منظور رينيرا لم تستطع رينيرا أن تتذكر آخر مرة استمتعت فيها هكذا. أقرب ما أمكنها تذكره هو حين كانت وعمها يجريان في أنحاء القصر مقلبين المقالب في أسرتهما. لكن ذلك مضى عليه بضع سنوات أيضا. هذه المرة، كانت تستمتع بصحبة شخص ليس من عائلتها. وهو أمر جديد ومثير. لقد مر نحو أسبوع منذ أن التقت بيوليوس في المكتبة واعتذرت له. خلال تلك المدة، التقيا يوميا في المكتبة قبل دروسهما.
صار ذلك ضربا من روتينهم والتزامهم غير المنطوق. لم يكونا حتى يتحدثان طويلا. لكنهما كانا راضيين كلياهما وهما يستمتعان بصمت بوجود الآخر. في أغلب الأوقات كانا اثنيهما يقرآن كتبهما الخاصة بينما تقف أاميليا جانبا مراقبة بعيون متوجسة. لا تزال منزعجة لعدم معرفتها ما هي مهارة بيوليوس. لقد حاولت انتزاع الأسرار من مهارة إدراك بيوليوس كل يوم كانا هناك. لقد أزعجها جدا أن فتا مثل بيوليوس كان قادرا على اختراق مهارة تسللها تماما.
مهما كانت نوع التغييرات التي أحدثتها، فلم يكن لها أي تأثير. لقد حرصت على البوح بإحباطاتها لرينيرا في الليل أيضا. خلق ذلك بعض المشاكل البسيطة. بالنسبة لأاميليا أعني، لم تكن مشكلة بالنسبة لرينيرا. في الواقع، كانت نعمة مقنعة. المشكلة هي أنه بما أن بيوليوس كان قادرا على استشعار أاميليا بغض النظر عما حاولته، فقد أدى ذلك إلى مأزق لا مفر منه من اتباع أاميليا لها في كل مكان تذهب إليه بوصفها الأميرة رينيرا.
إن كان قادرا بطريقة ما على استشعار أاميليا وهي تتبعها كبطة صغيرة، فلن يتطلب الأمر عبقريا لتخمين العلاقة بين غرايس ورينيرا. لهذا السبب شرعت أاميليا في منحها مساحة أكبر، على الأقل حين علمت أن بيوليوس قد يكون في الجوار. لم تكن لتكذب، كانت تستمتع بتلك اللحظات. مجرد معرفة أنها ليس لها شخص يراقب من فوق كتفها جعلها تشعر بحرية أكبر. وكان طريفا أيضا رؤية أاميليا منزعجة لعدم معرفتها بما يجب فعله حيال مهارة بيوليوس الفريدة.
من جهة أخرى، شرعت في التعرف على بيوليوس. كان الأمر بطيئا، لكنها علمت أنه مثلهما، يعشق الطعام بشغف، وهو ما كانت تعرفه مسبقا، لكن تأكيده ظل لطيفا. واكتشفت أيضا أن لديه روح حياة صغيرة تدعى دراسيل بوصفه مرافقا. في أحد الأيام حين وصل إلى المكتبة، أخرج الروح الأخضر الصغير الرائع. كان دراسيل فريدا حقا حتى مقارنة ببعض أرواح الحياة الأخرى التي رأتها في الماضي. بدا هذا واعيا للغاية بالنسبة لروح في مرحلته.
الكثير من مرافقو الأرواح الآخرين الذين رأتهم لم يكونوا سوى كتل مانا صغيرة وبسيطة حين كانوا بهذه السن المبكرة. دراسيل، من جهة أخرى، تصرف بذكاء شديد. وكان أيضا أكولا للغاية وسط تسليتها الهائلة. كانت واثقة تماما من أن الروح قد ورث تلك السمة الخاصة من متعاقده. كانت أاميليا فضولية بشأن سبب اختيار بيوليوس لروح حياة بوصفها مرافقا بدلا من روح نار وسألته عن السبب. فأجاب بأنه يملك تقاربًا طفيفًا مع الحياة واختارها لأنه اعتقد أن روح الحياة ستكون لطيفة.
