سدد جوليوس لكمة محطمة نحو الذئب الرشيق. كاد يلمس الدهشة في عيني الذئب حين غطت مفاصل يده الشائكة فكّ خصمه ومحته. تطاير الذئب بعيداً وسط أنين حادّ وتجمّع بقية الذئاب حول جوليوس سريعاً. كان العدد أكبر من أن يسمح بصدّ كل هجمة، فركّز على القريبين منه وتجاهل الباقين. كان حاجز القطع مفعّلاً مع درعه، وهو ما حماه من معظم الضرر الذي تلقاه. ربما ألحق درعه بالذئاب ضرراً أكبر ممّا ألحقوه به.
لم يزعجه هدير الذئاب الشرس، فقد كان حكيم الشراسة مفعّلاً وبدا هادئاً بشكل مميت. مع ذلك، لامست المهارة بعض الجوانب الأكثر بدائية في داخله. ظهرت لمسة من الوحشية خلف عينيه وشعر بنشاط أكبر ممّا شعر به تحت تأثير رقصة المتوحش. جارى شراسة الذئاب وزاد عليها. كان عاصفة هجومية لا تنتهي، مستخدماً نبضات متحررة من النار والطاقة الحركية لنسف وحرق الذئاب من حوله. وكلّما حاولوا تثبيته، وجّه الأشواك الطائرة التي ما زال يسيطر عليها لتصطدم بالذئاب.
كان الأمر شديد الفاعلية، فالذئاب التي اشتعلت بالمعركة القريبة لم تنتبه لأشواك الموت الطائرة إلا بعد فوات الأوان. ورغم تورّط جوليوس في الانفجار قليلاً، ساعدته قدرته على التحكم بالطاقة الحركية والنار في امتصاص الجزء الأكبر من القوة وحتى إعادة استخدام المانا لإمداد درعه بالطاقة. بعد دقيقة، أصاب العديد من الذئاب، لكن الباقين دخلوا في حالة هيجان وبدوا أسرع من ذي قبل.
لحسن الحظ، افتقروا لأي تقنية. اقتربت سرعتهم من سرعة إدغار وكانت ستشكل مشكلة لو عرفوا كيف يقاتلون حقاً. لكنهم اعتمدوا على الغريزة الحيوانية البحتة فحسب. مع ذلك، كان الأمر ممتعاً. لقد كان يمرح حقاً. لأول مرة منذ فترة، شعَر بضغط معركة حقيقية. جعله ذلك يبتسم بعريض وجهه. لحسن الحظ، لم يره أحد تحت خوذته. لو فعلوا، لظنّوا أن جوليوس مختل عقلياً لأنه يبتسم بينما تهاجمه حزمة من الذئاب القوية.
مع ذلك، سمح لنفسه بالاستمتاع باللحظة. النزال كان ممتعاً وكل شيء، لكنه يخلو من أي خطر، ليس على جوليوس على الأقل. كان يعلم أن الشخص الذي يقاتله لا يريد إيذاءه. لكن هؤلاء الذئاب كان تصميمهم على قتل جوليوس تامّاً. كان واثقاً من ذلك تماماً. كل حركة قام بها أسفرت عن ضرب ذئب. بدا الأمر وكأن أعداد الذئاب لا تنتهي، رغم علمه بأنهم نحو ثمانية عشر فقط. لم يعنيهم أن حاجزه كان يقطع أطرافهم وأفواههم.
في كلتا الحالتين، بذلوا قصارى جهدهم لتمزيق جلد وجهه. فضّل تجنب ذلك إن أمكن. لقد أحب وجهه. لم يكن أجمل وجه، لكنه وجهه وسيحميه. كان هذا سبباً وجيهاً أيضاً يجعل أي ذئب يندفع نحو وجهه ينال اهتماماً خاصاً. حرص على منح أي ذئب يتجرأ على محاولة قضم وجهه ضربة أكثر عناية. كانت الفوضى عارمة وأحب كل ثانية منها. شعر بأحد الذئاب ينشب أنيابه في مفصل ركبته، مستخدماً نوعاً من مهارات الهالة لسحق ساقه.
كان المفصل أضعف قليلاً من بقية أقسام درعه. لقد كانت تنازلاً اضطر لقبوله إن أراد شيئاً مرناً. فعل أول ما خطر بباله. فجّره. حرص على توجيه كل الطاقة نحو الخارج ليتقن الذئب الملتصق به انفجاراً بمستوى أشوَاكه مباشرة أسفل حلقه. يكفي القول إن أفواههم امتلكت حماية أقل بكثير من أجسادهم. انفجر رأس الذئب بأكمله كبعوضة متخمة. بدا الأمر رائعاً ومقرفاً في آن واحد. حرص على خلق طبقة أخرى أنحف في الأسفل قبل التفجير، لذا عندما انقشع الغبار، عاد الدرع كأن شيئاً لم يكن.
