أخرج جوليوس كتاباً من خاتم التخزين. كان بعنوان حروب الجان: عصر الدم. حكاية خيالية عن حرب واقعية وقعت قبل آلاف السنين مع قارة أخرى استوطنها الجان في الغالب. قصة مثيرة للاهتمام حقاً. وجد نفسه يستمتع بكتاب جيد كلما أراد الاستراحة من برنامج تدريبه الشاق. والناس يتهمونني بأنني لا أسترخي بما يكفي، تمتم جوليوس لنفسه. كان يأخذ استراحات بين الحين والآخر. هذا ما ساعده على الحفاظ على تركيزه على أهدافه بشكل أفضل.
لم يكن الأمر يتطلب وقتاً طويلاً. لكن أحياناً، ساعة من فعل شيء لا يدور حول دفع طاقته إلى أقصى حدودها تفوق فائدتها ما يظنه الكثيرون لسوء الحظ، لم يكن قادراً على الاستمتاع بكتابه. ما إن بدأ القراءة حتى شعر باقتراب الاثنين نحو زاويته الصغيرة في المكتبة. حين اقتربت غريس، تظاهر بأنّه منغمس في الكتاب. لم يرفع عينيه وينظر إليها متظاهراً بالمفاجأة إلا عندما جلست أمامه. راقب غريس وهي تلعق شفتيها بقلق قبل أن تتكلم.
قالت بتردد: "مرحباً".
أغلق كتابه وابتسم لها.
"أهلاً يا غريس. من الجميل رؤيتك هنا مبكراً هكذا".
موقفه الودي جعلها تبدو أكثر ارتخاءً على ما يبدو، واسترخت كتفاها قليلاً.
قالت بابتسامة خبيثة: "نعم، أحب المجيء إلى هنا في الصباح لأقرا. يصفّي هذا ذهني قبل أن يبدأ اليوم. لكن يمكنني قول الشيء نفسه عنك".
هزّ كتفيه.
"أظن أن سببي يشبه سببك كثيراً. إنّها طريقة لطيفة للاسترخاء قبل أن أتوجه إلى الصف".
هزّت رأسها موافقة على هذا الشعور. ثم فتحت فمها لتقول شيئاً آخر لكنها تردّدت. نظرت إلى الطاولة بينهما، وأطبقت فمها، وعقدت حاجبيهما قبل أن تفتح فمها مجدداً.
"أريد أن أعتذر عمّا حدث الأسبوع الماضي. أميليا كانت دائماً مفرطة الحماية تجاهي، لكنها تمادت كثيراً".
أخذ جوليوس وقتاً لينظر مباشرة في عينيها قبل أن يهزّ رأسَه ضاحكاً.
"لا أعتقد أنك بحاجة إلى الاعتذار لي. لم تفعلي شيئاً خاطئاً".
هذه المرة هي التي هزّت رأسها نحوه.
"لا، كان يجب أن أوقف الأمر قبل أن يصل إلى تلك النقطة. لم أكن منتبهة، كنت منشغلة جداً بـ..."
وصمتت.
"بتناول طعام لذيذ؟ لقد لاحظت ذلك"، قال بابتسامة مشاكسة.
رأى وجهها يحمرّ قليلاً عند ذلك التعليق لكنه ابتسم بمعرفة.
قالت: "نعم، أظن أنك فعلت".
حوّل جوليوس انتباهه عنها لينظر حول الغرفة مرة أخرى.
أكّد لها: "البقية وأنا لا نحمل أيّ ضغينة تجاهك".
عضّت شفتها بقلق.
سألت بتردد: "وأميليا؟".
"مه، لا أهتم أبداً برؤيتها مرة أخرى. أجد نفسي لا أخصص وقتاً للأشخاص الوقحين"، أخبر جوليوس غريس بصدق.
أومأت غريس برأسها وراحت تعبث بعصبية بحافة زيّها.
سألت بهدوء: "هل هذا يعني أننا لا نستطيع أن نكون أصدقاء؟".
كان هادئاً لدرجة جعلت جوليوس متأكّداً من أنه لولا سمعه المعزز لما استطاع سماع ما قالت. مع ذلك، تمكّن من التقاط سؤالها بالكامل. لم يجب على الفور وانتظر حتى رفعت رأسها لتنظر إليه.