لم تتفق أاميليا تماما مع هذا المنطق، ولكن مجددا لم يكن اختيار المرافقين بناء على المظهر أمرا غير مألوف. وللحق، كانت أرواح النار سيئة السمعة لكونها كرات صغيرة من الدمار والمشاكل. كان هناك شيء رئيسي واحد ظل يزعجها. وهو حقيقة أنها كانت تكذب على صديقها الجديد حديثا. وتساءل جانبها المتشائم عما إذا كان سيظل صديقها إن أخبرته بالحقيقة. للأسف، استطاعت بالتأكيد تخيله يشعر بالخيانة بسبب سرها وشعوره بأنها كانت تكذب عليه منذ اليوم الأول.
ثم لا يريد أن يبقيا صديقين بعد الآن. والأمر الأسوأ، أنها لم تستطيع لومه على شعور كهذا. هذا ما أرعبها أكثر من غيره. احتمالية ألا يرغب في مصادقتها متى عرف من هي وألا تستطيع فعل أي شيء حيال ذلك. حتى الآن استطاعت اختلاق الأعذار بشأن الدروس التي تحضرها. لكن في كل مرة رأته فيها في القتال التطبيقي، شعرت بإحساس غامر بالذنب. لقد تحدثت عن إخباره مع أاميليا قبل ليالٍ قليلة، لكنها كانت مصرة على ألا تخبره.
لم يكن الأمر أن رينيرا لم تتفق معها أيضا. لقد طرحت أاميليا بعض النقاط الوجيهة. لم تكن قد عرفت بيوليوس لفترة طويلة جدا. لقد مر أسبوع واحد فقط منذ أن كانا يلتقيان في الصباح. لكن بدا الأمر وكأنه أطول بكثير. اليوم هو المرة الأولى التي اتفقا فيها على اللقاء ببعضهما خارج المكتبة. لقد دعاها لتناول العشاء معه برفقة الآخرين. وهو ما قالت نعم له بلهفة. لم تستطيع الاعتذار لبقية القوم.
كانت تلك خططتها لليوم نوعا ما. وقفت خارج الكافتيريا تنتظر في المكان الذي أخبرها به بيوليوس. لم تكن أاميليا معها في هذه اللحظة، كانت هناك بعض الأمور التي تحتاج للاعتناء بها. بينما كانت تنتظر، حاولت التدرب على اعتذارها للآخرين. كان بيوليوس قد أخبرها بالفعل أنه ذكر لقاءاتهما في المكتبة وأعلمهم أنها اعتذرت له، لكنها ما زالت تريد الاعتذار لهم مباشرة. بعد وقت ليس طويل، رأت بيوليوس برفقة ليلي وإدغار وأوبري يقتربون من الكافتيريا.
كان ثلاثة منهم يبدو أنهم يبهجون ليلي المحبطة، والتي بدت مرهقة تماما. كان بيوليوس أول من رآها ولوح بيده نحوها وهو يتجه صوبها. أعطته تلويحة ترددية في المقابل مع ابتسامة صغيرة.
"أرى أنك أتيت"، علق حين أصبح في نطاق السماع.
"بالتأكيد فعلت. قلت إنني سأفعل، أليس كذلك؟"
قالت بنبرة إهانة مصطنعة. هز كتفيه.
"لا أعرف. لن أتفاجأ إن أخبرتك أاميليا ألا تفعل."
ضربته على كتفه بمرح.
"لقد كانت أفضل بكثير. يجب أن تقر بذلك"، قالت له.
رأته يتذمر على غير رغبة موافقا. ثم استدارت نحو الآخرين الذين شقوا طريقهم إلى هنا أيضا. كانو جميعا يرتدون ابتسامات ودودة، ترحيبا أكثر ترحيبا مما كانت تتوقع. أخذت نفسا عميقا ونظرت إلى كل واحد منهم.