ثم واصل تمزيق الذئبين بيديه وقدميه. رغم أن الذئاب بقيت وحوشاً، فقد امتلكت قدراً من الذكاء. ظهرت ثغرة تركها جوليوس خلفه أخيراً. كان ذلك حتمياً في القتال. قفزت غرائز الذئاب عليها اللحظة التي ظهرت فيها. ضحى ثلاثة أفراد بأنفسهم لتشتيته تماماً. عرفوا أن ترك أنفسهم يعني موتهم، لكن الأمر بدا مستحقاً بالنسبة لهم إن نجت حزمتهم. شعر بعزمهم يتردد صداه مع مفهومه. لبدت المشاعر مؤثرة لولا محاولتهم أكلَه.
دفع أي شعور بالشفقة تجاههم بعيداً. لن يتشتت بأمور كهذه بعد الآن. بات لديه فهم أفضل لأهدافه وما سيحتاج فعله لتحقيقها. شعر جوليوس بوجود ديكلان جانباً ينظر بقلق، وكاد يشعر بأقدام الرجل وهي ترتجف ركضاً لإنقاذه من الهجوم الانتحاري. قدّر له هذه الفكرة، لكنه اراد إظهار أن ديكلان لا يملك ما يدعو للقلق بشأنه. سمع نفسه بلا وعي يطلق ضحكة عالية بحماس وأدرك أنه كان يضحك طوال الوقت.
احمرّ خجلاً تحت خوذته. ربما أبددو كشخص مجنون، هكذا فكر جوليوس لنفسه. لكنه لم يسمح لنفسه بالتشتت أكثر. تلقى الذئبان اللذان تركا نفسيهما مكشوفين شوكة عبر حلقهما كعقاب. وأما أصدقاؤهما الذين لم يسمحوا لتضحيتهم أن تذهب سدًى، فقد نهشوا درعه. شعَر بدرعه يقطع أفواههم، لكنهم لم يهتموا. كل ما عناهم هو تمزيقه إلى أشلاء. نجح ذئبان كبيران بشكل خاص في إطباق فكيهما حول مفصل مرفقه وباستخدام الكثير من مانا الريح، زادا تحميل ضربتهما واخترقا درعه.
تسبب ذلك في إلحاق الكثير من الضرر بأفواه الذئبين، لكن الأمر استحق عناءه بالنسبة لهما. لقد أدّيا عملهما. تراجعا لتعوا جراحهما، وقفز اثنان جديدان نحو لحمه المكشوف. لكنه سمح لهما بذلك. وبينما فعلا ذلك، كان يقضي نهائياً على ثلاثة ذئاب أخرى أزعجته. ضربة وحشية بقفازاته الشائكة أبادت وجوه الذئاب وسحقت المكابس التي صنعها على قدميه صدور الباقين. بعد ذلك، أعاد اهتمامه إلى ذراعه.
الذئاب التي تشبثت بذراعه مزقتها إرباً. لم تكن متانة جلده قريبة حتى من مستوى درعه المصنوع وتمزقت كورق مبلل. مع ذلك، لم يهتم. كان الألم حاضراً، لكنه علم أنه لا داعي للقلق. كانت الذئاب تضيّع وقتها. حرّك الهيكل ليتحرك حول باقي ذراعه فينساب ويلتف حول الذئاب المشتتة. وحين أدركا ما حدث، كان الأوان قد فات. تلاعب جوليوس بالمانا وضغط الهيكل حول الذئاب كأفعى ضخمة. لكن بدلاً من مجرد تقييدهم، نشر أشواكاً حادة واخترق الذئاب.
ثم بأمر ذهني سريع، ضغطهم الهيكل كالنفايات، وغاصت فيهم الأشواك ومزقتهم وسط رذاذ من الدم. أرسل انفجاراً كبيراً من الطاقة الحركية التي كان يجمعها ونسف الذئاب الأقرب إليه في رذاذ دموي، مما منحه ثانية لإعادة الضبط. أرسل دفقة من المانا عبر مهارة الشفاء فتجددت ذراعه في غضون ثانية. بدت كالجديدة، وفيما عدا ندوب الحروق القديمة التي لم تلتئم بعد، كان جلده بلا شائبة. وبالمسرعة ذاتها، غطت طبقة جديدة من الدرع لحمه المكشوف بفقاعة من المانا.
