وقاحة ذلك الفتى. فكّرت بغضب في نفسها. لم ترغب أميليا في شيء قدر رغبتها في تحطيم ذلك الفتى عديم الاحترام. كيف تجرأ على معاملة رينيرا بهذه الطريقة. الشيء الوحيد الذي منعها من تهشيم وجهه هو وجوب اختفائها وعدم ترحيب الأميرة رينيرا بخروجها من مخبأها لضرب الفتى. رافقت أميليا الأميرة رينيرا طوال معظم حياتها وحمتها بإخلاص من أخطار عديدة في طريقها. كانت السنوات القليلة الماضية بالغة الصعوبة، ووقع ما لا يقل عن اثنتي عشرة محاولة لاغتيالها.
لحسن الحظّ، لم ترسل البيوت والجهات التي تعقبت الأميرة سوى أشخاص دون المستوى الخامس حتى الآن. بطبيعة الحال، لم يأبه معظم أفراد المستويين الخامس والسادس بالأميرة رينيرا، إذ كانت لديهم أمور أهم للاهتمام بها. ومع ذلك، ترك ذلك الكثير من الطامعين الساعين لاستغلال الأميرة رينيرا لتحقيق طموحاتهم الخاصة. مع ذلك، شعرت أميليا بحذر شديد تجاه الفتى لسبب ما. كان هاله في المستوى الثاني وحده، وامتلك نوعاً من الأدوات التي تحجب هذا الهال، مما يشير غالباً إلى قلة المراس والتحكم.
لذا لم يفترض أن يمثل تهديداً، سيما وأنها في المستوى الرابع بنفسها. ما كان يتطلبه الأمر سوى ومضة واحدة لتسحقه مثل بعوضة. فلماذا شعرت بمثل هذا الانفعال حين نظرت إليه؟ تمثل السبب الرئيسي لشكوكها في حقيقة أنه نظر إليها مباشرة، على الرغم من استخدامها [ضباب الأثير] لحجب حضورها. مهارة يجد أصحاب المستوى الرابع ممن يملكون مهارة إدراك ملحمية صعوبة في اختراقها. لم يستغرق الأمر سوى ثانية، وكان يمكن تجاهله بسهولة بوصفه مصادفة.
غير أنها عرفت ما رأته. أكانت مصادفة؟ أم ربما كان أمراً ينبغي لها الحذر منه؟ لم يتصرف كأنها موجودة، لكن ظل هناك احتمال بأنه شعر بها، واختار تجاهلها بدلاً من ذلك. تمثل الأمر الآخر الذي أثار حذرها في الأثاث المستحضر حول الفتى. صُنع بالكامل من المانا، عالية النقاء، وذات كثافة عالية. وفوق ذلك، انساب شيء آخر في جوفها. استعصى استشعاره حتى بقدراتها، لكنه دلّ على ما يتجاوز قدرة صاحب المستوى الثاني على صنعه.
رأت أميليا أغراضاً مذهلة وخلابة صنعها حرفيون بارعون. تعاقد الكثير منهم لبناء أشياء للعائلة المالكة. وبدا غرض قادر على صنع أثاث بهذه الجودة باهظ الثمن بلا شك. ناهيك عن أن العلاقات اللازمة للعثور على حرفي كهذا ستكون بالصعوبة نفسها. لم يكن ذلك مفاجئاً بحد ذاته. فهذه غولدنكريست في نهاية المطاف. أرسلت العديد من البيوت والعائلات النافذة نسلها إلى هنا للدراسة وتعلم القتال.
وأدركت أميليا وجود نوادغ صغار من عائلتي أبرامز وزينيث هنا أيضاً. كلا، ما أزعجها أكثر من ذلك كله، هو معاملته للأميرة الإمبراطورية. تنكرا لتتمكن من التجوّل بحرية والاستمتاع بقليل من الهدوء والسكينة اللذين توفرهما غولدنكريست. مع ذلك، بدا مقيتاً أن يسمح لها أحد بالجلوس على التراب كأي عامة عادية. لم يعرض عليها حتى مقعداً. مقعد لم تشك في قدرة أداته على توفيره. حتى لو لم يدرك أن رينيرا أميرة، لكان جديراً به إبداء الشهامة وعرضه على أي امرأة بغض النظر عن مكانتها.
مع ذلك، لم تأخذ الأميرة رينيرا على خاطره. تقبلت التراب دون شكوى. عرفت أميليا أن للأميرة نقطة ضعف تجاه الحلويات وغيرها من أطائب الطعام. لذا لم تفاجأ كثيراً لانجذابها نحو الكعكة. لقد بدت لذيذة حقاً إن كانت أميليا صادقة. سيتعين عليها تقصي المكان الذي عثر فيه الفتى عليها لتتمكن من إحضار واحدة للاستمتاع بها لاحقاً. بدا جلياً أن الأميرة استمتعت بها كثيراً. لم تقلق أميليا حيال تسمم الكعكة أيضاً.
