنه لم يلاحظ المخلوق وكان يجر نفسه بيد بينما يستخدم الأخرى لكبح الدم. شعر أن الوحش صار أكثر اطمئناناً بمجرد أن رأى حال جوليوس المزرية. تمايل نحوه واستطاع الإحساس به يجمع المزيد من الطاقة حول منقاره.
كانت كمية الضغط التي نجح في تحقيقها سخيفة. بلغت مرحلة أعلى من قدرته الخاصة على ضغط الأشياء. أدرك سبب قوة تلك الرصاصات إلى هذا الحد. ومع ذلك، لن يكون ذلك كافياً. طوال الوقت، كان جوليوس ينتظر اللحظة المثالية. أوقعه في شعور كاذب بالأمان ودعه يرتكب خطأ بصبر. وبينما كان يجمع الطاقة ويصنع رصاصة أخرى، استغل كل الطاقة والطاقة الحركية ليستدير ويفث بنفسه نحو الطائر السمين. استخدم الخطوة السريعة بقوة تفوق أي مرة استخدمها فيها من قبل.
بدا وكأنه انتقل آنياً أمامه، من شدة سرعته. ارتقاء مهارة الخطوة السريعة المستوى الرابع عشر إلى المستوى الخامس عشر حاول إخفاء الابتسامة عن وجهه حين تمييز الإشعار. كان منشغالاً بلف يديه حول عنق هذا الطائر الغبي القبيح. رأى الصدمة في عيني المخلوق، وحين شعر بيديه تقبضان على عنقه كملازمة فولاذية، تحولت تلك الصدمة إلى خوف. بذل قصارى جهده للابتعاد وتحرير نفسه من وضعه، لكن جوليوس لم يكن ليسمح لهذا الطائر بالإفلات منه.
مذعوراً، أطلق الرصاصة غير المكتملة على جوليوس من مسافة صفريّة. مع أن جوليوس رأى ما كان على وشك فعله، فلم يتفاده. أراد إيصال رسالة إلى هذه القذارة المزعجة قبل أن يقتليه. سمح للرصاصة التي أُطلقت على وجهه بتمزيق فكه السفلي والخروج من مؤخرة رأسه. طوال ذلك الوقت ظل ممسكاً به بقبضة حديدية ويمنح الطائر الخائف أكثر ابتسامة مخيفة يستطيع رسمها. وكانت مخيفة بحق. الفجوة الواسعة في وجهه أكدت الأمر إن جاز القول.
دعا الطائر يراقب بينما يشفي باقي جروحه. حينها توقف عن المقاومة بعنف وهو يراقبر الفجوة في وجه جوليوس تنغلق في غضون ثانية. بدا وأنه أدرك خطأه أخيراً. عندئذٍ فقط ضغط جوليوس قبضته بقدر وافر من الطاقة الحركية، مهشماً حنجرة الطائر بسهولة. بلغت القوة حداً جعله يقطع رأسه عملياً. فوجئ قليلاً بمدى ضعفه. كانت قدراته البدنية أسوأ حتى من العديد من طلاب الرتبة الثانية. ومع ذلك، جعلته قدرته على إطلاق رصاصات مضغوطة وخطيرة من مسافة بعيدة بدقة بالغة تهديداً حقيقياً له.
كان خصماً يتخصص في الهجمات الفردية بعيدة المدى. اعترف بأنه لم يدر كيف كان سيتمكن من مهاجمته بالمثل لو لم يجذبه إليه بالطريقة التي فعلها. امتلك الوحش نوعاً من مهارة التمويه التي عجز جوليوس عن اختراقها لأنها كانت خارج نطاق إدراك مكاني. عنى ذلك أنه استطاع البقاء خارج نطاق رؤيته طوال المدة التي يريدها ويمطر الطلقات تلو الطلقات حتى ينفد ما لديه من طاقة. وفي مساحة مفتوحة كالتي تواجد فيها، شكلت البيئة المثالية لذلك.
ذكّر نفسه بإبقاء عينيه مفتوحتين على الكمائن بعيدة المدى من الآن فصاعداً. فقد يشكل ذلك خطورة. بعد أن استعاد جثة الطائر ووضعها داخل خاتم التخزين الخاص به، عاد إلى دكلان الذي كان في انتظاره. كان الرجل ملقى على الأرض وحوله بضعة وحوش ميتة مبعثرة.
قال مازحاً وهو يقترب: "هل كان لديك صحب حين غبت؟"
نظر دكلان إليه وابتسم: "أجل، كان لدي. رغم أنهما لم يكونا أكثر الضيوف أدباً، لذا اضطررت للتعامل معهما بما يناسب."
قال متعاطفاً بسخرية: "هذا سيء حقاً."
"وماذا عنك؟ أهناك ما جعلك تتمكن من التعامل مع ذلك الطائر؟"
سأل جوليوس بفضول: "أكنت تعرف ماهيته؟"
أخبره دكلان: "أجل، إنه وحش يدعى أفيوس الخارق. وحش مزعج للغاية. أتفاجأ قليلاً لرؤية واحد في هذا الصدع."