ثم منحها ابتسامة خفيفة خاصة به وقال: "لا أرى مانعاً من ذلك. ما زلتِ تدينين لي بكعكة على أيّ حال. لو لم نكن أصدقاء لما تمكنتُ من تبادل هذا العرض".
رأى عينيها تدمعان عند الأطراف قبل أن تلتفت بعيداً مرة أخرى، لكن هذه المرة بابتسامة تخصها.
سألته: "ماذا عن أميليا؟".
"ماذا عنها؟".
سألت: "لن تؤثر على صداقتنا؟".
اكتفى جوليوس بهزّ كتفيه.
"أعني أن ذلك يعتمد كثيراً عليكِ وعليها. ما طبيعة العلاقة التي تجمعكما؟".
أمالت غريس رأسها بتفكّقر.
اعترفت بحزن: "هي شخص يراقبني بينما أكون في غولدنكريست. والأهم من ذلك، هي صديقتي. ربما صديقتي الوحيدة".
قال لها مبتسماً: "حسناً، ليس بعد الآن. ولا أعرف عن البقية، لكن يمكنني إخباركم بأنهم أحبوك. أعرف على وجه اليقين أنهم استمتعوا بشهيتك، وخاصة إدغار. لكنه متحيز".
نظرت إليه بابتسامة متألقة عند سماع كلماته الطيبة. لكنها عبست بعد ذلك.
سألت بحيرة: "متحيز؟".
لوّح جوليوس بيده.
"مه، الأمر ليس مهماً حقاً. هو فقط يحب أي شخص يأكل كثيراً لأنه يجعله يشعر بذنب أقل حيال أكله لعائلته حتى الفقر".
ارتجفت بوضوح وقالت: "ماذا؟".
هزّ رأسَه بحزن: "أعلم، أمر محزن. على أي حال، لا أرى سبباً يجعلها تؤثر على صداقتنا، فقط لا أودّ الخروج معها"، قال محولاً حديثه إلى الموضوع الأصلي، مما ترك غريس مرتبكة قليلاً وغير متوازنة.
مع ذلك، استعادة توازنها بسرعة.
سألت بفضول: "ماذا لو اعتذرت لك مباشرة؟".
توقف جوليوس ووضع يده على ذقنه.
اعترف: "سيساعد ذلك بالتأكيد".
الاعتذار سيقطع شوطاً طويلاً. لم يكن الأمر كأنه جاهل بالدافع وراء تصرف أميليا. لقد داعب غريس قليلاً وكان يدرك كيف يمكن لشخص شديد الحماية تجاه شخص ما أن ينظر إلى ذلك نظرة سلبية. بالإضافة إلى ذلك، لما فقد رباطة جأشه في تلك الليلة لو لم يَرى آل غرايسون قبل بضع دقائق فقط. لو كان أي وقت آخر، لتجاوز الأمر وكأنه ليس شيئاً يذكر. ابتسمت غريس لذلك.
وعدت: "سأجعلها تعتذر فوراً".
قال لها وهو يشعر بالرضا لحل تلك المشكلة: "شكراً، سأقدر ذلك".
كان هناك أمر واحد فقط يزعجه الآن. هو أن أميليا كانت تتنفس في هذه اللحظة فوق رقبة جوليوس مباشرة. وكان يعني حرفياً تتنفس فوق رقبته. كانت قريبة لدرجة تمكنه من المدّ وراءه ولمسها. لقد ناورت وتحركت حوله في اللحظة التي دخلت فيها غريس الغرفة. الشيء الوحيد الذي جعله يتقبل الأمر، هو أنها لم تكن تفعل ما قد يثير انتباهه. كان جسدها غير مهدد بشكل غريب. الشيء الرئيسي الذي كانت تفعله هو الحدق فيه.
لكن كانت هناك أوقات شك فيها جوليوس بأنها كانت تختبره وما إذا كان يستطيع استشعارها أم لا. كاد يضحك بصوت عالٍ حين شعرت بها تهمّ بالانقضض عليه وهمياً. لكنه حافظ على تمثيليته. كان واثقا تماماً من أن أميليا لن تباغته أمام غريس. هذا ما كان يأمله على الأقل. نظر إلى غريس التي كانت تنظر إليه هي الأخرى بنظرة محرجة على وجهها. لكن بعد مرور وقت أطول من المريح، تنهدت بصوت عالٍ.