أولاً، توجها إليه، لا العكس. ربما لو دعاها لتناول الكعكة، لشعرت أميليا بحذر أكبر تجاه احتمالية التسمم. علاوة على ذلك، حملت الأميرة رينيرا على جسدها العديد من الأدوات المسحورة التي تفحص السموم في محيطها تحديداً. لم تكن طريقة مضمونة، لكنها ساعدت بدرجة هائلة حين تعلق الأمر بضمان سلامة طعامها. علاوة على ذلك، امتلكت أدوية عديدة كانت لتساعدها فور ظهور أعراض التأثر بأي مادة.
"كان عليك تجربتها، يا أميليا."
خرجت أميليا من أفكارها والتفتت إلى رينيرا.
"لم يكن ذلك ممكناً، فمن المفترض أن أكون غير مرئية، يا سمو الأميرة."
"لقد كانت تستحق العناء. حقاً، لا أستطيع تصديق أنني نسيت أن أسأله من أين حصل عليها"، قالت رينيرا محبطة من إخفاقها.
أزالت أميليا إخفاءها وظهرت بجانب الأميرة. على عكس تنكر الأميرة، تميزت شعر أشقر ذهبي وقوام ممشوق.
"لقد ذكر أنه عثر عليها في البلدة. ربما يمكنني إرسال شخص للبحث عنها إن كنت مهتمة."
"لا، فهذا سيقضي على تحدي العثور عليها بنفسي"، جادلت.
"كنت أفكّر في أن نذهب للبحث عنها غداً إن وجد متسع من الوقت."
"لا أظن أن ذلك سيكون آمناً، يا سمو الأميرة"، أشارت أميليا باحترام.
"آه، ما جدوى إرسالي طوال الطريق إلى هيستون إن كنت مقيدة أكثر مما كنت سأكون عليه في العاصمة؟ كما أنني أحظى بهذا التنكر بفضل العم، لذا يجب أن أكون آمنة تماماً"، قالت رينيرا.
"لا أرى سبباً للمجازفة"، فندت أميليا.
"وافقت على المجيء إلى هنا لأنني ظننت أنني سأحظى أخيراً بفرصة لأن أكون حرة بعض الشيء. لا لأكون أبعد عن عائلتي بينما ما زلت مقيدة بالأغلال"، صرحت رينيرا.
"جئت إلى هنا لأنه الأمان لشخصك"، صححت لها أميليا.
"لن يأتي ويحاول قتلك في مكان مثل هيستون سوى اليائسين وحدهم. وسيقلق الآخرون حيال التداعيات المحتملة لخرق السلام طويل الأمد هنا."
"أترين إذن أنني ما زلت بحاجة للحبس مثل عصفور صغير في قفص؟"
سألته الأميرة بسخرية.
"لا تحاولي لعب هذه الورقة. تحظين بامتيازات من ما يسمى بقفصك هذا تفوق ما يحظى به تسعة وتسعون بالمائة من أهل الإمبراطورية"، وبخت أميليا الأميرة.
بالنسبة لفرد من العائلة المالكة، تميزت رينيرا بحسن الخلق والطيبة. بيد أنها عانت من المشكلة المؤسفة المتمثلة في غياب المنظور السليم لمكانتها وأخذت بعض حرياتها كأمر مُمسلم به. لم تكن تدري مدى سوء حال بعض الناس. أو حتى عدد المضطهدين على يد المسيطرين على منطقتهم.
"كما أن عطلة نهاية الأسبوع هذه ليست الوقت الأنسب للاستكشاف. على ما يبدو، يزور هيستون عدة شخصيات رفيعة المستوى وغيرها من الشخصيات النافذة لإجراء مفاوضات. ستكون بالفعل بضعة أيام بالغة التوتر"، أضافت أميليا.
تمتمت رينيرا بتذمر مستاء وحاولت مجدداً إقناع أميليا.
"أرجوك؟ إن وُجه هذا القدر الهائل من الاتمام بالآخرين، أفلا تمر أفعالنا دون أن يلاحظها أحد؟"
توقفت أميليا عند ذلك. كان الاعتراف صعباً، لكن رينيرا طرحت نقطة وجيهة. ومع كل هذه الضوضاء، استطاعتا التسلل في أنحاء هيستون دون أن يدرك أحد شيئاً. على الأرجح، سيكون ذلك التوقيت الأنسب لاستكشاف المدينة. لابد أن رينيرا لاحظت الإقرار المتردد على وجهها فمضت قدماً.