"كيف تمكنت من رصده من تلك المسافة البعيدة؟"
ابتسم دكلان وأشار إلى عينيه: "لدي مهارة رؤية ممتازة طورتها من مهارة الرؤية البعيدة. تستطيع رؤية ما خلف تمويههم أيضاً."
تذمر جوليوس في سرّه حيال انعدام العدالة في الأمر. لكن دكلان صفعه بسرعة على مؤخرة رأسه.
سأل جوليوس: "آه، ما سرّ هذه؟"
أخبره دكلان بضحكة: "لا تتذمر بشأن المهارات غير العادلة. مهارة الإدراك لديك جيدة بشكل جنوني بالفعل. لو لم تكن لها أي نقاط ضعف لكنت وضعتك في قفص حتى تخبرني كيف تعلمتها."
ابتسم جوليوس له بدوره، لكنه تراجع ببطء عن الرجل المسن بعينين حذرتين. لم يفت دكلان ذلك، فمنح جوليوس نظرة تشكيك مشوبة بالخيانة.
وقال مستاءً من فكرة أن جوليوس قد يصدق أنه سيقدم على ذلك: "لم أكن أعني أنني سأفعلها حقاً."
رسم جوليوس ابتسامة ماكرة وتوقف عن التراجع قبل أن يطرح عليه سؤالاً آخر: "كيف كنت ستقضي على تلك البومة السمينة؟"
بدا جوليوس مهتماً بكيفية تعامل شخص مثل دكلان مع الوحش. لم يكن دكلان قادراً على فعل الشيء نفسه الذي فعله جوليوس. فالتظاهر بالموت لم ينجح إلا لأن جوليوس بدا كذلك بالفعل. لم يتوقع أن يسمح الجميع للوحش بثقبهم بالرصاص لجذبهم. ابتسم دكلان لسؤال جوليوس.
"حسناً، كما لاحظت ربما، امتلكت تلك البومة السمينة بعض نقاط الضعف الكبيرة نوعاً ما. أحدها هو حقيقة أنها سمينة بالفعل. فبالنسبة لحيوان مفترس من الرتبة الثالثة، فهي بطيئة بشكل مثير للضحوة وضعيفة بدنياً. الميزتان الوحيدتان اللتان تملكهما هما قدرتها على الحفاظ على مسافة وشدة هجومها. لكن طالما استطعت تحديد مكانها ثم امتلكت هجوم فالق يبلغها، يصبح الأمر أبسط بكثير."
سأل جوليوس دكلان بفضول: "كيف كنت ستسقطها؟"
اكتفى دكلان بالابتسام له بابتسامة واثقة: "كنت لأرديها ساقطة من السماء."
سأل جوليوس بتشكك: "من السماء؟ من تلك المسافة؟"
بدلاً من الرد عليه بالكلمات، رأى دكلان أن الأفعال أبلغ. ظهر قوس طويل ضخم في يد دكلان وبحركة سلسة، سحب وقته بلا مبالاة. لم تكن بحوزته سهم، لكنه بدا غير محتاج إليه إذ ظهر سهم مصنوع من الطاقة على وتر القوس. شعر ببناء الساق ونصل السهم كثيفين بغرابة مشبعين بالطاقة. في غضون ثانية من سحبه لقوسه، أطلق صاعقة ضوئية خارقة من السلاح نحو شجرة بعيدة. في لحظة كانت الشجرة موجودة، وفي اللحظة التالية اختفت في سحابة من الدخان.
كانت سرعتها سخيفة، استحال على جوليوس تفاديها في الوقت المناسب. وشك أن الطائر السمين كان سيتمكن من ذلك أيضاً. ضحك جوليوس وأومأ برأسه. وصلت الفكرة.
قال مبتسماً: "حسناً، فهمت. لكن كيف كنت ستحل الأمر لو كنت مكاني؟"
أبعد دكلان قوسه كأن شيئاً لم يكن ووضع يده على ذقنه وهو يفكر في الأمر.
اعترف دكلان مكابداً: "بصراحة، لكنت اخترت طريقة مشابهة لطريقتك. جعلها تأتي إليك كانت خططة جيدة. والسماح لنفسك بتلقي كل هذا الرصاص كان مبالغاً فيه قليلاً، لكنه نجح لذا لا يمكنني التذمر من النتائج."
قال جوليوس وهو يهز كتفيه: "كان مجرد شيء خطر ببالي في خضم اللحظة."
لم يكن لدى دكلان ما يضيفه بعد ذلك فتحرك اثنان إلى الأمام. واصل جوليوس تعمقه بينما حرص دكلان على إبقائه تحت المراقبة. سار ما تبقى من الصدع بسلاسة. حارب بضع مجموعات أخرى من الوحوش، لكنه لم يواجه أي مشاكل معها. استطاع الاعتناء بها بكل سهولة. مع ذلك، حرص جوليوس على ترقب أي بوم سمين مززعج آخر يظهر. فما إن يرى واحداً، سيصبح القضاء عليه أولويته القصوى فوق أي شيء آخر.