"أريد أن..."
قبل أن تستطيع نطق أكثر من بضعة كلمات من فمها، قاطعتها أوبري بضربة بيلها من يدها.
"لا بأس. قال بيوليوس بالفعل إنك اعتذرت له وكذا أاميليا. إن قال إنه بخير مع الأمر، فهذا يكفي بالنسبة لي"، قالت بعفوية.
رأت إدغار يغز الفتاة السمراء الطويلة بكتفه.
"يجب ألا تظلي تقاطعين الناس هكذا"، وبخها بخفة.
نظرت أوبري حولها بارتباك.
"لماذا؟ كنا نعرف بالفعل ما كانت ستتقوله. لقد وفرت علينا بعض الوقت واللحظات المحرجة فقط"، بررت.
تنهد الثلاثة الآخرون بتوافق. بينما شعرت هي بقليل من التردد حيال ما يجب فعله. في النهاية، دخلا الكافتيريا معا دون أن تتمكن من الاعتذار لهم بالشكل الملائم. مما يعني أن كل تدريبها بدا وكأن بلا جدوى. من جهة أخرى، حين دخلت كافتيريا الطلاب الأكبر سنا، لاحظت أنها جذبت قدرا لا بأس به من الاهتمام. بدا رجل واحد وأصدقاؤه بالذات مهتمين حقا بدخولها. مع ذلك، لم يبدو أن الآخرين يقرون حتى بالنظرات التي تلقوها، وكأنهم اعتادوا عليها.
حتى بيوليوس نال نصيبه العادل من النظرات. بينما تناولا العشاء معا، بدأت تفهم لماذا استطاع بيوليوس الاندماج مع هذه المجموعة المحترمة من الناس. تماما مثلما لم يعاملها بشكل مختلف عن شخص عادي، لم يحاول فعل الشيء نفسه مع الآخرين. لقد ألقى النكات، وكان يداعب، ويُداعب في المقابل. في الواقع، كان يتعرض للمداعبة في تلك اللحظة بالذات.
"يسعدني أنك وجدت لنفسك صديقة أخيرا لتستقر معها"، قالت أوبري لبيوليوس بابتسامة عريضة على وجهها.
شعرت رينيرا فوراً باحمرار في وجهها حين أدركت ما كانت تقصده أوبري.
"ربما، سيجعلك هذا تتوقف عن التدرب بجنون وتقدر الأجزاء الأجمل من الحياة"، ضحكت أوبري بصوت عالٍ على نكتتها الخاصة.
"آه!"
انتفضت، ممسكة برأسها بألم وناظرة نحو ليلي بذهول. تظاهرت ليلي بتجاهلها وتابعت تناول وجبتها، لكن كانت هناك ابتسامة ماكرة على وجهها وهي تفعل ذلك. قهقهت رينيرا ونظرت إلى بيوليوس الذي كان يهز رأسه منزعجا من مداعبتها لها. إجمالا، وجدت نفسها مستمتعة كثيرا معهم وآملة أن تتاح لها فرصة لفعل ذلك مجددا.
* * *
منظور بيوليوس اتخذ بيوليوس قرارا أخيرا بدعوة غرايس معه إلى العشاء مع البقية. وسار الأمر بشكل جيد بشكل مدهش، لم تكن كثيرة الكلام، لكنها كانت مستمعة جيدة ومنتبهة دوما لأي قصص رواها الآخرون. ساعد الأمر أن أاميليا لم تكن موجودة هناك أيضا. وبينما كانت أفضل اعترافا منذ اعتذارها، ظل بيوليوس يعتقد أنها كانت متصلبة أكثر من اللازم. وكانت أيضا مزعجة جدا في إصرارها على معرفة نوع مهارة الإدرك التي يمتلكها.