"يمكننا الذهاب متنكرين كما نحن الآن. لا مانع عندي من وجود مرافقين وبضعة حراس آخرين حولي أيضاً. لكن أيمكننا فعل ذلك من فضلك؟ لم يتسنَّ لي رؤية بقية المدينة لوجود مثل هذا الحشد الغفير من الناس من قبل."
راقبت أميليا رينيرا وهي تمنحها نظرة الجرو الألطف. تنهدت مستسلمة.
"حسناً. لكن ستكون هناك شروط صارمة. وأتوقع منك اتباعها دون نقاش، أفهوم؟"
أطلقت الأميرة رينيرا صرخة فرح وقفزت صعوداً وهبوطاً بحماس، معانقة أميليا بإحكام.
"شكراً لك، شكراً لك!"
اكتفت أميليا هز رأسها. انتظرها يوم حافل يتوجب عليها التخطيط له قبل الغد. كان عليها معرفة تخطيط المدينة، وأي جزء منها سيتجهن إليه. وتعيين المهام لبقية الحاشية والحراس. بدا أنه لن ينالها الكثير من النوم الليلة.
"آه، أدركت للتو. لكنني لم أعرف قط اسم ذلك الفتى"، قالت الأميرة لنفسها أكثر من أي شخص آخر.
قوطعت أميليا بينما كانت تخطط لأحداث اليوم التالي.
"ماذا قلتِ؟"
"أوه، لا شيء. كنت أفكّر فحسب في أنني لم أعرف قط اسم ذلك الفتى اللطيف."
"أتقصدين الفتى الذي لم يعرك مقعده لتجلسي عليه وجعلك تأكلين على التراب؟"
قالت أميليا بانزعاج.
"لقد قاطعناه أثناء حلوى. ناهيك عن أنه شاركني كعكة مذهلة. لا أستطيع توقع تخليه عن مقعده الوحيد. ربما لو كان طعم الكعكة شبيهاً بالتراب لكنت أكثر استياءً"، دافعت عنه رينيرا.
"هذا لا يعذر وقاحته"، علقت أميليا.
"لن أحملها ضده. علاوة على ذلك، ربما عجز عن صنع مقعد آخر لي. لقد كان بالفعل عملاً بالغ الإبهام من بناء المانا، لذا لن ألومه إن عجز عن صنع غيره."
حولتي أميليا اهتمامها كاملاً نحوها بسرعة.
"أتحسبين أنه صنع المقعد والطاولة بنفسه؟"
هزت الأميرة رينيرا كتفيها.
"هذا ما شعرت به. أظننتِ غير ذلك؟"
هزت أميليا رأسها موافقة.
"ظننتها أداة."
عبست رينيرا.
"لا أظنها أداة. شعرت أن لديه ارتباطاً شخصياً بها يفوق شيئاً مستحضراً بمساعدة أداة. ارتباط يتوافق أكثر مع مهارة قيد الاستخدام. هذا ما دفعني للذهاب إلى هناك في المقام الأول. وكانت الكعكة مجرد مصادفة سعيدة."
غاصت أميليا في تفكير عميق. أدركت جيداً تمتع الأميرة رينيرا بموهبة متوارثة شملت حواس مانا مذهلة منذ أن كانت رضيعة. لم تدور مواهب أميليا الخاصة حول التلاعب بالمانا ومباني المانا الأخرى. كانت بارعة جداً وفق المعايير العادية، لكنها لا تقارن برينيرا بشيء. لذا، وثقت برأيها أكثر من رأيها هي. وإن اعتقدت رينيرا أن الفتى صنع التراكيب عبر إحدى مهاراته الخاصة، كانت أميليا في وضع يدفعها لتصديقها.
"كيف تمكن من صنع شيء بهذه الكثافة والتعقيد بمفرده؟"
سألت الأميرة.
"لا أعرف. حملت التراكيب ترتيبات معقدة متعددة. وحين كنت أكل، حاولت باهتمام معرفة كيف فعل ذلك. استطاع بطريقة ما تكثيف حزمة من مانا النار بما يكفي لمنحها شكلاً جسدياً كاملاً ثم أضاف إليها فوق ذلك عناصر من المانا اللينة. وهناك أشياء أخرى عجزت عن تبينها، لكنها كانت مؤثرة بلا شك. على الأرجح أنها كانت نتيجة استخدام عدة مهارات مانا فائقة الجودة"، قالت بتقدير.
غير ذلك الكثير من نظرة أميليا للفتى الآن. وضعته في مراتب أعلى ضمن قائمة الأشخاص الواجب مراقبتهم. لم تسمع بأحد يحمل وصفه بعد، لذا تعذر أن يكون نسلاً معروفاً من عائلة نافذة، لكنه ظل شخصاً يملك مستوى من المهارات على الأقل إن تمكن من إبهار رينيرا. لم تنبهر الأميرة بسهولة بأي شيء. وخصوصاً أي أمر يدور حول المانا.