شهدت الذئاب الأخرى التي لا تزال على قيد الحياة جوليوس وهو يشفي جراحه أمام أعينهم مباشرة. لم تكن المخلوقات الأذكى، لكن رؤية خصمهم يشفي جرحه بطرفة عين لم تبشّر بخير، وحتى هم استطاعوا إدراك ذلك. رأى ذلك في عيونهم. بدأت هذه الذئاب تشعر بالخوف، وكاد يشم رائحة الرعب المنبعثة من هالتهم. كانت ملموسة. مع ذلك، لم يكونوا جبناء وبعد توقف قصير، حاصرته بقية الحزمة مرة أخرى. غير أن جوليوس صنع خلال ذلك المزيد من الأشواك حوله.
وبحلول الوقت الذي وصلوا فيه إليه، كان قد صنع ما يزيد كثيراً عن عشرة أشواك قوية للغاية وفتاكة ذات لون بنفسجي كانت تطفو فوقه. ثم جرب شيئاً جديداً. قفز لأعلى مستوى استطاعه، مستخدماً أكبر قدر ممكن من الطاقة الحركية. دفعته القوة مباشرة إلى الهواء. وما إن تجاوز عشرات الأقدام في الهواء، حتى أرسل قصف الأشواك كاملاً ليمطر الذئاب. حدث وميض ساطع ودوي أصم. انفجرت الأرض كلها في غضون خمسين خطوة لتتحول إلى ألسنة لهب.
وبعد انتهاء الموجة الصادمة، خيم صوت مرعب على الميدان. سقط من السماء وعندما هبط، التفت لينظر إلى ديكلان الذي كان يملأ عينيه نظرة ذهول تجاه الدمار.
* * *
وجهة نظر ديكلان نظر إلى مرج العشب الطويل ثم إلى الفوهة الكبيرة القابعة في مركزه. ثم التفت لينظر إلى الصبي الساقط برفق والمسؤول عن ذلك. بينما لامس الصبي التراب المحروق، التلت دروعه المخيفة وامتصت المانا المكونة لها نحو نقطة واحدة فوق كتفيه لتشكل كرة. كانت الكرة نفسها تنبض بإيجابية بقوة يكبح جماحها بصعوبة. لم يعد جوليوس يضحك كالمجانين، لكنه ارتدى ابتسامة رضا على وجهه.
بدا كمن حُقن بنوم يكفي ألف يوم. ساشي بهدوء حول أجساد الذئاب المحروقة وأرسل أحياناً رمحاً صغيراً من المانا من الكرة إلى الذئاب القليلة المتبقية على قيد الحياة. ليس الأمر وكأن ذلك يهم، فلن تعيش الذئاب دقيقة أخرى، لقد كانت رحمة بالقتل وهو متأكد أن جوليوس أدرك ذلك أيضاً. ثم فجأة، سُحبت النيران البنفسجية التي كانت تومض برفق حول العشب وتحرق المنطقة المحيطة نحو جوليوس.
شعَر ديكلان بوخز آخر بسلطته. كان شعوراً بمفهوم آخر. لم يكن مفهوم الححدة أو مفهوم الإرادة اللذين شعر بهما من قبل. بل كان مختلفاً. كان هذا مفهوم النار. ضحك بصوت عالٍ. لم يمتلك هذا الصبي مفهومين فحسب، بل امتلك ثالثاً أيضاً. ولم يقتصر الأمر على ذلك. لو كان هذا كل ما يملكه الصبي، لظنّه ديكلان صبياً موهوباً للغاية، لكن هذا كل ما في الأمر. لقد سمع عن سلالات وعباقرة وُجدوا في الحواري وامتلكوا مواهب مماثلة لاستيعاب المفاهيم.
في الواقع، عرف صبيّاً تعلم مفهوم الماء بمجرد رؤية بحيرة لأول مرة. تعدد المجهولون العباقرة في العالم. لكن ندر أن يترافق هذا المستوى من موهبة الاستيعاب مع مواهب جوليوس الأخرى. بدا الصبي خطيراً، بطريقة جيدة مع ذلك. كانت طريقته في القتال هي ما تميزه عن بقية العباقرة في رأيه. لم يلمس ديكلان أي تلميح للذعر أو الخوف من هالة الصبي طوال القتال. ليس حين حاصروه ولا حتى حين مزقوا ذراعه.
كان متزناً والأهم أنه استمتع بوضوح. تعدد الأقوياء في الإمبراطورية، لكن أولئك الذين تفوقوا على البقية امتلكوا دائماً شيئاً افتقده الآخرون. الشغف. فضل البعض تسميته بالجنون، لكنه ظل في النهاية تفانيهم وشغفهم اللذان قاداهم إلى القمة. وعندما نظر إلى جوليوس وابتسامته العريضة المبهرة، أخبره شيء ما أن هذه لم تكن شيئاً يفتقر إليه الصبي. كل ما تمناه ألا يكون شغفه الخاص هو ما يحطمه.