كان يتمنى لو أنه لم يكشف عن ذلك لهم، ولكن ليكن. كان مجرد أمر آخر عليه التعامل معه. لأكون صادقا، كان إدخال غرايس في روتينه اليومي تغييرا لطيفا في الوتيرة. تضمن الأسبوع الماضي الكثير من الوقت له ليصبح أكثر راحة مع مفاهيمه الجديدة فضلا عن مهارته الجديدة. لقد اختبر أيضا موجة من إرهاق الروح بعد حصوله عليها. وهذا يعني أنه لم يتمكن من الوصول إلى غارة المستوى 3 التي خطط لها هو ودكلان.
مما جعله حزينا. من الناحية المضيئة، تعلم بعض الأمور القيّمة عن مفاهيمه الجديدة. مفهوم الإرادة لديه: العزم القاطع كان الأسهل في الفهم. كان مفهوما بسيطا، يتصرف بشكل مختلف تماما عن مفهوم إرادة القطع خاصته. لم تكن هناك أي تطبيقات قوية هجوميا استطاع اكتشافها حتى الآن، لكنه كان فعالا جدا فيما وصفه الاسم. بدا عزمه وتفانيه يعززان بشكل كبير كلما ترك المفهوم يتغلغل في داخله وعبر [حكيم الهمجية].
بدا أشبه بمفهوم كامن، بينما كان مفهوم الحدة مدمرا بقوة. الشيء الوحيد الذي لاحظه، هو أنه كلما تدرب هو وليلي على الهالة، كانت هالته أكثر كثافة من ذي قبل. لقد جعل ذلك محاولات ليلي لتحريكها وكبحها أمرا صعبا للغاية عليها. وبينما لم يجد طريقة لاستخدامها في قتال الهالة الهجومي، كانت تدبيرا دفاعيا جيدا للغاية ضد هجمات الهالة عمل بشكل جيد جدا مع إرادة القطع. كان مفهوم النار الذي اكتسنه حديثا قصة مختلفة تماما.
إضافته إلى [عتاد الأسرار] كانت سهلة، سهلة حقا حقا. استغرق الأمر أقل من بضعة دقائق لربط مهارته به. ومع ذلك، شعر أن شيئا ما كان مختلفا بشأن المفهوم. لم يكن تماما مثل المفهومين الآخرين. ظل يعبث به، محاولا معرفة السبب. لكنه لم يستطع رؤية ما هي المشكلة. لقد سأل البقية حتى للمساعدة. إدغار، اكتشف أنه يمتلك مفهوم نار، إلى جانب مفهوم أرض. جعل ذلك منه الشخص المثالي لطلب المساعدة.
في البداية، تفاجأ إدغار لمعرفة أن بيوليوس يمتلك مفهوما آخر بالفعل. ومع ذلك، بدا الشاب الضخم في السنة الرابعة متخليا عن وضع أي توقعات على بيوليوس. وكان من الحصافة أيضا ذكر أن بيوليوس لم يشارك أي شيء عن مفهومه الآخر أو مهارته المتطورة حديثا بعد. أعطاه المراهق الضخم بعض الإشارات المفيدة، لكن في نهاية المطاف، استخدم إدغار مفهومه مع مهارات تعزيزه الجسدي، لا مع مهارة بنية مانا.
لذا كانت كمية المعلومات التي يمكنه تقديمها محدودة. لقد قال إنه لا ينبغي أن يقلق كثيرا. مفهوم النار الخاص بإدغار استغرق وقتا طويلا قبل أن يصبح ما هو عليه اليوم. تمر المفاهيم بالنمو تماما كما تفعل المهارات، لذا أكد لبيوليوس أن مجرد شعور مفهومه هكذا اليوم لا يعني أنه سيشعر بالشكل نفسه بالضرورة الأسبوع القادم. جعله ذلك يشعر بتحسن كبير حيال مفهومه. لفترة قصيرة، كان قلقا من أنه تسرع وحصل بطريقة ما على مفهوم نار معيب.
كان من الجيد معرفة أن هناك فرصا لتحسينه. ومع ذلك، لم يكن يعرف بالضبط كيف سيشرع في ذلك.