قالت بنبرة حازمة وآمرة بشكل مدهش: "قصدت الآن".
راقب جوليوس بهدوء بعينيه الاثنتين بينما ظهرت أميليا فجأة أمامه. رآها تنظر إليه بعينين مركزتين للغاية. ثم ابتسمت وضحكت والتفتت نحو غريس.
قالت بافتخار: "أخبرتك بذلك".
نظر جوليوس بحيرة إلى غريس التي صفعت أميليا على كتفها عندئذ.
وبخته: "ليس هذا وقت مناسب".
سألت أميليا بعدم تصديق: "ماذا تقصدين؟ هل سنزعم تجاهل حقيقة أنه لم يبدو متفاجئاً لرؤيتي ولو قليلاً؟".
قالت غريس: "ليس هذا هو المغزى. كنا نشك من الأساس في قدرته على ذلك. لكنني طلبت منك الظهور للاعتذار، لا للحديث عن مهارة إدراكه".
سألت أميليا بمعرفة: "ألست فضولية ولو قليلاً؟".
توقفت غريس وأقرت بنقطتها بإيماءة رأس. التفتت إلى جوليوس بنظرة مفتونة.
قالت بحقيقة الأمر وبابتسامة ماكرة: "إذن يمكنك استشعارها".
تبّاً، نسيت أن أتظاهر بالتفاجئ. صفّع جوليوس جبهته بيده حرفياً من الإحباط. لقد كان خطأً بسيطاً للغاية. رغم أنه لم يكن مستعداً لظهور أميليا من العدم هكذا. كان يتوقع منهما الاستمرار في الاختباء بما أن هذا هو جوهر البقاء غير مرئيين. فكر في إنكار الأمر، لكنه كان قد قال للتوّ إنه وغريس صديقان. الكذب بشأن قدرته على استشعارها من عدمه لن يكون بداية جيدة لصداقتهما. وخاصة ليس بكذب يسهل كشفه مثل هذا الكذب.
بدا الاثنان واثقين جداً في استنتاجاتهما. وكان من المرجح في الواقع أن هذا هو السبب الوحيد وراء طلب غريس من أميليا إظهار نفسها. اكتفى جوليوس بالإيماء.
اعترف: "نعم، أستطيع".
"إذن في تلك الليلة حين التقينا أول مرة..."
"مم-مم".
تدخلت أميليا، ولم يعد الموقف الذي أظهرته تلك الليلة ظاهراً. بل كانت مهتمة للغاية إن جاز التعبير.
"إذن كيف يمكنك استشعاري؟".
نظر إليها جوليوس بتعبير جامد.
"تريدين مني أن أخبرك؟".
أومأت أميليا برأسها بحماس. نظر إليها جوليوس وكأنها غبية.
قال بسخرية: "تريدين مني أن أخبرك عن قدرة لي رغم أنك كنت تشتيمينني الأسبوع الماضي ثم حاولت خنقي بهالتك؟ لم تعذري عن ذلك حتى الآن بالمناسبة".
راقب جوليوس أميليا وهي تبدي تعبيراً منزعجاً على وجهها وكانت على وشك قول شيء، لكنها توقفت عندما ضربتها غريس، التي كانت بجانبها الآن، بمرفقها في أضلاعها. مرّ وجه أميليا بمراحل الحزن الخمس في لمح البصر. أولاً، كان هناك الإنكار، ثم الغضب، والذي تحول بسرعة إلى تأمل، ثم إلى حزن، وأخيراً بعد أن ألقت نظرة خاطفة على غريس أظهر وجهها تقبلاً لمصيرها. راقبها وهي تنحني نحوه.
قالت بجدية: "أنا آسفة للغاية لتصرفي في الليلة الماضية. لقد أسأت فهم نواياي وفقدت أعصابي. آمل بصدق ألا تؤثر أفعالي على نظرتك لغريس. أفعالي تخصني وحدي وسأتقبل أي عقاب لديك لي".
بكل صدق، تفاجأ جوليوس قليلاً بمدى صدق اعتذارها. كان يتوقع نصف اعتذار تافه مليء بالإهانات المستترة المغلفة بغلاف جميل. ومع ذلك، بقدر ما تتعلق الأمور بالاعتذارات، كان اعتذارها جيداً للغاية. ولم يستطيع إيجاد أي عيب فيه، وهو ما كان مزعجاً. رغم أنه كان ما زال مستاءً منها قليلاً، إلا أنه قدر صدقها على مضض. لقد تمكنت من ابتلاع كبرياءها، وهو أمر استطاع جوليوس إدراكه فوراً بأنها لا تفعله كثيراً من أجل قول كلمة آسف.
هذا بحد ذاته يوضح الكثير حول شعور أميليا تجاه غريس والأهمية التي تضعها على سعادتها. كما يوضح الكثير عن نوع الشخصية التي تمتلكها. بعد أن قالت ما تورده، لم ترفع رأسها، وبدت كأنها تنتظر منه قبول ذلك أو على الأقل قول شيء رداً على ذلك. مرّر جوليوس يده في شعره وتنهد بطريقة درامية.
قال لها: "لماذا لم تقدمي اعتذاراً سيئاً وحسب؟ كان سيجعل الأمر أسهل بكثير".
رفعت رأسها أخيراً مع وضوح الحيرة على وجهها.
"أكنت تفضل أن أعطيك اعتذاراً سيئاً بدلاً من اعتذار حقيقي؟".
رفع يديه وهزّ كتفيه.
قال وهو يتحدث لنفسه أكثر منها: "لا، لكنه كان سيجعل الاستمرار في كرهك أبسط بكثير. امتلاك اعتذار جيد يجعلني أود التعاطف معك وهذا يبدو خاطئاً وحسب".
كانت على وشك الرد لكنها اختارت البقاء صامتة بدلاً من ذلك. مفضلة النظر إليه بتعبير مربك على وجهها. ثم راودته فكرة عابرة فالتفت لينظر إلى غريس.
سأل: "أأنت من كتب هذا الاعتذار لها؟".
لسبب ما، بدا الاعتذار حقيقياً أكثر من اللازم. كأن أحداً أخبرها بكيفية قوله. راهد وميضاً من التسلية يعبر وجهها.
أنكرت بابتسامة خبيثة: "لا أعني ما تقصده".
ضغط جوليوس شفتيه بخيبة أمل.
"كم استغرقتِ من الوقت لإقناعها بحفظه عن ظهر قلب؟".
عند ذلك ضحكت غريس بالفعل.
"لم يستغرق الأمر طويلاً في الواقع. أعتقد أنها كانت آسفة بصدق حيال مجريات تلك الليلة. لم يتطلب الأمر سوى القليل من الإقناع".
نظر إلى أميليا التي بدأ وجهها يحمرّ قليلاً، سواء كان ذلك بسبب الإحراج أو الغضب، أو ربما مزيجاً من الاثنين.
سألت أميليا جوليوس أخيراً: "هل نحن على ما يرام؟".
قال بلا مبالاة وهو يحك ذقنه وينظر إلى الأفق: "كلا".
"ممتاز، هذا... انتظري، ماذا؟".
قال جوليوس باسترخاء متجاهلاً الغضب المتزايد على وجه أميليا: "قلت إن ذلك لا يجعلنا متعادلين".
"ما اللعين الذي يعنيه هذا؟".
سأل جوليوس: "لقد قلتِ إنك ستقبلين أي عقاب مني، أليس كذلك؟".
استطاع جوليوس استشعار أميليا وهي تطحن أسنانها ببعضها البعض بقوة.
أقرت باستياء: "فعلت ذلك".
صفق جوليوس بيديه بحماس ونظر مباشرة إلى أميليا.
أخبرها مبتسماً: "حسناً، هذا رائع! والآن، لا يمكنني التفكير في شيء في الوقت الحالي، لكنني سأعلمك بمجرد أن أفكر في شيء".
لو كانت النظرات تقتل، لدفن جوليوس تحت عشرة أقدام من الخرسانة. مع ذلك، أعطت غريس أميليا مرفقاً آخر في صدرها، وأظهرت أميليا لجوليوس ابتسامة قبيحة بينما كانت تومئ برأسها.
تمكنت من القول عبر أسنانها المطبقة: "بالطبع، فقط أعلمني عندما تقرر".
لم يدع جوليوس نظرتها الغاضبة تزعجه. بل استمر في الابتسام لها بابتسامة عريضة تظهر أسنانه.
"أوه، سأفعل".